ثقافة الصحراء

في محاضرة بثقافية الدمام:
الحرز بين الاشتباك والتأويل في الخطاب النقدي للنص
الابداعي

جريدة اليوم: 2003-05-11م

 

الدمام - عوضة الزهراني

نظمت جمعية الثقافة والفنون بالدمام يوم الاربعاء الماضي محاضرة ثقافية القاها الناقد محمد الحرز تحت عنوان (النص الابداعي بوصفة قيمة ثقافية في وعينا النقدي)
تساؤل
بدأت المحاضرة التي قدمها رئيس القسم الثقافي عبدالله السفر بتساؤل عريض عن كيفية التواصل مع النصوص الابداعية ليس من منظور القراءة المباشرة انما من خلال اشتباكها تأويلا تارة وتفسيرا تارة اخرى بالخطاب النقدي؟.
قراءتان
وتناول الحرز في محاضرته قراءتين الاولى تراكمية نمطية ليست نوعية ولا تفاعلية احالت النصوص الابداعية في معظمها الى قراءة ابداعية ثانية تعلي من شأن الذاتية على حساب الموضوعية وتتنصل من مسؤولياتها رغبة في تحويل وعيها الثقافي النقدي بقصد او دون قصد الى وعي مدجن يغلب عليه في معظم الاحيان المهادنة وليس المجادلة والتساكن وليس التفاعل.
اما القراءة الثانية فقد جاءت اهميتها في عمقها الجدلي للافكار وفي قدرتها على تأسيس معرفي يفضي بالوعي النقدي الى وعي شمولي فلسفي ومن سماته الاصغاء الى تدفق نهر الحياة وانعكاس هذا التدفق على الانسان واللغة والثقافة والفكر.
اسس
وأسس الحرز في ورقته النقدية افتراضات ومناهج ومعارف انطلاقاً من المنظور الثاني للقراءة واتخذ من الخطاب النقدي المحلى من خلال تحليله النصوص الشعرية لجيل الثمانينات نموذجا تستند عليه في التحليل والرؤية وتعتمد عليه في تفكيك بعض المفاهيم واعادة صياغتها وفق الافتراضات التي تتبناها الورقة.
افتراضات
ومن اهم الفرضيات التي طرحها الحرز وبنى عليها تحليله اولا: ان ثمة علاقة جدلية قائمة على التأثير المتبادل بين النص الابداعي وبين النص النقدي وثانيا:افتراض وحدة التناظر بين النصين تعكس مستوى الموقف الوجودي للكاتب من الحياة والذي لا يؤدي بالضرورة الى فهم طبيعة العلاقة بين وعيين متضادين في الظاهر ومتماثلين في الباطن.
ثالثا: القيمة الثقافية كونها استعادة مستمرة لزمن البراءة الاصلية للكائن هي ما يترصده التحليل ويحاول الاقتراب منه خلاف المفاهيم المختلفة حول هذه القيمة وتقاطع صلاتها بكل معنى مستخلص من تحليل النصوص. ورابعا: مفهوم التحول وهو مفهوم اشتراطي بالاساس يعتمد في تحركه على حجم المرجعيات المعرفية والمنهجية التي تتحكم في زاوية النظر القرائية لاى نص نقدي.
صحراء البازعي
وتحدث الحرز في ورقة عن مفهوم (ثقافة الصحراء) الذي طرحه البازعي في تحليله النص الشعري والقصص لكتاب وشعراء الجيل الثمانيني حيث تناولها من نقاط عدة اولا: ان المفهوم ولد عند البازعي كظاهرة ثقافية تتأطر نتيجة عوامل عدة وثانيا: ان البازعي يضع الجميع امام ثنائية (الشفوي/ الكتابى) بوصفها ثنائية سماتها الثقافية الانتروبولجية تعود بجذورها الى الصحراء.
ثالثا: ان هشاشة التعليل المتقدم لا تعكس البنية العميقة لتحولات الوعي الشعري لادب الجزيرة ولا المؤثر الثقافي بوصفه وعيا يتخطى الحدود البيئية والجغرافية.
ورابعا: النظرة الاسقاطية على الوعى الشعري ليست كالنظرة المحايثة وثمة فرق شاسع بينهما لان الاولى غائيه تتوسل القراءة الارتدادية والثانية ذاتية تتوسل القراءة التأويلية المبدعة.
نتائج
واستخلص الحرز في ختام محاضرته عددا من النتائج على المستوى النظري والتطبيقي منها أنه لم يكن مفهوم ثقافة الصحراء في خطاب البازعي النقدي سوى قيمة ثقافية مسقطة من الخارج على النص الشعري وأن العلاقة الفرضية بين النص الابداعي والنص النقدي والجدلية القائمة بينهما وعرض تلك الجدليه في عدد من النقاط.
مداخلات
بعدها تحدث مقدم المحاضرة عبدالله السفر مشيرا الى ان الكلام تركز على سعد البازعي وهو مفرد من ضمن نقاد حيث اشتغل بهذا المفهوم الغذامي والسريحي وغيرهما وتطرق السفر كذلك الى تناول الحرز في ورقته شعراء التفعيلة ولبعض الاسماء واغفال تجارب اقدم وكذلك تجاهل انكسار وانحسار شعر الثمانينات بامور خارجة عن الارادة.
قراءة تشريحية
وداخل الناقد محمد محمد العباس حيث رأى ان القراءة تشريحية لنقدية سعد البازعي والتي تناولت البعد الجمالي بوصفه قيمة وولادة المفهوم (الصحراء) وانزياحه عن الاستقطاب وارتباكه امام الشفوي والكتاب وعدم الالتفاتة للوعي الايقاعي وانتهاك زمنية النصوص واضاف العباس ان ثقافة الصحراء للبازعي قيمة مسقطة وهو تشريح للخطاب من الداخل ويمكن قراءته من الخارج.
متابعات كتابية
واشار العباس الى كتاب (ثقافة الصحراء) على انه كتاب على قيمة من الاهمية لان الصحراء ثيمة مهمة وهي رمزية خاصة عند البعض وهي متناولة من مثقفين غير صحراويين. ورأى العباس ان البازعي متأثر بالمركزية والشمولية في التفكير الايدلوجي باعترافه ان الكتاب جاء بدون منهجية بل دراسات ومتابعات كتابية.
استفزاز
ودعا العباس الى مفهوم ثقافة الصحراء لان استخدام ذلك المفهوم استخدام صارم للهوية شديدت الانغلاق والجاذبية وبعض مفاصله كانت قابلة للتحديث لان هناك ارتباكا بشأن الثقافة العربية امام الحواضر التي انجزت بينما الصحراء تعاني الاغتراب وهذه استجابة لهذه الاستفزازات.
الريف المتمدين
واخذ العباس على البازعي تصعيد مفهوم الصحراء الى القيمة او الايدلوجية والتعاطي مع هذا المفهوم كمفهوم متحقق دون ان يكون مطمحا وتحويل الصحراء الى طارد لجملة من السياقات كالبحر والسياق الريفى المتمدين.
بحث عن هوية
وتحدث الزميل احمد سماحة عن اسقاط البازعي مفهوم ثقافة الصحراء وراى ان المسألة ايديولوجية وبحث عن الهوية
.

 

النقد العربي لم يصل إلى مرحلة النضج، وما يدعيه المبدعون من ظلامية المجتمع أوهام ايدولوجية

نقلاً عن موقع التنور    

 

يحاول الناقد السعودي محمد الحرز في كتابه الجديد ( شعرية الكتابة والجسد) الصادر عن دار الانتشار العربي، الدخول إلى فضاء الشعر من خلال رصد جملة من المفاهيم والقيم التي يسعى الكشف عن منطق اشتغالاتها وطريقة تعابيرها الإبداعية ووظائفها الجمالية

حوار: جعفر عمران

محمد الحرز من النقاد الشباب الأكثر جدلا في الساحة الثقافية السعودية، يأتي في كتابه هذه بلغة أكثر هدوءا، وبلغة متخففة من المصطلحات النقدية، ولكنه أكثر جزما لأحكامه النقدية، وأكثر قناعة بعدم وجود وعي حقيقي للموروث العربي الإسلامي، فهو نقد طفولي، لم يصل إلى مرحلة النضوج حسب ما جاء  في حواره مع "الشرق الأوسط"، الذي يتحدث فيه عن المسافة بين اللغة الشعرية واللغة النقدية بصفته شاعر صدرت له مجموعتان شعريتان: ( رجل يشبهني) 1999 ( أخف من الريشة أعمق من الألم) 2003
 

نلاحظ النبرة الهادئة في خطابك النقدي، خفوت الصوت العالي أو التصادم، أصبحت  أكثر خبرة وأكثر هدوءا، ما الذي تغير لدى محمد الحرز حتى وصل إلى هذا الصوت؟
أعتقد أن من الأسباب التي جهلتني أكثر هدوء في الممارسة النقدية هو القناعة التامة التي كنت ولا أزال مقتنعا بها التي تقول يجب على الناقد أن يكون أكثر تبصرا, وأكثر رؤية لنقده أولا ومن ثم للنصوص التي يتناولها نقديا هذا من جانب ومن جانب آخر أعتقد أن شرط التناول النقدي يبدأ من فصل النص عن المؤلف، غالبا في بداياتنا النقدية حاولنا أن نتجاوز هذه المسألة ولم نكن معنيين بالدرجة الأولى بممارسة هذا التجاوز، كنا نمارس النقد في أذهاننا بنوع من الاقتباس ما بين المؤلف والنص أو العكس صحيح ولذا جاءت مجمل أعمالنا النقدية محكومة بقيمة محددة أو معيارية، أي أننا نحكم على النص من خلال قراءة واحدة، ومع الاستمرار والتجربة أصبحت لي نظرة هادئة، وهي حميمة وقريبة جدا إلى نفسي، النصوص التي تناولها الكتاب كانت على خلفية معايشتي الحقيقية لهذه النصوص أي حبي بالدرجة الأولى لهذه النصوص، وذلك جعلني أكثر وعيا وتبصرا لهذه النصوص.
تحكم على الأدب السعودي النسوي من خلال تجربة أو شاعرة واحدة هي الشاعرة مها الجهني؟ ألا يعتبر هذا الحكم ظالم أو غير مكتمل.
هو مأزق قراءة نقدية قبل أن تكون قراءة منهجية معينة كنت أتحاشى في مطب التعيين أو الوقوع في استجلاء قيمة معيارية في الكتابة النسوية تجربة مها الجهني من خلال ديوانها ( مدينة بلا ظلال) جاءت عرضا ولم أدخل في هذه التجربة من العمق حتى استخلص منها قيمة معينة وأعممها على بقية التجارب النسوية، أشرت إلى أن التجربة النسوية لا تنحاز إلى ما يطرح في الساحة من ثنائيات ما بين الأدب النسائي والأدب الذكوري، قلت أن التجربة النسوية تنتمي إلى الإبداع بشكل عام، أما ما يتعلق بالشاعرة مها الجهني فتطرقت إلى تجربتها الشعرية من الداخل ولم أحاول أن أقارن هذه التجربة مع بقية التجارب الشعرية النسوية.
لماذا تناول تجربة واحدة؟
تحدثت في تجربة مها الجهني مع ما يشغلني بالدرجة الأولى وهي مسألة الكتابة، تحدثت عن قيمة محددة وهي قيمة مفهوم الكتابة من داخل التجربة ذاتها بمعنى كنت أحلل مفهوم الكتابة من خلال تجربة الجهني ولم أعممها على التجربة النسوية، وفي بقية المجموعة ذكرت الشاعرة فوزية أبو خالد من خلال الميثولوجيا في علاقتها بالصحراء ولم أتناولها كبعد نسوي داخل  الخطاب الشعري النسوي، لذلك كنت  أركز على الثيمة التي تحركني من خلال النصوص. مرة ثيمة الكتابة ومرة الجسد ومرة الصحراء.
نلاحظ اعتمادك على مقولات نقاد أو مفكرين غربيين وتحاول تطبيقها على أدبنا المحلي، لماذا تنظر أن على أدبنا السعودي أن يخضع لهذه المقولة؟
اعتقد هذه أزمة لا تنسحب على تجربة نقدية واحدة بل على التجربة النقدية في العالم العربي بشكل عام، الأزمة تكمن عندما تأخذ هذه المقولات وتنزعها من السياق وذلك ما يحدث الإرباك، أنا لا أقول أن ما قمت به هو نوع من القراءة السياقية للمقولات، ولكن أنت أمام خيارين، الأول أن تطبق هذه المقولات بشكل تعسفي، ومن ثم تحصل المقولات هذه حسب التجربة النقدية التي تقرؤها، والخيار الثاني وهو الذي حاولت أن أتجنبه وهو أن توسّع من مفهوم هذه المقولات حتى تنطبق ولو جزئيا على ما يحدث في الساحة الثقافية السعودية، فعلى سبيل المثال مفهوم الثقافة، وهو مفهوم واسع جدا عندما تطبق هذا المفهوم بجانب منه على ثقافتنا المحلية  وتستعير بعض المقولات الثقافية والغربية التي استطاعت نوعا ما أن تمتلك خبرة في تطبيقها وتحليلاتها على بعض المجتمعات، أعتقد أن ذلك يجيز استخدامها ولكن بحذر شديد حسب طبيعة الموضوع الذي تتناوله، ربما وفقتُ كثيرا في بعض المقولات وطبقت حسب الموضوع وحسب التوجه وحسب القيمة التي اُستخدمتْ، مثل قيمة الصحراء في دراسة الناقد الدكتور سعد البازعي، حاولت أن أطبقها بشكل انتربولوجي وبشكل أوسع وحصل بها نوع من التوازن، ربما بقية الجوانب لم ترق إلى نوع من الموازنة فيه نوع من الخلل ولكن يعتمد على طبيعة الموضوع نفسه.
ولكن اعتمادك بشكل كامل على خلاصات لنقاد غربيين تماما، ولم يرد في كتابك سوى اسمين عربيين، ألهذا الحد لا توجد لدى النقاد العرب خلاصات نقدية أو الخبرة في استخلاص مقولات أو إشارات يعتمد عليها محمد الحرز في ثقافته بشكل عام؟
بالنسبة لي لا توجد هناك مقولات مستخلصة من موروثنا العربي الإسلامي نعتمد عليه أساسا في تقعيد مفاهيم محددة نبني عليه تحليلنا، لو رجعنا للتاريخ لوجدنا أن جيل الثلاثينات الميلادية اعتمدوا على الترجمة واعتمدوا بالأساس على التقسيمات التاريخية لمفهوم الأدب، ولم يختلف مفهوم الأدب سواء عند التقدميين الماركسيين أو عند الشيوعيين ، وعلى سبيل المثال فإن مفهوم الالتزام في الأدب طبق في السبيعنات وفي الستينات وفي الخمسينات، لا يوجد في الأدب العربي مفهوم التزام، إنما هو مفهوم سياسي بالدرجة الأولى وطُبق من باب البعد السياسي، ولذلك فإن الأزمة الحقيقة هو عدم وجود مفاهيم نحاول من خلالها أن نستجلي النصوص الأدبية، وأن نقترب منها من خلال مفاهيم عربية موروثة خالصة، هناك مقاربات نقدية في الوطن العربي تستجلي النصوص من خلال هذه المفاهيم وتحاول أن تطبقها تطبيقا مباشرا، وأسماء أخرى معينة تحاول، ومجرد المحاولة يدل على نوع من الوعي، ونوع من الفهم والمساءلة والحوار، ولكنها غير جادة في الخروج من إطار ثنائية الغرب والشرق، ولم تستطع الوصول إلى مفاهيم محددة تستطيع أن تقيم تحليلا نقديا واعيا لكل ما هو موروث عربي إسلامي، وأعتقد أن الأزمة تكمن في عدم وجود قواميس عربية لغوية تعتمد بالأساس على الترجمة وصياغة هذه الترجمة بشكل عربي، ومن طبيعة النقد العربي واسميه نقد طفولي، لم يصل إلى مرحلة النضج، نحن لا زلنا في طور تكوين المفاهيم، لأننا لا نملك وعي نقدي على مستوى مؤرخين يمتلكون وعي حقيقي للموروث العربي الإسلامي، أنا لا أجد سوى الناقد هشام جعيط وهو فرد استثنائي، ولكن أين الحركة الثقافية النقدية التي تنهض بجميع مراحل الثقافة العربية سواء على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
 

 

تتناول في كتابك، كتاب الناقد الدكتورعبدالله الغذامي ( النقد الثقافي) ولكن بشيء من القسوة على الغذامي من خلال طريقة عرضك لكتابه؟ لماذا هذه القسوة لهذه القامة النقدية؟
ليست قسوة، بل هو حب، عندما تتعالق مع أي ناقد في أفكاره فأنت تحمل قيمة فكرية لهذا الناقد وقيمة لأفكاره، وأنا أتساءل لماذا أتوجه للغذامي وأترك الآخرين؟، ليست قيمة الغذامي في وجوده على الساحة، وفي شهرته وإنتاجه، هذه مسألة ثانوية، ولكن قيمة الفكرة هي التي تتعالق مع هذه الفكرة وتحاورها، الحوار مع الفكرة دلالة على أن الفكرة غنية وثرية، لأنها تسمح لك بالحوار وتخرج بحصيلة معينة، الفكرة قابلة للجدل والحوار، بعض النقاد عندما تتجادل معه تشعر بأن الدخول مع فكره يصل إلى طريق مسدود، لأن فكرته ضحلة لا تأخذك إلى مناطق أكثر ثراء وحرية، كما عند الغذامي، حيث وجدت في تعاملي معه، تعامل منفتح، أخذتني إلى مناطق شعرت بأن الفكرة قابلة للتطور والحوار.
ترى أن القصيدة المحلية لم تكتب كما ينبغي لها أن تكتب، وتاريخها في المنطقة هو تاريخ التذبذب بين الوعي الديني والوعي الثوري وأنها تعتمد على إيقاعنا الشفوي المقدس، كيف تعمم هذا الاستنتاج على مجمل نتاج القصيدة السعودية؟
هذا الكلام جاء في سياق القصيدة المحلية المرتبطة بالطقوس الدينية، والطقوس الدينية هي طقوس شفوية وأثرت على القصيدة وانسحبت تماما على بُنية القصيدة التي كتبت في الثمانينات الميلادية، وعندما نعود للقصيدة بين الوعي الديني والوعي الثوري، وليس القصد بالوعي الديني المناسباتي بالدرجة الأولى، ولكن الطقوس الدينية التي تكمن في وعي الشاعر بالقصيدة، بمعنى حينما نتناول نصوصا معينة تتكلم عن الأساطير التموزية على سبيل المثال نجد أن هذا التناول لم يأخذ منحى الخروج من البعد الشفوي وإنما ظل قابعا في هذا البعد، بقيتْ هذه النظرة إلى هذه الأسطورة نظرة منمطة منتزعة من سياق شعري آخر، إلى القصائد الأخرى، تجد هذه الإشكالية عند شعراء الثمانينات عندما اقتربوا من الأسطورة الدينية، هناك نصوص دينية مناسباتية، ولكنها مقاربات لا تخرج عن الوعي الأسطوري المأزوم، الذي ينظر إلى الأسطورة مجرد وعي أو إيقاع شفوي لا يمت للواقع بصلة، الوعي الثوري هو الخروج من هذا السياق ولكن بأي طريقة؟ ذلك يعتمد على الشاعر نفسه وما يقترح أن يقوله، هذا ما لم أجده في الأدب السعودي.
نلاحظ في كتابك أن لغتك النقدية أصبحت أكثر بساطة وأكثر رغبة في التواصل مع القارئ، كنت تعتمد على المصطلحات، التي هي بحاجة إلى تفسير، ولكنك الآن أصبحت متخففا منها، كيف وجدت مشوارك مع اللغة النقدية؟
البدايات دائما تتسم بالتخبط، خاصة مع اللغة، في تجربتي الخاصة أعتقد بدل أن أصعد خطوة خطوة في الكتابة بشكل عام، أصبحت أنزل من السقف، من الأعلى، طبيعة تكويني الثقافي كان فلسفيا بحتا، والدخول إلى البعد الفلسفي في البداية يسبب إرباكا سواء على مستوى التفكير أو اللغة، وهذا ما حدث لي، عندما تتمكن منك فكرة فلسفية، وهي فكرة عميقة تود أن تعبر عنها بلغة، لا تسعفك اللغة، فتأتي اللغة متخبطة بتخبط الفكرة، وهذا ما حدث لي، الفكرة غامضة بغموض اللغة والعكس صحيح، ومع مرور الوقت ومع نمو الثقافة، جاءت مرحلة الفرز والوضوح، أصبحتُ أمتلك  خبرة كتابية ـ ربما أدّعيها ـ تفرز لي الفكرة عن اللغة، وأصبحتُ أتلبّس لغة أقل ما يقال عنها أنها متواصلة مع القارئ، وهذا ما يلمسه القارئ في كتابي هذا، التخفف كثيرا من المقولات الفكرية المتعسفة في بعض الأحيان، والتخفف من الأفكار العميقة التي تأتي بلباس لغوي أكثر بساطة وأكثر توضيحا للقارئ، هذا ما وجدته في أن العمل على الدراسات النقدية أكثر صعوبة، من العمل على الثقافة المرتبطة بالمجتمع، التي أجدني معها أكثر أريحية وأكثر بساطة في التحاور مع القارئ، ولكن العمل على النقد أو مع النصوص الشعرية تكون أكثر صعوبة، لأن النصوص الشعرية هي بطبيعتها غامضة على القارئ، والناقد يود أولا أن يقرأ النص الشعري على مستوى تفكيره، وليس على مستوى القارئ، ثانيا تود أن تخبر القارئ بأن هذا النقد ليس نقدا تعليميا و ليس توجيهيا، بل هو نقد يعتمد على قراءة أخرى، قراءة تعتمد على مخزونك الثقافي وعلى مرجعيتك الفكرية، هذه الصعوبة التي تكمن في تواصلي نقديا مع القارئ، ولكن في كتابي الجديد هناك تقليص للمسافة بيني وبين القارئ.
بصفتك شاعر وناقد كيف تفصل بين اللغة النقدية واللغة الشعرية التي هي بطبيعتها ضد اللغة النقدية، كيف تخضع لحظة الكتابة الشعرية للنقد، ألا يهيمن عليك الناقد أثناء الكتابة الشعرية؟.
تعلمتُ من التجربة النقدية أن أبحث عن رؤية شعرية مختلفة، لاحظت الكثير من الكتّاب عندما يذهب إلى الشعر فهو يذهب إليه من خلال تقليده للآخر، اعتمادا على مخزونه الثقافي الغير متأمل والغير مستخدم نقديا كسلاح في التجربة الشعرية، بالنسبة لي حدث العكس، بدأت شاعرا أكتب القصيدة العمودية، وعندما حاولت أن أتجاوز إلى تجربة شعرية مختلفة إلى التفعيلة ثم إلى قصيدة النثر، كانت القراءات النقدية هي الحافز الحقيقي لكتابة شعرية مختلفة، كان الدافع الأساسي للقراءات النقدية هي حب الشعر، وهذا ما دفع بي أن أكون متجاوزا من العوائق النقدية إلى مناطق أرحب في الشعر، ربما هذا النجاح الذي حققته، لا أعلم إن كنت وقعت في مطبات بالنسبة لمنتجي الشعري أو تجاوزته في مجال آخر، يبقى الحكم للقارئ في هذا الجانب، وفي مجموعتي الشعرية( أخف من الريش أعمق من الألم) هناك مناطق سردية بحتة ليس فيها إيقاع شعري لكنها تحمل روح البعد والسرد الشعري داخل هذه النصوص، بسبب محاولتي الجادة في البعد النقدي حاولت أن أقترب من الكتابة النقدية وأجيّرها لصالح الشعر، بعض المتلقين تقبل ذلك وبعضهم رفض، وذلك دليل على أنني استطعت الدخول إلى منطقة مختلفة.
نلاحظ في الساحة الثقافية السعودية وربما في بعض الساحات العربية عدم التواصل أو القطيعة بين الأجيال، برأيك ما هي الأسباب؟
هذه القطيعة تعود إلى عدم وجود حركة أدبية في نطاق المؤسسات التعليمية، وهذا ينعكس على الأجيال اللاحقة، لا زالت التصورات عن الأدب بأنه أدب نفعي، وأنه مجرد حامل لأمور نفعية في الحياة، لم يصل الأدب إلى مرحلة المغامرة، أوأنه المعادل الحقيقي للحياة، تجارب فردية حاولتْ أن تصل إلى مرحلة معينة من الإبداع ثم تنكسر، التظلمات التي تحدث من المبدعين، يتذمر من هذه الناحية لعدم وجود حقوق إنسانية في مجال الأدب، المجتمع لا زال يحمل تصورا سطحيا عن الإبداع، لا ينتمي إلى الإبداع ولا إلى زمنية الإبداع، وتحول الإبداع إلى وجود تجارب جماعية، لدينا تجارب فردية تنتج إبداعها في فترة زمنية محددة ثم تنطفئ.
يلاحظ انحسار وغياب جيل التسعينات التي كتبت قصيدة النثر عن الساحة الثقافية.
هناك خلل في البنية النفسية لدى المبدع، إذا أراد المبدع أن يتجاوز عليه أن يتحمل جميع الصعاب، القيمة المعنوية للإبداع هو أن تتجاوز، وأن تتخطى الحياة والمجتمع، ليس بالمفهوم النرجسي ولكن المفهوم التواصلي، عندما تتجاوز فأنت تقرأ مجتمعك بشكل مختلف، وهذا يتطلّب نوعا من الممارسة ونوعا من التضحيات، أغلب المبدعين لا يحملون هذا الهاجس، الذي يجعلهم يتجاوزون وبالتالي يتحملون تبعات كل ما يحملون من قناعة ثقافية وفكرية، هذا عامل، والعامل الآخر هو هشاشة البنية الثقافية لدى المبدعين، عدم وجود البنية الثقافية المتطورة، وعدم التواصل الثقافي مع الآخر يؤدي إلى الانطفاء والموت الإبداعي ، وتعليق عدم التواصل على الآخر وعلى المجتمع، مثل ظلامية المجتمع وعدم فهمه لهم، هذه الإشكالية وقعت في الستينات الميلادية، عندما ظهرت  حركة ( مجلة شعر ) وأحالوا عدم تواصل هذا المشروع إلى حاجز اللغة، وحاجز المجتمع، أعتقد أن كل ذلك أوهام أيديولوجية لا تمت للواقع وللأدب بصلة، الأدب فن منفتح على كل الجهات وعلى كل الثقافات لا يحتاج إلى توصيات ولا إلى قناعات أيديولوجية، وهذه سمة المبدع أن يترفّع عن جميع التحزبات السياسية والثقافية.

 

الحميد يحصر معضلات كتابة النص الإبداعي بعشر نقاط في أدبي حائل
نفي تمثيل السريحي لتيار الحداثة واتهام البازعي بالعنصرية

عكاظ الخميس 30/4/1428  17/مايو/2007

 

عكاظ (حائل)
شكلت المداخلات على الورقة البحثية التي قدمها نائب رئيس نادي حائل الباحث عبدالسلام الحميد عن: “الرواية ديوان السعوديين الجديد”، اضافات لافتة وغنية ليس على الورقة فحسب بل على مقاربة الحراك الثقافي الذي تشهده المملكة هذه الأيام، وإذا سعى الحميد لحصر معضلات كتابة نص ابداعي حقيقي سعودي بعشر نقاط، فإن المداخلات تطرقت إلى مستقبل الرواية السعودية ومن يمثل تيار الحداثة والشرخ الذي أحدثه مصطلح “ثقافة الصحراء” في التعاطي مع المنجز الثقافي السعودي.
فضمن أنشطة منتدى الحوار في نادي حائل الأدبي قدم الحميد ورقة مساء الثلاثاء وأدار الحوار سالم الثنيان.
ومما جاء في الورقة أن السرد العربي المعاصر يعتبر معادلاً موضوعياً للشعر في الثقافة العربية التقليدية ويطرح نفسه كديوان جديد للعرب. وأكد الحميد في ورقته أن فاعلية الحدث تتفاوت داخل السرد السعودي الشاب ما بين أفعال تستند على دعاوى اخلاقية وأفعال في اطار موقف لا أخلاقي ورأى ان الابداع يشكل انزياحاً عن الخطاب التقليدي، وأن السرد السعودي الشاب يعكس مأزق تطلعات ورغبات جيل شاب يطمح الى استكمال هوية ثقافية جديدة في مواجهة المؤسسة المجتمعية بما تحمله من “أرثوذكسية” صارمة. واعتبر أن السرد السعودي يطرح المفاهيم الاخلاقية والدينية كأيديولوجيات نشطة ويأخذ منها موقفاً انتقائياً حيث يخضع الكتاب أحياناً لسطوة الخطاب الديني الذي يتحول لقناعات راسخة عبر منظور أخلاقي يكاد يتحول لأيديولوجية يقينية.
الحميد استعرض المشاكل التي تعكسها الحالة الروائية، والمعضلات التي تعيق كتابة نص ابداعي حقيقي وحصرها في عشر نقاط منها: غياب الالتزام الفني والصرامة مع الذات، والنقد الذاتي وتحول بعض المثقفين الى حرس قديم ينتدب نفسه لمقاومة كل فعل ابداعي جديد، وهو في حقيقته مسكون بالنوستالجيا المرضية لمرحلة عاشها ولا يستطيع تجاوزها. ملمحاً لرأي عبده خال حول احتياج كل رواية سعودية لقراءة نقدية مستقلة، وختم ورقته مؤكدا نحن نمتلك فرصة تاريخية لصنع تاريخ ثقافي عربي جديد مغاير للسمات الثقافية العربية الرديئة تاريخيا. وقال ان الرواية السعودية قابلة لأن تتشكل وأن تبرز عندما يضطلع الناقد بمهمته، ويكتسب الكاتب مزيدا من المسؤولية والالتزام والصرامة ونقد الذات، ويكف القارئ عن الافتتان بما هو رائج. بعد ذلك بدأت المداخلات لنايف المهيلب تساءل فيها عن الثوابت التي تنطلق منها الورقة، وتساءل عن المقصود بالتيار الفكري معتبرا ان ما بعد الحداثي خطاب نخبوي والخطاب الإسلامي موجه للنخبة والعامة ملمحاً إلى ان الدكتور سعيد السريحي يمثل التيار الحداثي وهو يؤكد ان المثقف منعزل عن ذاته فاعترض الحميد على الفور وقال ان السريحي يمثل نفسه ولا يحق له أن يتحدث باسم التيار.
بدوره انتقد سعود الجراد الورقة وقال انها ربطت السرد بالرواية وهو مفهوم شمولي يضم الرواية والقصة وتساءل عن المقصود بالسرد السعودي الشاب وأضاف ان جابر عصفور هو من قال ان الرواية ديوان العرب، وختم مداخلته بالقول ان العرب مغرمون بالاقصاء وإلا لم لا يكون ديوان العرب جميع الفنون الأدبية.
وتساءل الشاعر عبدالله الزماي هل ستكون الرواية ديوان السعوديين والمصدر الوحيد لأخبارهم كما كان الشعر ديوان العرب. أما عبدالرحمن الرشيد فانتقد خلو الورقة من الاستشهادات وتساءل عن الهدف من اقحام لفظ ارثوذكسية فيما رأى سعود السعدي ان عدد الروايات السعودية قليلة جداً مقارنة بعدد السكان مؤكدا ان في فرنسا طبعت 11 دار نشر في عام واحد أكثر من 700 رواية. وأضاف ان بنات الرياض سوق لها اسمها. فيما أكد عمر الفوزان ان العمل الروائي عمل خالد في جميع المجالات مستشهداً ان رواية كوخ العم توم كانت السبب في إلغاء الرق في العالم. أما مفرح الرشيدي فرأى أن النقاد بعيدون عن المنجز الروائي السعودي واعتبر ان عبده خال مبدع وليس ناقداً يستشهد بآرائه ملمحاً ان د. سعد البازعي صاحب طرح ثقافة الصحراء يحمل رؤية عنصرية في محاولة تسييد ثقافة الصحراء وقد احدث شرخاً في التعاطي مع المنجز الثقافي السعودي.
أما أحمد ابراهيم أحمد فعاب على الورقة استخدام لفظ “انزياح” وهو مصطلح فيزيائي ومن الأجدر استخدام لفظ “الانحراف” وأكد أن تيار ما بعد الحداثة مرتد على الحداثة.

 

إنْ قهر الصحراء تحضَّر، وإنْ قهرته تبدَّى

العدد 150 رمضان 1428هـ أغسطس 2007م

 

حسين محمد بافقيه ـ الرياض

تبرز الصحراء في الوعي والمخيّلة مَـجْمَعًا للنقائض، منسجمة مع طبيعتها المراوغة المتقلِّبة، فهي لا تسكن حينًا حتَّى تثور، ولا ترضى لحظة حتَّى تغضب، تفرح فيتحوَّل الكون إلى مسرح شعريّ رائع، وتغضب ويكون في غضبها الهلاك والشقاء، وهي في حالـيْ الرضا والغضب تثير مكامن النَّفس وغرائزها في الحبّ والكره، وكأنَّها، نصّ قابل لتأويلات المادحين والقادحين.

فحين المدح لا أحنّ ولا أرقّ من أرضها البِكْر، حيث الطبيعة الفاتنة تجلِّي جانبًا من عبقريّتها، فلا صخب ولا ضجيج مما تحفل به المدن «الكئيبة»، وحيث يتوحَّد الإنسان بالطبيعة صامتةً وناطقةً، وحيث الشعر والرومنسيَّة وسحر الشَّرق.
أمَّا أهلها فدونك سيلًا من العبارات المدبَّجة في خصالهم وسجاياهم، أصالةً، وشهامةً، وكرمًا، وحميَّة. استفزَّتهم الصحراء بحرِّيَّتها، فطلبوا النُّجعة فيها فوزًا بها، وتأبَّت نفوسهم أنْ تذلَّ لغازٍ أو عدوّ.
وحين القدح تكشف الصحراء عن وجهها الدميم، غادرةً، شرسةً، لا تعرف الوفاء، عقدت مع الجفاف والسموم صفقة، وتتبَّعت مواطن المدن وآثار الحضارة، فما نشبت أن ابتلعتْها رمالها الملتويَّة المتقلِّبة. أمَّا أهلها فقاطعو طريق، أعداء الريف والمدن، قساة، جفاة، غلاظ، أعراب.
وبين المدح والذمّ يترجَّح العرب وثقافتهم ولغتهم، فبينما اتسعت العربيَّة كاتساع صحرائها، وأخرج أبناؤها شعرًا ونثرًا ثبتا أمام نيوب الدَّهر وصروفه، وقامت ثقافتهم على قيم الكرم والشهامة والنُّبل والفروسيَّة- إذا هم –حين القدح- سبب كلِّ بليَّة، وأصل كلِّ شقاء، فلغتهم بدويَّة صحراويَّة، وجماع ثقافتهم العصبيَّة، أمَّا أدبهم فبدائيّ، ينقصه الخيال الخصب، وتعوزه الوحدة والتناسق، وأبناؤها بدوٌ ولو تحضَّروا، وكأنَّ الصحراء قدرهم الذي يتْبعهم أينما حلّوا أو انتجعوا، ففي الصحراء حياتهم، وفي الصحراء موتهم وهلاكهم!
وبين مدّ الصحراء وجزرها تتلخَّص قصة الجزيرة العربيَّة: صعودها وهبوطها، فالصحراء الحقيقة الجاثمة عند كلّ ثنيَّة، وخلف كلِّ واحة، والحرب بينها وبين قاطنيها سجال، ولا يُطْمَأَنّ إلى «هدنتها»، وإلا لالتحف أبناؤها الهجير، واكتوَوا بالسموم، ولأضحى ظاهر «مدنهم» في باطن الصحراء وجوفها الذي يظلّ يلهث هل من مزيد؟ ولا يقرّ لها قرار إلا إذا أمعن أبناؤها في إثخانها وهزيمتها، ولن يتمّ ذلك إلا بضرب العمران في أطنابها، وشلّ حركتها بشقّ الطرق، ورأب الفجوة بين المدن التي تنتهبها رمالها الحمراء، وأنْ تصبح هي هويَّة المكان لا هويَّة قاطنيه.
ولقد أخذ نفر من الدَّارسين، وأبرزهم سعد البازعيّ في كتابه «ثقافة الصحراء»، بتتبُّع مواطن «هويَّة» الأدب في المملكة، وكان رائده في ذلك ما استجلاه في عدد من النصوص الشعريَّة والقصصيَّة التي تماسَّت مع الصحراء وما تبثُّه مفرداتها من عوالم القيظ والجفاف والترحُّل، وما يرومه ابن الصحراء من استمطار السماء، وطلب الغيث، والبحث عن مواطن الخصب والاخضرار والانبعاث الطبيعيّ، حيث يصبح الأثر الأدبيّ –قصيدة كان أو قصَّة- ترتيلةً تسكِّن ثورة الصحراء، وتسكت غضبها، وهو ما عدَّه البازعيّ ملامح أولى لـ«هويَّة» طالما فتَّش عنها أدب الجزيرة العربيَّة، ووجدها، بأخرة، في الصحراء ورموزها، فتبدو في الأفق «ثقافة الصحراء»، هذا المصطلح الذي يوجز في اعتقاده «تفاعل كثير من مبدعينا مع ذلك العالم السديميّ الممتدّ بغموضه ورهبته وتقلُّباته، عالم الرمل الراحل أبدًا، والصحراء الجرداء، والمطر الشحيح الذي لا يعرف جدولًا ثابتًا، المطر الذي يأتي ولا يأتي».
ولا يقف البازعيّ عند حدود النظريَّة والمصطلح، فالغاية التي يرمي إليها هي الكشف عن تمثُّلات الصحراء ورموزها في أدب الحداثة في المملكة، وهو لذلك يتتبَّع سياقاتها، ليصل إلى ما يمكن عدّه المحرِّك الإبداعيّ لأدب الحداثة في المملكة، الذي ليس هو في الأخير –فيما يقرِّر- سوى الصحراء، التي تتجاوز، في قراءته، التجربة الأدبيَّة، فتتحوَّل من «الممكن» إلى «الواقع»، أي من التجربة الإبداعيَّة إلى «الهويَّة الثقافيَّة»، التي ليست هي في الأخير سوى العلاقة بين «الجغرافيا» و«الإنسان». يقول:
«لقد اتضح لي من متابعة ما أنتجه الجيل الجديد من الشعراء والقصَّاصين السعوديّين أنَّ خيط الوعي المشار إليه يكاد يكون قاسمًا مشتركًا للكثير من إبداعاتهم. ثمَّة نصوص كثيرة في الشعر والقصَّة القصيرة ممَّا أنتجه ذلك الجيل تتميَّز بأنَّ الوعي المجتمعيّ والإنسانيّ عمومًا فيها يتشكَّل من خلال الوعي بخصائص البيئة الجغرافيَّة».
وعلى الرغم من أنَّ سعد البازعيّ لا يتوسَّع في بيان هذه «الهويَّة»؛ فإنَّ الذي توحي به كلماته إيمانه بـ«الحتميَّة الجغرافيَّة» التي تذعن لها مشيئة الثقافة والإبداع، ولا يستطيع أحد منها فكاكًا، ومن هنا كان إلحاحه على هذه «الهويَّة» التي جاءت وليدًا طبيعيًّا لـ«الصحراء» الجرداء. وهو في نزوله على شرط «الحتميَّة الجغرافيَّة»، كان أميل إلى «الكلِّيّ» و«العموميّ» و«الظاهريّ» لجغرافية الجزيرة العربيَّة، دون أنْ يلتفت إلى التضاريس المختلفة لها، ودون أنْ يقف عند التنوُّع الثقافيّ لبيئاتها المتنوِّعة، فكانت حتميَّته الجغرافيَّة مجرَّدة، لا يستقيم لها في الواقع أساس، دون أنْ يعني ذلك نفي الحقيقة الصحراويَّة فهي ماثلة أنَّى اتجهنا، ولكنَّ حضورها مرهون بالصراع الأبديّ بينها وبين الإنسان، وفي هذا التدافع الأبديّ تكمن قصَّة إنسان الجزيرة العربيَّة: إنْ قهر الصحراء تحضَّر، وإنْ قهرته تبدَّى.
وعلى الرغم من أنَّ الصحراء هي الخطر الجاثم على قلب الوطن العربيّ من المحيط إلى الخليج، حيث تحتلّ الصحراء ما يزيد على 80% من مساحته؛ فإنَّها كانت ولا تزال العلامة الفارقة للجزيرة العربيَّة، والعنوان الأبرز لها، فخلف كلّ مدينة عربيَّة صحراء تفغر فاها، وفي كلّ بلد عربيّ عطش وجفاف، غير أنَّ لكل منها علامة أو سمة: فمصر هبة النِّيل، والعراق بلد الرافدين، ولبنان قرين شجرة الأرز، وفلسطين سلَّة الزيتون، وتونس الخضراء، وإنْ كانت الصحراء تتسكَّع على مقربة من كلّ مدينة عربيَّة تنتظر الفرصة سانحة للانقضاض عليها «إذ ليست هناك أيّ مدينة عربيَّة مهمَّة في كلّ الوطن العربيّ تبعد عن الصحراء مئة كيلو متر». (التأزم السياسي عند العرب، محمد جابر الأنصاريّ، ص55).
وإذا كانت الصحراء هي العلامة الفارقة للجزيرة العربيَّة، أو هي السمة الجغرافيَّة العامَّة لها، فإنَّ ذلك هو المظهر الأوَّل لها. وإلا فإنَّ الجزيرة العربيَّة ذات تكوين جغرافيّ متنوِّع، فأرضها تتألَّف من مساحات صحراويَّة شاسعة، أشهرها صحراء النفود والدهناء والربع الخالي، يتخلَّلها واحات وهضاب، أهمّها وأظهرها هضبة نجد «التي ترتفع عن سطح البحر زهاء أربعة آلاف قدم، والتي تكسو أغلبها مراعٍ خصبة، وتنتشر فيها الأشجار» (شعر الصعاليك، يوسف خليف، 69)، وتمتدّ جبال السروات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب محاذية البحر الأحمر، واشتهرت بعض مناطق الحجاز بخصبها واعتدال جوّها، ووفرة الخضراوات والفواكه فيها، حتَّى سمّي الطائف في الجاهليَّة «بستان مكة»، واشتهرت المدينة المنوَّرة منذ عهودها القديمة بزراعة النخيل. أمَّا اليمن فامتازت في العصور القديمة بخصب أرضها، ووفرة مياهها، وهيَّأ ذلك لقيام حضارة عظيمة ونظم مدنيَّة فيها، وألقى ذلك كلُّه بظلاله على طبيعة الحياة في الجزيرة العربيَّة، ومعاش أهلها، ما بين سكان المدن، والقرى، والأرياف، والضاربين في كبد الصحراء ينتجعون المهامه والفيافي، حيث وُجِد الماء والكلأ، فكان ما كان من اختلاف القوم في العمران بحسب اختلاف نحلتهم في المعاش.
ولم يكن أثر هذا التنوُّع البيئيّ، وضروب العيش، وأنماط القول بخافٍ فيما تناوله العلماء في التراث العربيّ القديم، فلقد أدركوا أثر الاختلاف في الشعر، ما بين البادية والجبل والمدينة، ومن ذلك أنَّ ابن سلام الجمحيّ أفرد في كتابه «طبقات فحول الشعراء» شعراء القرى العربيَّة -وهي المدينة المنوَّرة ومكة المكرَّمة والطائف واليمامة والبحرين- في طبقة على حدة، وكأنَّ هناك شعورًا عميقًا باختلاف شعر هذه الطبقة عن سائر الطبقات، ولعلّ مقولة ابن سلام في عديّ بن زيد تجلِّي طرفًا من الجدل حول الحضارة والبداوة في الشعر العربيّ القديم، حينما لم يعتدّ به لأنَّ «عديّ بن زيد كان يسكن الحيرة، ويراكن الريف، فلان لسانه وسهل منطقه».
والصحراء هبة الجفاف والقيظ والمحْل والعطش، وعن هذه الحقيقة الجغرافيَّة تتمخَّض البداوة، بصفتها، كما يسمِّيها علي الورديّ، نظامًا اجتماعيًّا لا ينشأ إلا في الصحراء، وهو لا يتغيـَّر أو يتطوَّر ما دام باقيًا فيها، فإذا خرج منها إلى بيئة أخرى وأخذ التغيير يظهر فيه تدريجًا، وقد يتَّجه عند ذاك نحو الزراعة أو التجارة أو الصناعة حسب مقتضيات الظروف» (الأنصاري، ص 69-70)، وأوجدت الصحراء، جرَّاء ذلك، بناءها الاجتماعيّ، المقترن بقيامها على اقتصاد الكفاف، وهو اقتصاد حادّ يحول دون تحقّق فائض القيمة الذي ينتج عنه قيام مجتمع الرفاه، وسيكون طبيعيًّا قيام القبيلة بناءً لذلك المجتمع، فلن يوقف غائلة الصحراء، سوى الالتفاف حول القبيلة التي تعني لإنسان الصحراء الوطن حيث لا وطن والملجأ حيث لا ملجأ، و«هكذا أصبحت بوتقة النسب والأصل القبليّ للإنسان البدويّ في متاهة الصحراء القاحلة الموحشة هي الرحم والسياج وهي الانتماء والهويَّة والولاء، بل هي حدود «الوطن» الحقيقيّ (الوطن-الجماعة، لا الوطن-الأرض) ورمز الشرف «الوطنيّ» (شرف الجماعة) الذي يجب الدفاع عن حياضه والموت في سبيله (في غيبة الوطن الثابت على الأرض)». (الأنصاري، ص 75-76) ومن تدافع القبائل، كرًّا وفرًّا، يغيب الاستقرار، وتضمحلّ الدولة، فـ«الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قلَّ أنْ تستحكم فيها دولة» –فيما يقرِّر ابن خلدون-.
وحين تحضر «الدولة» تتقلَّص الصحراء، وتنكمش البداوة، فالصحراء والبداوة الخطران اللذان يحيقان بالدولة والمدينة. هذا مجمل ما تقرِّره التجربة الإسلاميَّة الأولى، وهي تسعى إلى تأسيس مفهوم «المدينة» حيث يمثِّل الانتقال إليها انتقالًا من «الكفر» إلى «الإيمان»، ومن «البداوة» إلى «الحضارة»، فالدين تجربة «مدينيَّة» خالصة، يقوم بها أنبياء ينتمون إلى السياق الحضريّ. هذا ما تؤكِّده الآيات القرآنيَّة، كقوله تعالى: }وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى| (يوسف:109)؛ «والقرى هي المدن في المصطلح القرآنيّ كوصفه مكة المكرَّمة بأمّ القرى. وقد ورد في تفسير ابن كثير لهذه الآية: «ولمَّا كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولًا، وإنَّما كانت البعثة من أهل القرى، والمراد بالقرى المدن... والمعهود المعروف أنَّ أهل المدن أرقّ طبعًا وألطف من أهل بواديهم... ولأنَّهم أعلم وأحلم». (الأنصاريّ، ص120).
وبلغ الأمر بالإسلام أنْ اتخذ موقفًا صلبًا تجاه البداوة والأعرابيَّة، بصفتها نمطًا معاشيًّا، «وهذه الصفات التي لا تلائم الحضارة ولا توائم سنن التقدُّم في هذه الحياة، هي التي حملت الإسلام على اعتبار «التبدِّي» أي «التعرُّب» بعد الهجرة رِدَّة على بعض الأقوال وعلى النهي عن الرجوع إلى البادية والعيش بها عيشة أعرابيَّة. فلمَّا خرج «أبو ذرّ» إلى الربذة قال له عثمان بن عفان: «تعاهدِ المدينة حتَّى لا ترتدَّ أعرابيًّا». فكان «يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الأعرابيَّة» (المفصَّـل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، 1/281). وفي الحديث: «ثلاث من الكبائر منها التعرُّب بعد الهجرة» (جواد علي، 1/281)، و«من بدا جفا». فالإسلام دفع بالحياة العربيَّة إلى الحضارة والتمدُّن، ومن مظاهر ذلك «الجمعة» التي لا تقام –بحسب بعض المذاهب الفقهيَّة- إلا في المِصْر –أي المدينة-، ومن الأحكام الفقهيَّة أنَّه «لا تجوز شهادة بدويّ على صاحب قرية» –أي مدينة-.
وكما حضرت الصحراء بقيظها وجفافها، والهلع منها، والتزلُّف إليها، في طائفة من النصوص الشعريَّة والقصصيَّة، فإنَّ ثمَّة حضورًا آخر –داخل التجربة الحداثيَّة وخارجها- للمدينة وأجوائها الإنسانيَّة الخلاَّقة، والبحر، والجبل، والريف، يثري التنوُّع الأدبيّ والاجتماعيّ للجزيرة العربيَّة: إنسانًا وثقافة، وبدا ذلك في عدد كبير من الدواوين والمجاميع القصصيَّة والروايات. نرى ذلك واضحًا في تجربة غازي القصيبي مع اللؤلؤ والماء، في أوَّل دواوينه «أشعار من جزائر اللؤلؤ» –حيث النخلة والبحر هما العلامتان الفارقتان لجزيرة البحرين- وكتاب «ساحل الذهب الأسود» لمحمد سعيد المسلم، و«المركاز» لأحمد قنديل، و«سقيفة الصفا» لحمزة بوقري، و«وحي الشاطئ» لمحمد إبراهيم جدع، و«قصائد من الجبل» لمجموعة من شعراء عسير...إلخ، أمَّا أنْ تكون «الصحراء» وحدها، هي «الهويَّة الثقافيَّة» للجزيرة العربيَّة، فإنَّ من المذهل أنْ تتحوَّل هذه «الهويَّة» إلى موقف سالب لمفهوم «الوطن» أو «الدولة»، خاصَّة أنَّ بعض القصائد التي يحتفي بها سعد البازعيّ لا ترى لها من وطن سوى «الصحراء».
وهذا ما يعني أنَّ الثقافة الممكنة هي ثقافة التنوُّع والتعدُّد، وأنّ الاستثمار الحقيقيّ للقيم ينبغي أنْ يُصَبَّ في تيَّار يكفل التنوُّع والتعدُّد، وأنْ تصل المدينة وقيمها الإيجابيَّة إلى الصحراء والريف والسهل والجبل، وأنْ نعرف أنَّ كلّ خيال الرومنسيّين يتلاشى حينما تغازل الصحراء مدننا، ولو لدقائق معدودة، بريح السموم!