شرفات للرؤية

شرفات للرؤية العولمة والهوية والتفاعل الثقافي بقلم: د. سعد البازعي

قرأه وناقشه د. خالد فهمي إبراهيم

إن في الإبداع العربي الحديث خطابًا مقاومًا للاستعمار على نحو معقَّد ورفيع، بهذه العبارة التي صاغها سعد البازعي من خلال قراءته لكتاب الأمريكية تيري دي يونغ عن بدر شاكر السياب وعراق ما بعد الاستعمار- يمكننا أن نقدِّر هذا الكتاب الذي نناقشه، وهو كتاب (شرفات للرؤية: العولمة والهوية والتفاعل الثقافي) للدكتور سعد البازعي الأكاديمي السعودي والناقد المعروف.

 والكتاب يغتال كثيرًا من الأفكار المتوطنة في الوعي الثقافي العربي المعاصر، فيما يُشبه فعل "إسرائيل" مع الأرض المقدسة في فلسطين.

 والمؤلف يدخل في تصوره لمحور الكتاب الأول وهو العولمة حاملاً اشتراطات ثقافية وحضارية لا يملك القارئ إلا تقديرها واحترامها، يقول إن من أبرز شروط التفاعل الجاد مع وضع العولمة هو التخلص من الآمال المثالية في الاحتفاظ بهويات نقية، أو أوضاع ثقافية واجتماعية شديدة الخصوصية، وخالية من توترات الآخر (ص11) وهو في هذا ليس داعية تميع أو ذوبان، بل لعل في ذكره لهذا الشرط يذكِّرنا إجمالاً بأن الوضع المثالي المتطلع إليه لم يكن معروفًا في ثقافتنا العربية والإسلامية في أوجِ مجدها، وهذا صحيح.

 بل يمكننا أن نضيف أن ثمة نصوصًا يمكن أن يفهم منها في مستويات قرائية غير ظاهرة التفاعل مع ذلك الآخر في مثل حديث "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها"، وهذا هو ما فهمه ابن رشد الفيلسوف في رسالته المهمة (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال)، عندما قرر أننا إذا ألغينا للآخر إسهامًا موافقًا لروح ثقافتنا أخذناه وشكرناه عليه وإن ألغينا له غير ذلك صوبناه.

 ويصرِّح البازعي في شرط آخر إلى أن التعامل الجاد مع ظاهرة العولمة يقتضي التخلص من الاعتقاد القاضي بأن تبنِّي مناهج أو طرائق معينة في التفكير من الغرب سيؤدي إلى إحداث نقلة نوعية إلى الأفضل في تركيبتنا الثقافية، وبهذا الشرط تتضح فيه مساهمة البازعي، ويجنّب كتابه سوء الفهم الذي يحلو للكثيرين قراءة أمثال هذه الكتب من خلال نظارة التربص!!

 البازعي يقر مبدأ الخصوصية الثقافية المرنة من جانب والحاكمة في اختيار ما يمكن تنبيه مما هو قادر على التأثير في مجتمعاتنا الإسلامية.

 وبعيدًا عن رصد البازعي تناقضات خطاب النخب الثقافية في تعاملها مع الحضور المهيمن للثقافة الغربية فإنه قد أدرك بأن ثمة خيطًا مهمًّا يصل الثقافة المعاصرة في تجلياتها الإبداعية بتراث الأمة مما ينبغي أن يُقرأ من زاوية المقاومة التي سبق لتيري دي يونغ التقاطها وإظهارها فيما كتبه عن بدر شاكر السياب وأدبه في مواجهة الاستعمار.

إن الطريق نحو شخصية واعية مستقلة يكمن في فعل شيئين، هما:

1- أن التطور معرفتنا بأنفسنا وواقعنا.

2- وألا تتردد في محاورة غير منبهرة بما لدى الغرب، بمعنى الأخذ منه في حدود ما يسمح به واقعنا، ينبغي أن تبقى ملامحنا، وينبغي أن تبقى الهوية الإسلامية على ملامحها ثقةً بأنها تحمل ملامح فاتنة!!

وبالإمكان الربط بين محور العولمة ومحور الهوية، من خلال الافتراض القائل بأن الهوية في الواقع العربي الإسلامي لعبت دورًا تحريريًّا من ناحية، ودورًا توحيديًّا من ناحية أخرى (ص 37)، وبعد استعراض النماذج البحثية لمفكرين عرب متنوعي التوجيهات استطاع أن يلمس البازعي برؤية ثاقبة ناقدة أن الهوية العربية تقوم على مرتكزات أساسية، عمادها الدين (وهو الإسلام غالبًا) واللغة والتراث؛ لما في ذلك من عمق تاريخي.

 ويشير في السياق نفسه إلى أن ما بدا على السطح ما يشبه أن يكون ضعفًا أو انهيارًا أو تضعضعًا للمرتكزات هذه، على حدِّ تعبيره، لم يكن ذلك دائمًا لها، الأمر تغيَّر في المرتكزات بأقدار ونسب متفاوتة، وتقلبات كثيرة.

ولعل من المسكوت عنه في تحليل البازعي لدرجات التفاوت والتقلبات في المرتكزات الثلاثة للهوية العربية أن ثمة إعلانًا صاخبًا للانقلاب على بعض هذه المرتكزات، ويمكن التمثيل على ذلك بما يدور من نقاشات في الحالة المصرية حول ترسيخ مفاهيم العلمانية، (فيما تم تمريره من حظر استعمال الشعارات الدينية في الممارسة السياسية وسط معارضة صارمة من الإخوان المسلمين)، ومن جدل لم يُحسَم حول تطبيقات بعض نواتج الاحتكام المغلوط لمفهوم المواطنة، من الدعوة إلى حذف بند الديانة من أوراق الهويات أو البطاقات الشخصية والعائلية، وفيما يدور من نقاش حول إتاحة الفرصة لمدارس بعض المناطق في المملكة السعودية حول حرية اختيار لغة الدراسة، إلى غير ذلك من تداخلات الحديث عن هذه المرتكزات الثلاثة.

ويطرح البازعي سؤالاً محوريًّا في حقيقته أشبه شيء بالجرح النازف عندما يقول (ص 48) إلى أي حدٍّ؟! ومتى ستتطبَّع هذه الشخصية الحضارية بالصمود في وجه العقود المتتالية من التفرق؟! والسؤال التالي الذي يفرض نفسه من خلال هذه القراءة متى ستتم استعادة الهوية العربية؟!

 ومن زاوية أخرى يمكن التعلق بالتصورات التالية في سبيل البحث عن طريقٍ لهذه الاستعادة للهوية، من خلال إدراك أن الاستعمار كان عاملاً فاصلاً في استثارة مفهوم الهوية في القديم القريب، والذي يحتاج إلى التعليق هنا هو هل انتهى الاستعمار؟! إن من الواجب استثمار الاستعمار القائم الآن في استثارة مشروع استعادة الهوية العربية.

 ومرةً أخرى هل علينا أن نتعلم من اليهود أن تبقى مسألة الهوية مسألةً مركزيةً في الخطاب العربي؛ باعتبارها شكلاً من أشكال تنمية المقاومة وإزاحة الاستعمار؟! ربما..
ومن العجيب أن يتلمَّس دارسو الآداب اليهودية المعاصرة أن المكان في الآداب الصهيونية عبر عنه تعبيرًا داعيًا مستجدًا في مجمله من الكتاب المقدس (ص 59
).

لقد كانت إعادة تسمية المكان طريقًا لاستعادة الهوية، فماذا فعل الشاعر العربي بأماكنه؟! صحيح أن عددًا من أدباء فلسطين عاشوا من خلال كتاباتهم حالة العودة الجمالية في بعض الأعمال الأدبية والشعرية، لكن هل كانت حالة العودة الجمالية هذه قادرة على تمكين الوعي العربي بضرورة استعادة الهوية والمكان؟ وهل وفَّى هؤلاء الأدباء المرتكزات الهوية الثانية على الدين (الإسلامي) واللغة حقها؟

 إن جزءًا من الأزمة هو أن بعضًا من حملة الاسم الفلسطيني ينظرون إلى الهوية عبر نظارة متشككة، وهو ما لن يرضى أحدًا من الطرفين لا الفلسطيني ولا حتى عدوه!

إن روحًا متسربة تطل كالخلفية التي تقف عليها ملامح الصورة الكلية لكتاب البازعي يمكن أن نسميها إدارة الحرية وأحلام الانعتاق، ولعل ما يعزز ذلك تلك القراءة المقارنة لتوفيق الحكيم صاحب "يوميات في الأرياف" و"عودة الروح" في مواجهة وليم بتلريتس وتأمل التقاط الطائر أو العصفور في أعمال كلا الكاتبين يوحي بما يعانيه العرب المعاصر (استنباطًا) من دلالات الاغتراب التي يكمن وراءها لحظة من لحظات الصراع الحضاري المدعوم سياسيًّا.

ويستمر الخيط الذي يثير سؤالاً خطيرًا ملخصه هل الجبن أو مواجهة المقاومة والخروج والسكون طريق لضياع الوطن؟ هذا ما تفجره مثلاً "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني بعد أن تهَّود ولده خلدون وتسمَّى بدوف.

إن الخروج فيما بدا من لوم هذا للفلسطينيين يمكن أن يقرأ متعانقًا مع إشكاليات ومرتكزاتها الأساسية مما يعيد إلى الأذهان مرةً أخرى ذلك الجدل الفقهي الذي وقع إبان الطرد الجماعي في الأندلس؟ وما قيمة النفس الحية وقد ضاعت هويتها وضاع وطئها؟!

صحيح أن كتاب البازعي مزيج بمعنى أنه يجمع شتاتًا لكنه في مجمله قضايا متشابهة قادرة على عكس التفاعل. 

وفي الكتاب روح سيرية (بايوجرافية) منسربة لعل من ذكاء البازعي أنه أظهرها ليضمن لقارئه المتربص ألا يعاديه أو يستثير قلقه، فيفوت عليه التفاعل الإيجابي مع مادة كتابه، في معلومات التأثر بالمرحوم الدكتور حسن ظاظا بما عرف عنه من تحليله للثقافة اليهودية، وموقفه الصارم والعدائي لها ما يضمن للبازعي شيئًا من الحماية من سوء الظن.

وفي معلومات التأثر بالدكتور المسيري ما يضمن للبازعي أن يقرأ من زاوية غير المنتمي للغرب وأن كان متخصصًا في آدابه، باحثًا في نظرياته النقدية.

البازعي في هذا الكتاب رحالة من نوع جديد، لا رحالة جغرافيا يجوب الحدود ويصف التخوم وإنما رحالة حضاري عينه على الهوية ومخاطر العولمة وجماليات المكان وفعل المقاومة.

خالص التحية لمَن هيَّأ لنا بعضًا من القول في قضايا هي من أكثر وأعلى الأدب المعاصر أن يعني بها نفسه بحثًا عن سبيل الاستعادة الهوية ولتحديد مخاطر الاستعمار الذي لم يزل جاثمًا على الصدور.

 

العولمة وأثرها على الهوية[1/2]

 

د. خالد بن عبد الله القاسم       
29/05/2006


- تعريف العولمة
- تعريف الهوية وأهميتها
- الآثار السلبية للعولمة على الهوية


 

* تعريف العولمة
العولمة كظاهرة بدأ انطلاقها في بداية هذا القرن الهجري في الثمانينات الميلادي وهي مرتبطة بثلاث أحداث كبرى سياسية،وتقنية، واقتصادية.
1- السياسية: حيث انتهاء المواجهة بين الشرق والغرب، وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المعسكر الشرقي.
2- التقنية: وهي الثورة المعلوماتية، حيث شهدت هذه الفترة طفرة تقنية هائلة في مجال الاتصالات الإلكترونية وانتقال المعلومات، حيث ساهمت مساهمة فعالة في حدوث العولمة. .
3- الاقتصادية: وظهور منظمة التجارة العالمية عام 1995م، ومقرها جنيف لتخلف الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية (الجات) وكتتويج لانتشار مذهب التبادل الحر واقتصاد السوق الذي بات أيديولوجية تسيطر على العالم شرقه وغربه، وهو ما وافق عليه قادة العالم عام 1998م، أثناء مشاركتهم في الاحتفال بمرور 50 عاماً على الجات
(1)، وظهور الشركات متعددة الجنسيات.
لم توجد العولمة في السابق مع سيطرة أمم عسكرياً واقتصادياً كالحضارة اليونانية والرومانية والإسلامية وبريطانيا ولكن في الوقت الحاضر اجتمع سيطرة القطب الواحد مع التقدم المذهل في الاتصالات والمواصلات ..
تختلف تعاريف العولمة بين المفكرين حيث يركز كثير من الكتاب على الجانب الاقتصادي وينبه على خطورتها من هذا الجانب بزيادة الفقر وتكدس الأموال وخدمة الشركات الكبيرة واضمحلال الصغرى أو إيجابيتها من انفتاح الأسواق وزوال الحواجز عن الأيدي العاملة، ومنهم من يبشر بها باعتبارها تحرر من الدول المغلقة وانطلاق نحو العالمية والتقدم.
ومنهم من يركز على الجانب الثقافي وأضراره، ومنهم من يأخذها بمفهومها الشامل، وهذا الاختلاف بسبب ذكر كل واحد جانباً من الموضوع وهو يذكرنا بمثل الذين دخلوا على الفيل في غرفة مظلمة فكل منهم عرفه بما لمسه منه.
ومع اختلاف تعريفات العولمة إلا أنها تأخذ عدة ظواهر:
- التقدم الهائل في وسائل الاتصال، لا سيما ظهور الإنترنت والقنوات الفضائية.
- هيمنة الغرب لا سيما أمريكا وسقوط المعسكر الشرقي، وتأخذ هذه الهيمنة أبعاداً عسكرية واقتصادية وثقافية وسياسية.
- بروز المؤتمرات المؤسسات الدولية والشركات متعددة الجنسيات.
وهذه التعريفات تتباين في درجة قبولها وخطورتها، حيث نجد أن أكثر المفكرين المسلمين ينبه على خطورتها مع التركيز على الاقتصادي كما فعل د. سعد البازعي حيث يقول: ”العولمة هي الاستعمار بثوب جديد، ثوب تشكله المصالح الاقتصادية ويحمل قيماً تدعم انتشار تلك المصالح وترسخها، إنها الاستعمار بلا هيمنة سياسية مباشرة أو مخالب عسكرية واضحة. إنها بكل بساطة عملية يدفعها الجشع الإنساني للهيمنة على الاقتصادات المحلية والأسواق وربطها بأنظمة أكبر والحصول على أكبر قدر من المستهلكين، وإذا كان البحث عن الأسواق والسعي للتسويق مطلباً إنسانياً قديماً وحيوياً ومشروعاً، فإن ما يحدث هنا يختلف في أنه بحث يمارس منافسة غير متكافئة وربما غير شريفة من ناحية ويؤدي من ناحية أخرى إلى إضعاف كل ما قد يقف في طريقه من قيم وممارسات اقتصادية وثقافية“
(2).
بينما يركز آخرين على الجانب الثقافي وربما سموها اختراقاً كما فعل الدكتور محمد عابد الجابري حيث قال: ”أن العولمة تعني: نفي الآخر، وإحلال الاختراق الثقافي .. والهيمنة، وفرض نمط واحد للاستهلاك والسلوك“
(3). أو فرض النموذج كما يصفها الدكتور محمد سمير المنير حيث يقول: ”فالغرب يريد فرض نموذجه وثقافته وسلوكياته وقيمه وأنماطه واستهلاكه على الآخرين، وإذا كان الفرنسيون يرون في العولمة صيغة مهذبة للأمركة التي تتجلى في ثلاثة رموز هو سيادة اللغــة الإنجليزية كلغة التقدم والاتجاه نحو العالمية، وسيطرة سينما هوليود وثقافتها الضحلة وإمكاناتها الضخمة، ومشروب الكوكاكولا وشطائر البرجر والكنتاكي .. “(4). أو غزو شامل كما اعتبرها أسعد السحمراني حيث قال: إن العولمة/الأمركة غزو ثقافي اجتماعي اقتصادي سياسي يستهدف الدين والقيم والفضائل والهوية، كل ذلك يعملون له باسم العولمة وحقوق الإنسان(5).
والتصريح بأنها أمركة تصريح صحيح باعتبارها المؤثر الأقوى وقد أكد على أن جوهر العولمة هو النمط الأمريكي، الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، حين قال في مناخ الاحتفال بالنصر في حرب الخليج الثانية: إن القرن القادم سيشهد انتشار القيم الأمريكية، وأنماط العيش والسلوك الأمريكي
(6).
وربما تكون صهينة لا سيما واستثمار اليهود الذين يقودون الغرب وأمريكا تحديداً للعولمة للسيطرة على العالم من الاستعمار إلى الاستحمار (ركوب الأمم واستغلالها دون القضاء عليها)
(7).
بينما نجد البعض يجعلها مجرد انتماء عالمياً، كما عرفها الدكتور صبري عبدالله حيث قال: ”بأنها ظاهرة تتداخل فيها أمور الاقتصاد والثقافة والاجتماع والسلوك، ويكون الانتماء فيه للعالم كله، عبر الحدود السياسية للدول“
(8).
بل إن البعض يجعل العولمة الثقافية مجرد خدعة لإلهاء الشعوب عن الغزو والمصالح الاقتصادية، حيث يقول حسن حنفي ”يتم تصدير صراعات الحضارات للنطق بما كان مسكوتاً عنه سلفاً ولتحويل العالم إلى دوائر حضارية متجاورة، ومتصارعة على مستوى الثقافات لإخفاء الصراع حول المصالح والثروات، وإلهاء الشعوب الهامشية بثقافاتها التقليدية، بينما حضارات المركز تجمع الأسواق، وتتنافس في فائض النتاج عوداً إلى النغمة القديمة، مادية الغرب وروحانية الشرق، الحضارة اليهودية المسيحية، في مواجهة الحضارة الإسلامية البوذية الكنفوشوسية“
(9).
ونجد سمير الطرابلسي ينبه إلى خطورة العولمة التي تشكلها الولايات المتحدة بجميع جوانبها المهمة حيث يعرفها بأنها الرؤية الاستراتيجية لقوى الرأسمالية العالمية، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، والرامية إلى إعادة تشكيل العالم وفق مصالحها، وأطماعها، سائرة نحو ذلك الهدف على ثلاثة مسارات متوازية: الأول: اقتصادي وغايته ضغط العالم في سوق رأسمالية واحدة، يحكمها نظام اقتصادي واحد، وتوجه القوى الرأسمالية العالمية (الدول الصناعية السبع والشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات الاقتصادية العالمية، صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومنظمة التجارة العالمية) وتضبط حركته قوانين السوق وآلياته. والثاني: سياسي ويهدف إلى إعادة بناء هيكليات أقطار العالم السياسية في صيغ تكرس الشرذمة والتشتت الإنسانيين، وتفكك الأوطان والقوميات إلى كيانات هزيلة قائمة على نزعات قبلية عرقية أو دينية طائفية أو لغوية ثقافية، بغية سلب أمم العالم وشعوبها القدرة على مواجهة الزحف المدمر للرأسمالية العالمية والتي لا تستقر إلا بالتشتت الإنساني. وأخيراً المسار الثقافي الذي يهدف إلى تقويض البنى الثقافية والحضارية لأمم العالم، بغية اكتساح العالم بثقافة السوق التي تتوجه إلى الحواس والغرائز، وتشل العقل والإرادة، وتشيع الإحباط والخضوع، وتشهد منطقتنا العربية ترجمة لهذه التوجهات من خلال مشاريع الشرق أوسطية والمتوسطية
(10).
وفي تقديري أن هذا أفضل تعريفات العولمة التي وقفت عليها، وبالإمكان القول أن العولمة:- وصف لظواهر متعددة يجمعها جعل العالم متقارباً مثل التقدم المذهل في وسائل الاتصال والمواصلات والفضائيات والإنترنت، والانفتاح المعلوماتي، مع سلطة القطب الواحد (أمريكا بقيادة صهيونية) الذي يسعى لعولمة اقتصادية وعسكرية تحقق مصالحه كما يسعى لعولمة ثقافية بفرض قيمه وثقافته (وهذه النقطة هي ما تعنينا) حول عولمة الثقافة المهدرة للهوية.
العولمة نموذج من مخططات الاستعمار التي نبه عنها وكتب فيها، الأمير شكيب أرسلان رحمه الله، وهذا قبل ظهور مصطلح العولمة، وقد كتب يقول: غوليامو فرير الفيلسوف الكاتب الإيطالي الشهير في علم الاجتماع والتاريخ لا في إيطاليا فحسب بل في أوروبا بأجمعها، وإذا كتب كتاباً أو نشر مقالة تجاوبت لها أصداء الشرق والغرب وتركت دوياً. نشر الفيلسوف المؤرخ المشار إليه كتاباً أخيراً باسم ”وحدة العالم“ لا يزيد على مئات معدودات من الصفحات طاف فيه على جميع الحوادث الجارية على سطح الكرة الأرضية، ودقق في مصادرها وأسبابها، فذهب إلى أنها مع تناقضها وتصادمها بعضها ببعض سائرة في الحقيقة على نظام ثابت مستقيم، ووصل إلى هذه النتيجة وهي:
أن مشروع الفتح والامتداد الذي يتابعه العالم المتمدن ”أي الأوروبي“ منذ أربعة قرون، والذي بدأ بطيئاً وانقلب سريعاً في آخر الأيام، يظهر للمتأمل أنه آيل إلى ”توحيد العالم الإنساني“ ولم يكن هذا ”التوحيد“ ليتم بدون جهد وبدون بلاء، لأن البشر خلقوا أطواراً، وبينهم من التدابر والتقابل ما يؤذن بالأخذ والرد والعكس والطرد، وهناك أسباب عديدة للحب والبغض والقرب والبعد، مع هذا كله تجد العالم سائراً إلى الوحدة، فإذا نظرنا إلى كيفية النظام السائد الآيل إلى هذه الوحدة وجدنـاهـا: بالإنجيـل، وبالسيف، وبالإفناء، وبتبادل المساعدات، وبتبادل طلقات المدافع ....
ثم يقول: هذه خلاصة نظريات الفيلسوف الإيطالي فريرو، وظاهر أنه يقصد بالإنجيل ”الثقافة الغربية“ التي هي وحدها تمشي في آسيا وأفريقيا وفي يدها الواحدة ”السيف“ وفي الأخرى ”ضماد للجرح“، وهي وحدها تفتنُّ في رق استئصال البشرية، وفي طرق توفير صحة البشر، تجمع في وقت واحد بين الضدين، وهي التي بين يديها الجندي من جهة، والقسيس من جهة أخرى
(11).
وبعد هذه الجولة في ماهية العولمة وحدودها لا سيما الثقافية؛ نسأل: هل العولمة أمر حتمي؟ فالجواب: نعم ولا، نعم باعتبار ما وصلنا إليه، ولا باعتبار إمكانية مقاومتها والحد من آثارها السلبية، وهذا ما سنتناوله في الفصل الثالث.



* تعريف الهوية وأهميتها
ما هي الهوية: الهوية مأخوذة من ”هُوَ .. هُوَ“ بمعنى أنها جوهر الشيء، وحقيقته، لذا نجد أن الجرجاني في كتابه الذائع الصيت ”التعريفات“ يقول عنها: بأنها الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب
(12).
فهوية الإنسان .. أو الثقافة .. أو الحضارة، هي جوهرها وحقيقتها، ولما كان في كل شيء من الأشياء –إنساناً أو ثقافة أو حضارة- الثوابت والمتغيرات .. فإن هوية الشيء هي ثوابته، التي تتجدد لا تتغير، تتجلى وتفصح عن ذاتها، دون أن تخلي مكانها لنقيضها، طالما بقيت الذات على قيد الحياة
(13).
”إن هوية أية أمة هي صفاتها التي تميزها من باقي الأمم لتعبر عن شخصيتها الحضارية“
(14).
والهوية دائماً جماع ثلاثة عناصر: العقيدة التي توفر رؤية للوجود، واللسان الذي يجري التعبير به، والتراث الثقافي الطويل المدى
(15).
اللغة هي التي تلي الدين، كعامل مميز لشعب ثقافة ما عن شعب ثقافة أخرى
(16).
ثم يأتي التاريخ وعناصر الثقافة المختلفة في صنع الهوية.
وأهم عناصر الهوية الدين حيث في الحروب تذوب الهويات متعددة العناصر، وتصبح الهوية الأكثر معنى بالنسبة للصراع هي السائدة، وغالباً ما تتحدد هذه الهوية دائماً بالدين
(17).
وبالنسبة لمن يواجهون احتياجاً لتحديد ”من أنا؟“، ”ولمن أنتمي؟“، يقدم الدين إجابات قوية، وتوفر الجماعات الدينية مجتمعات صغيرة عوضاً عن تلك التي فقدت أثناء عملية التمدين.
والهوية في غاية الأهمية ومنها تنطلق المصالح حيث الناس لا يمكنهم أن يفكروا أو يتصرفوا بعقل في متابعة مصالحهم الخاصة إلا إذا عرفوا أنفسهم، فسياسة المصالح تفترض وجود الهوية.
وإذا كانت هذه هي الهوية وهذه أهميتها لكل أحد فإن الهوية عند المسلمين أكثر أهمية، والإسلام بعقيدته وشريعته وتاريخه وحضارته ولغته هو هوية مشتركة لكل مسلم، كما أن اللغة التي نتكلم بها ليست مجرد أداة تعبير ووسيلة تخاطب، وإنما هي: الفكر والذات والعنوان، بل ولها قداسة المقدس، التي أصبحت لسانه بعد أن نزل بها نبأ السماء العظيم، كما أن العقيدة التي نتدين بها ليست مجرد أيديولوجية وإنما هي: العلم الكلي والشامل والمحيط، ووحي السماء، والميزان المستقيم، والحق المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهي منظومة القيم التي تمثل مرجعيتنا في السلوك، فهي ليست نسبية ولا مرحلية
(18).
وقد أدرك الأعداء ذلك حيث أن الصليبية والشيوعية والصهيونية اليوم ترى أن استعادة المسلمين لهويتهم الإسلامية وانتمائهم القرآني هو أكبر الأخطار، ومن ثم فإن كل قوى التغريب والغزو الثقافي ستطلق في هذا الاتجاه، ويقوم الاستشراق والتنصير بدور كبير
(19).
كما أن الغرب أحرص ما يكون على هوياتهم، وعلى ذوبان المسلمين المهاجرين في مجتمعاتهم، بل إن هناك مؤسسات ووزارات خاصة للاندماج وتذويب الهويات.
وأوروبا ترفض تركيا بسبب الهوية ليس إلا، وكما قال الرئيس أوزال في سنة 1992م: سجل تركيا بالنسبة لحقوق الإنسان سبب ملفق لعدم قبول طلب انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، السبب الرئيسي هو أننا مسلمون وهم مسيحيون
(20).
فالقوى الأوروبية يظهرون صراحة أنهم لا يريدون دولة إسلامية (تركيا) في الاتحاد الأوروبي، ولا يسعدهم أن تكون دولة إسلامية أخرى (البوسنة) أنها حرب هويات كما يقول هنتجنتون حيث نجد تركيا تعيد تأكيد دورها كحامية للبلقان وتدعم البوسنة، في يوغوسلافيا السابقة، وروسيا تساند الصرب الأرثوذوكسية، وألمانيا تساعد كرواتيا الكاثوليكية، والدول الإسلامية تهرع لمساعدة الحكومة البوسنية، والصرب يحاربون الكروات ومسلمي البوسنة ومسلمي ألبانيا
(21).

* الآثار السلبية للعولمة على الهوية
انطلاقاً من الفصل الأول من أن العولمة وصف لظواهر متعددة كالتقدم المذهل في وسائل الاتصال والانفتاح المعلوماتي وذهاب الحواجز بين الدول مع سلطة القطب الواحد الذي يسعى للهيمنة الاقتصادية والعسكرية والثقافية والسياسية.
وهذا ما حدا بالبعض إلى أن يسميها الأمركة، وللأسف إن أمريكا لا تهدف إلى تطبيق قيمها فحسب، بل إنها تنطلق من مصالحها الذرائعية المجردة من المبادئ والتي تكيل بمكيالين والتي تشكل خطورة عظيمة على القيم والأخلاق والهويات لا سيما الإسلامية.
وهذه أمثلة:
يحرم الشيشان من الإنفصال عن روسيا .. ويجبر أهل تيمور على الانفصال من اندونيسيا بتدخل من استراليا ودعم من الغرب ..
وكذلك تنفصل تماماً دول البلطيق وجورجيا من روسيا بينما الدول الإسلامية فاستقلاها غير كامل.
ودية الأفغاني الذين قتلوا في عرس 200 دولار وقد اعترفت أمريكا بالخطأ بينما من قتل في لوكربي 10.000.000 دولار أي 50.000 ضعف.
العولمة أن تُهاجَم دولة ذات سيادة حتى دون إذن من الأمم المتحدة لشبهة أسلحة الدمار الشامل، وتُترَك دولة قريبة منها تمتلك أسلحة دمار شامل وتحتل أرض غيرها مخالفة لقرارات الأمم المتحدة ..
أمريكا تمارس دوراً منفرداً حيث تدعم إسرائيل، وترفع الفيتو بعد الآخر لتتمكن من العدوان، وتعتدي على العراق بحجج واهية وحتى دون موافقة مجلس الأمن التي لها أكبر نفوذ فيه، وتأخذ المعتقلين من أفغانستان إلى قوانتنامو دون محاكمة عادلة، وتحارب الجمعيات الإسلامية وترهبها وتجمد أموال من تريد منها دون أدلة ..
المنظمات الفلسطينية المقاومة للاحتلال ارهابية، والمحتل مدافع عن نفسه، والجماعات الإسلامية في أفغانستان المقاومة للاحتلال الأمريكي وحكومته ارهابية، بينما نفس الوضع كان إبان الاحتلال السوفيتي ولكن تلك الجماعات كانت مقاومة مشروعة مدعومة، مما يعني وجود اختلال حاد في موازين العالم تحت إمرة الحضارة الغربية الصليبية الصهيونية.
وهذا صمويل هنتجنتون في صدام الحضارات والذي يدعو للتعصب للحضارة الغربية ومحاربة ما عداها لا سيما الإسلامي، وهو في كتابه مرة بعد مرة يمارس تحريضاً على الإسلام وتخويف الأوروبيين منه، للإنضواء تحت أمريكا والغرب وإشعال فتيل التعصب الديني.
وهذا ما حدا بتوم فريدمان للقول: نحن أمام معارك سياسية وحضارية فظيعة، والولايات المتحدة قوة مجنونة، نحن قوة ثورية خطرة، وأولئك الذين يخشوننا على حق
(22).
وفي آخر سنة 2003م كانت استطلاعات الرأي في أوروبا أن أمريكا ثم إسرائيل تمثل أكبر خطورة على السلام العالمي.
فالعولمة هجمة صهيونية شرسة لا تتقيد بالمبادئ، وفي أحسن أحوالها أمركة وتغريب ما لم نقم بدور فعال لتخفيف آثارها والتأثير فيها، وهي حتى لكثير من الغربيين ليست خير للعالم حتى في الجانب الاقتصادي الذي يبشر به البعض، حيث نجد أن هانس بيتر مارتين في كتابه الشهير (فخ العولمة) والذي ركز على العولمة الاقتصادية، يؤكد أن العولمة فخ كبير مليء بالأكاذيب وهي في النهاية تزيد الفقراء، ونجد في الفصل الخامس من الكتاب على سبيل المثال عنوان (أكاذيب ترضي الضمير: أسطورة الميزة على استقطاب الاستثمارات وخرافة العولمة العادلة)
(23) كما أن الشعوب حتى الغربية تخرج في مظاهرات شعبية عارمة معارضة لكل مؤتمرات العولمة لما يرونه من إضرار بهم.
ونجد أن الغرب لا يسعى لنشر قيمه الاجتماعية فحسب رغم عدم الاقتناع الواسع بها كقيم، بل إنه يفرضها عبر المؤتمرات الدولية والضغط على الدول التي لا تستجيب، حيث توالت مؤتمرات المنظمات الدولية بهذا الخصوص، مثل مؤتمر نيروبي عام 1985م، مؤتمر القاهرة عام 1994م، ومؤتمر بكين عام 1995م، ومؤتمر اسطنبول عام 1996م، ثم مؤتمر نيويورك عام 1999م، ثم مؤتمر بكين، ثم نيويورك أيضاً عام 2000م، ومحور هذه المؤتمرات يدور حول الأسرة والمرأة والطفل، مركزاً على الحقوق الجنسية، والحق في الإنجاب والإجهاض، والشذوذ، وقضية المساواة بين الرجال والنساء، والمساواة في الميراث .. إلخ، وكل هذا من منظور الثقافة الغربية العلمانية المادية الإباحية
(24) التي تبيح الزنى واللواط وتمنع تعدد الزوجات.
وفي الفصل السابع من وثيقة مؤتمر السكان يتحدث عن هذه الإباحية الجنسية، فيقول: إنها حالة الرفاهية البدنية والعقلية والاجتماعية الكاملة، المنطوية على أن يكون الأفراد (لاحظ تعبير الأفراد) من جميع الأعمار أزواجاً وأفراداً (كذا) فتياناً وفتيات، مراهقين ومراهقات، قادرين على التمتع بحياة جنسية مرضية ومأمونة (لاحظ عدم اشتراط الحلال والشرعية) هي كالغذاء، حق للجميع، ينبغي أن تسعى جميع البلدان لتوفيره في أسرع وقت ممكن، في موعد لا تجاوز عام 2015م. أي أنه أكثر من مباح، فالسعي لتحقيقه بجميع البلدان في أسرع وقت ممكن، وقبل سنة 2015م، واجب على جميع البلدان بل ولا تكتفي هذه الوثيقة بذلك، وإنما تتجاوز إباحة هذه الإباحية إلى حيث تدعو للتدريب والترويج والتعزيز لهذا السلوك الجنسي المأمون والمسئول
(25).
بل ونجد ممارسات منفردة، حيث نجد أن أمريكا تضغط تارة باسم حقوق الإنسان (والتي أهدرته في أبو غريب وجوانتامو ومذابح أفغانستان وقصف الفلوجة) وتارة باسم الديمقراطية والحرية لتمرير ما تريد على دول العالم التي لا توافقها.
بينما الحرية والديمقراطية الغربية والقانون الدستوري جعل الغرب يسقط نتائج الانتخابات في تركيا والجزائر ونيجيريا (مشهود أبيولا) لأن الناجحين إسلاميين!!
للأسف أن الغرب حريص على فرض قيمه الاجتماعية والثقافية وعولمتها والتي تمثل أسوأ ما عنده بينما لا يسعى إلى عولمة العلم والتقدم حيث يجب الاحتفاظ به.
إن مما يزيد خطورة العولمة ضعف العالم الإسلامي وهزيمته أمام الغرب وهذا ما يزيد اختراق العولمة الثقافية للهوية، كما قال ابن خلدون ”المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه وسائر أحواله وعوائده“
(26).
فضلاً أن العولمة تحمل فكرة استبداد القوي الذي يسخر إرادات الشعوب الضعيفة لصالحه، وتكمن في فكرة سيطرة المهيمن على الاقتصاد العالمي والقوة العسكرية والإدارة السياسية على شعوب العالم الفقيرة، بل والسعي لإفقار ما ليست فقيرة، وتكمن كذلك في فكرة الإذابة التي يقوى عليها من يمتلك أدوات الاتصال والتحكم بها، وبالمعلومات وبإنتاجها، وتدفقها دونما مراعاة لثقافات الشعوب وحاجاتها وخصوصياتها وإمكاناتها
(27).
كما أن مما يزيد خطورة العولمة ذراعها الإعلامي الخاضع للسيطرة الصهيونية والتي تمسك بخيوطها، تسير هذه القوة في السيطرة مع القوة الغاشمة العسكرية في فرض العولمة على الآخرين، فوظيفة المنظومة الإعلامية هي أن تتسلى وتتلهى وتعلم وترسخ القيم والمفاهيم والمعتقدات وأنماط السلوك الأمريكي على الآخرين، كما يرى أحد الخبراء الأمريكين، ولتحقيق ذلك صارت ميزانية الإعلام موازية تماماً لميزانية الدفاع في بعض الدول، فإحصاءات عام 1986م تقول إنه بلغ رقم اقتصاد الإعلام في الغرب والاتصالات مبلغ (1175) بليون دولار تقريباً منها (505) بلايين للولايات المتحـدة الأمريكيــة، و (267) بليونــاً للجماعة الأوروبية، و (253) بليونــاً لليابــــان، و (150) بليوناً فقط للآخرين في العالم .. هذه الميزانيات الضخمة للإعلام في الشمال جعلته يتحكم بقوة في الإعلام المتدفق، في اتجاه الجنوب الأمر الذي أحدث خللاً في المنظومة الإعلامية، وقد فشلت جميع الجهود والمبادرات التي بذلت في إطار الأمم المتحدة لوضع أسس لقيام نظام إعلامي جديد يحقق التوازن بين الشمال والجنوب
(28).
وهناك الدراسات الكثيرة التي تبين معاناة شعوب شرقية (ليست إسلامية) وسائرة في الفلك الغربي كاليابان وكوريا الجنوبية من العولمة ومن الدراسات الميدانية التي تمت لمعرفة تأثير المواد التلفزيونية الأمريكية على الشباب الكوري الجنوبي قام بها
Kang & Morgan ومن نتائج هذه الدراسة أن هذه المواد أدت إلى تأثير بالغ على القيم التقليدية الكورية، فأصبحت الفتيات الكوريات أكثر تحرراً من القيم الأسرية والأخلاقية، ويعتقدن أنه لا حرج من الممارسة الجنسية خارج الزواج، وأن ذلك من قبيل الحرية الجنسية، وأصبحن يرتدين الملابس الأمريكية، ويحتقرن العقيدة الكونفوشيوسية(29).
كما أننا نجد دولاً كالفلبين وهي دولة تصنف أنها نصرانية سائرة في الفلك الأمريكي حيث نجد في دراسة أجريت على (255) طالباً فلبينياً وجد أن التعرض للمواد التلفزيونية الأمريكية قد ارتبط إيجابياً بتأكيد هؤلاء الطلاب على قيمتي: ”المنفعة والمادية“، باعتبارهما القيمتين الأكثر أهمية في حياتهم، في حين تدنت لديهم قيم فلبينية أصيلة مثل: الصفح، والتسامح، والتضحية، والحكمة
(30).
وإذا كانت بعض دول الغرب نفسه أو من هو قريب منها يشكو من عولمة الثقافة على الهوية، حيث نجد أن فرنسا مع أنها غربية نصرانية، ولكن بسبب اختلاف اللغة فإنها أكثر الدول الغربية تشكو من عولمة الثقافة ومن هيمنة اللغة الإنجليزية، والخوف على الهوية الفرنسية ولذلك لجأ الفرنسيون إلى وضع الثقافة في خانة الاستثناء، لأنهم تنبهوا إلى أن قوة الإنتاج الثقافي الأمريكي تؤدي إلى التغيير التدريجي في معايير السلوك وأنماط الحياة
(31).
بل أن هناك دراسة في استراليا وهي بلد غربي نصراني يتحدث الإنجليزية أي مشارك للولايات المتحدة في الهوية تقريباً يشكو من مواد التلفزة الأمريكية على الأطفال، لأنها تؤدي إلى فقدان الانتماء وإلى أزمة أخلاقية وغربة ثقافية
(32)، وكذلك كندا حيث عبرت وزيرة الثقافة الكندية شيلا كوبي عن انزعاجها من الهيمنة الثقافية الأمريكية، وتداخلها قائلة: من حق الأطفال في كندا أن يستمتعوا بحكايات جداتهم، ومن غير المعقول والمقبول أن تصبح (60%) من برامج التلفزيون الكندي مستوردة، وأن يكون (70%) من موسيقانا أجنبية، وأن يكون (95%) من أخلاقنا ليست أمريكية(33).
وهذه الأمثال توفرها مئات الدراسات في أنحاء العالم من خوف المثقفين على هوية شعوبهم من العولمة الأمريكية، ألا يحق لنا كمسلمين ونحن نحمل أعظم عقيدة وخير لسان نزل به القرآن، وأعظم تاريخ بالإضافة إلى القيم الحضارية العالية أن نخشى على تلك الجواهر من أثر العولمة على الهوية إن أخطر ما تحمله العولمة تهديدها لأصل العقيدة الإسلامية، لما تدعو له من وحدة الأديان، وهي دعوة تنقض عقيدة الإسلام من أساسها، وتهدمها من أصلها،لأن دين الإسلام قائم على حقيقة أنه الرسالة الخاتمة من الله تعالى للبشرية، الناسخة لكل الأديان السابقة التي نزلت من السماء، ثم أصابها التحريف والتغيير، ودخل على أتباعها الانحراف العقائدي. ”كما أن العولمة تسعى لإعادة تشكيل المفاهيم الأساسية عن الكون والإنسان والحياة عند المسلمين، والاستعاضة عنها بالمفاهيم التي يروج لها الغرب ثقافياً وفكرياً، فالكون في نظر العولمة الثقافية والفكرية لم يخلق تسخيراً للإنسان، ليكون ميدان امتحان للناس لابتلائهم أيهم أحسن عملاً!!، والإنسان لم يخلق لهدف عبادة الله تعالى !! وهذه المفاهيم الأساسية للعقيدة الإسلامية، ليست في نظر العولمة الفكرية والثقافية سوى خرافة“
(34).
إن هذا العالم المادي لا يعرف المقدسات أو المطلقات أو الغائيات، وهدف الإنسان من الكون هو عملية التراكم والتحكم هذه، التي ستؤدي في نهاية الأمر إلى السيطرة على الأرض وهزيمة الطبيعة
(35).
إن المنظومة المعرفية الغربية المادية الحديثة بدأت بإعلان موت الإله باسم مركزية الإنسان، وانتهت بإعلان موت الإنسان باسم الطبيعة، والحقيقة المادية، وهذه هي الواحدية المادية: أن تصبح كل المخلوقات خاضعة تماماً لنفس القانون المادي الصارم وأن يسود منطق الأشياء على الأشياء وعلى الإنسان، وهذا هو حجر الزاوية في المشروع المعرفي الغربي، ثمة قانون واحد وثقافة واحدة وإنسانية واحدة تكتسب وحدتها من كونها جزءاً من النظام الطبيعي، ولذا فإن ثمة نموذجاً واحداً للتطور، ويلاحظ أن حركة البناء الفكري المادي تتجه دائماً نحو تصفية الثنائيات التي نجمت عن الثنائية الدينية (الخالق / المخلوق) وعن الثنائية الهيومانية (الإنسان / الطبيعة)
(36).
وإذا انتقلنا من العقائد التي هي أصل الهوية إلى اللسان واللغة التي هي أداة التفاهم والتواصل، وهي وعاء الفكر وقالبه الحي، وما نراه اليوم من طغيان الثقافة الغربية، حيث تشكل اللغة نسبة عالية من الإسهام في نقلها، ولا أدل على ذلك من أن (88%) من معطيات الأنترنت باللغة الإنجليزية، و(9%) بالألمانية، و(2%) بالفرنسية، و(1%) يوزع على باقي اللغات
(37).
ويبين هنتجنتون في كتابه صدام الحضارات أهمية اللغة في الصراع حيث أن توزع اللغات في العالم عبر التاريخ يعكس توزع القوة العالمية فاللغات الأوسع انتشاراً: الإنجليزية، الماندارين، الأسبانية، الفرنسية، العربية، الروسية. إما أنها أو كانت لغات دول إمبراطورية جعلت شعوباً أخرى تستخدم لغتها. كما أن التحولات في توزع القوة، تؤدي إلى تحولات في استخدام اللغات، حيث قرنان من القوة البريطانية والأمريكية الاستعمارية والتجارية والصناعية والعلمية والمالية، تركا ميراثاً ضخماً في التعليم العالي والتجارة والتقنية في أنحاء العالم
(38).
أن إحصاءات منظمة اليونسكو عن الوطن العربي تشير إلى أن شبكات التلفزيون العربية تستورد ما بين ثلث إجمالي البث كما في سوريا ومصر، ونصف هذا الإجمالي كما في تونس والجزائر، أما في لبنان فإن البرامج الأجنبية تزيد على نصف إجمالي المواد المبثة إذ تبلغ (58.2%)
(39). ومعلوم أثر هذه البرامج على العقائد والقيم والأخلاق والعادات واللغة.
أما إذا انتقلنا إلى السلوك والأخلاق فإن المبادئ الأخلاقية التي تتهاوى في الغرب يوماً بعد يوم حيث سيادة المصالح والمنفعة واللذة و تعظيم الإنتاج والاستهلاك.
هذه الحضارة ابتداءً من حربيها العالميتين (أي الغربيتين) وانتهاءً بمشاكلها المتنوعة الكثيرة مثل تآكل مؤسسة الأسرة، وانتشار الإيدز والمخدرات، وتراكم أسلحة الدمار الكوني، والأزمة البيئية، وتزايد اغتراب الإنسان الغربي عن ذاته وعن بيئته
(40).
كما تسوق العولمة لوهم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة. ”ومن خلال العولمة يروج للشذوذ الجنسي، ويحاول الغرب استصدار قوانين لحماية الشذوذ الجنسي في العالم، ومن أحدث محاولات العولمة: محاولة فرض مصطلح جديد يطلق عليه
Gender بدل كلمة Sex(41).
والتأثير الأخلاقي هو أسرع من غيره، وقد أشارت دراسة في السعودية (لناصر الحميدي) إلى أن التأثير على الجوانب الأخلاقية يأتي في الدرجة الأولى، مثل: الترويج للإباحية، والاختلاط، وما إلى ذلك مما يخالف القيم الإسلامية، وإغراء النساء بتقليد الأزياء الغربية وأدوات الزينة، وكذلك التأثير على الروابط الأسرية
(42).
علماً أن العرب هم أكثر الشعوب مشاهدة للتلفاز
(43).
بل حتى في الجانب الاقتصادي فالإنسان الغربي الذي لا يشكل سوى نسبة ضئيلة من سكان الكرة الأرضية (20%) يستهلك ما يزيد على (80%) من مواردها الطبيعية
(44)
.

|1|2|

 


 

(1) انظر: مجلة حصاد الفكر، العدد 135، جماد الأول 1424هـ - 2003م، عرض لكتاب بدائل العولمة للدكتور سعيد اللاوندي، عرض عبدالباقي حمدي، ص: 36.
(2) سلسلة كتاب المعرفة (7) نحن والعولمة من يربي الآخر، بحث للأستاذ سعد البازعي بعنوان المثقفون والعولمة والضرورة والضرر، الطبعة الأولى 1420هـ 1999م، ص: 73.
(3) العولمة وقضية الهوية الثقافية في ظل الثقافة العربية المعاصرة، محمد بن سعد التميمي، الطبعة الأولى، 1422هـ - 2001م، ص: 29.
(4) العولمة وعالم بلا هوية، د. محمود سمير المنير، دار الكلمة للنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، الطبعة الأولى، 1421هـ - 2000م، ص: 129.
(5) سلسلة كتاب المعرفة (7) نحن والعولمة من يربي الآخر، بحث للأستاذ أسعد السحمراني، أستاذ بكلية الإمام الأوزاعي بلبنان، بعنوان تسويق الاستهلاك وترويج الكاوبوي والهامبرجر، الطبعة الأولى 1420هـ - 1999م، ص: 129.
(6) المصدر السابق، ص: 28، نقلاً عن الأسبوع الأدبي، العدد 602، ص: 19، بتاريخ 14/3/1998م.
(7) انظر مجلة البيان، العدد 136، ص 91، مقالة العولمة حلقة في تطور آليات السيطرة لـ خالد أبو الفتوح.
(8) العولمة وقضية الهوية الثقافية في ظل الثقافة العربية المعاصرة، محمد بن سعد التميمي، الطبعة الأولى، 1422هـ - 2001م، ص: 28.
(9) الثقافة العربية بين العولمة والخصوصية، حسن حنفي، بحث ضمن كتاب العولمة والهوية، المؤتمر العلمي الرابع لكلية الآداب والفنون، منشورات جامعة فلادليفيا، الطبعة الأولى 1999م، ص: 33.
(10) سلسلة كتاب المعرفة (7) نحن والعولمة من يربي الآخر، الطبعة الأولى، رجب 1420هـ - 1999م، مقال للأستاذ سمير الطرابلسي بعنوان العرب في مواجهة العولمة ص: 51-52 .
(11) المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام، محمد محمود الصواف، دار الاعتصام، الدمام، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، 1399هـ - 1979م، ص: 198-199.
(12) انظر: التعريفات، الشريف الجرجاني، دار عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى 1407هـ - 1987م، ص: 314.
(13) انظر: مخاطر العولمة على الهوية الثقافية، د. محمد عمارة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، فبراير 1999م، ص: 6.
(14) ندوة الهوية العربية عبر حقب التاريخ، للمدة 25-26/6/1997م، المجمع العلمي بغداد، الكلمة الافتتاحية للندوة، ص: 7.
(15) انظر: العولمة وعالم بلا هوية، محمود سمير المنير، دار الكلمة للنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، الطبعة الأولى، 1421هـ - 2000م، ص: 146.
(16) صدام الحضارات إعادة صنع النظام العالمي، تأليف صامويل هنتنجتون، ترجمة طلعت الشايب وتقديم د. صلاح قنصوة، الطبعة الثانية 1999م، ص: 116.
(17) صدام الحضارات .. إعادة صنع النظام العالمي، تأليف صامويل هنتنجتون، ترجمة طلعت الشايب وتقديم د. صلاح قنصوة، الطبعة الثانية 1999م، ص: 103.
(18) انظر مخاطر العولمة على الهوية الثقافية، د. محمد عمارة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، فبراير 1999م، ص: 46.
(19) انظر حتى لا تضيع الهوية الإسلامية والانتماء القرآني، أنور الجندي، دار الاعتصام، سلسلة الرسائل الجامعة، (د. ط. ت)، ص: 7.
(20) صدام الحضارات .. إعادة صنع النظام العالمي، تأليف صامويل هنتنجتون، ترجمة طلعت الشايب وتقديم د. صلاح قنصوة، الطبعة الثانية 1999م، ص: 433.
(21) انظر: صدام الحضارات .. إعادة صنع النظام العالمي، تأليف صامويل هنتنجتون، ترجمة طلعت الشايب وتقديم د. صلاح قنصوة، الطبعة الثانية 1999م، ص: 204-205.
(22) العولمة وأثرها على اقتصاد الدول، ص: 28، نقلاً عن جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 2/3/1997م.
(23) فخ العولمة، هانس بيتر مارتن، هارالد شومان، ترجمة: د. عدنان عباس علي، مراجعة وتقديم: رمزي زكي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1998/1419هـ، ص: 253.
(24) العولمة الثقافية وموقف الإسلام منها، د. إسماعيل علي محمد، دار الكلمة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1421هـ - 2001م، ص: 27.
(25) انظر وثيقة برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية المنعقد بالقاهرة 5-15/9/1994م، الترجمة العربية الرسمية، الفصل الثامن الفقرات 31-35. نقلاً عن مخاطر العولمة على الهوية الثقافية، د. محمد عمارة، ص: 27.
(26) جعل هذا عنوان للفصل الثالث والعشرون من الفصل الثاني، انظر مقدمة ابن خلدون، عبدالرحمن بن خلدون، ص 147، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، د. ت.
(27) انظر العولمة والهوية، المؤتمر العلمي الرابع لكلية الآداب والفنون 4-6/5/1998م، كلمة عميد كلية الآداب أ. د. صالح أبو ضلع، منشورات جامعة فلادليفيا، الطبعة الأولى، 1999م، ص: 11.
(28) انظر العولمة وعالم بلا هوية، محمود سمير المنير، دار الكلمة للنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، الطبعة الأولى، 1421هـ - 2000م، ص: 130-131.
(29) مجلة الرائد، تصدر عن الدار الإسلامية للإعلام بألمانيا، العدد (236) ربيع الأول 1424هـ/ مايو 2002م، دراسة بعنوان العولمة وأثرها على السلوكيات والأخلاق، د. عمار طالبي، ص: 11.
(30) العولمة والتحدي الثقافي، د. باسم علي خريسان، دار الفكر العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2001م، ص: 132.
(31) مجلة الرائد، تصدر عن الدار الإسلامية للإعلام بألمانيا، العدد (236) ربيع الأول 1424هـ/ مايو 2002م، دراسة بعنوان العولمة وأثرها على السلوكيات والأخلاق، د. عمار طالبي، ص: 12 .
(32) مجلة الرائد، تصدر عن الدار الإسلامية للإعلام بألمانيا، العدد (236) ربيع الأول 1424هـ/ مايو 2002م، دراسة بعنوان العولمة وأثرها على السلوكيات والأخلاق، د. عمار طالبي، ص: 11.
(33) نحن والعولمة من يربي الآخر، مقال للأستاذ أنور عشقي، بعنوان: الشياطين تختبئ في التفاصيل، كتاب المعرفة (7) الطبعة الأولى، 1420هـ 1999م، ص: 177.
(34) انظر: العولمة وقضية الهوية الثقافية في ظل الثقافة العربية المعاصرة، محمد بن سعد التميمي، الطبعة الأولى، 1422هـ - 2001م، ص: 274-275.
(35) العالم من منظور غربي، د. عبدالوهاب المسيري، منشورات دار الهلال، فبراير 2001م، ص: 129.
(36) العالم من منظور غربي، د. عبدالوهاب المسيري، منشورات دار الهلال، فبراير 2001م، ص: 127.
(37) العولمة وقضية الهوية الثقافية في ظل الثقافة العربية المعاصرة، محمد بن سعد التميمي، الطبعة الأولى 1422هـ - 2001م، ص: 111.
(38) صدام الحضارات .. إعادة صنع النظام العالمي، تأليف صامويل هنتنجتون، ترجمة طلعت الشايب وتقديم د. صلاح قنصوة، الطبعة الثانية 1999م، ص: 103.
(39) العرب والعولمة، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، تعقيب نبيل الدجاني، الطبعة الثانية، 1998م، ص: 335.
(40) العالم من منظور غربي، د. عبدالوهاب المسيري، منشورات دار الهلال، فبراير 2001م، ص: 220.
(41) العولمة وقضية الهوية الثقافية في ظل الثقافة العربية المعاصرة، محمد بن سعد التميمي، الطبعة الأولى، 1422هـ - 2001م، ص: 276-279.
(42) مجلة الرائد، تصدر عن الدار الإسلامية للإعلام بألمانيا، العدد (236) ربيع الأول 1424هـ/ مايو 2002م، دراسة بعنوان العولمة وأثرها على السلوكيات والأخلاق، د. عمار طالبي، ص: 10.
(43) ضياع الهوية في الفضائيات العربية، د. عائض الردادي، كتيب المجلة العربية، العدد السابع والثلاثون، محرم 1421هـ، ص: 7.
(44)
العالم من منظور غربي، د. عبدالوهاب المسيري، منشورات دار الهلال، فبراير 2001م، ص: 217.

 

شرفات للرؤية

الجزيرة الموافق21/2/2006

عرض/ سكينة بوشلوح


كثيرا ما تكتسب الأشياء أهميتها عندما تكون مفقودة أو مهددة بالفقد، فتحتدم في مشاعرنا الرغبة في استبقائها باستعادتها من وجودها الساكن المهدد، لنتأملها وقد أحكمنا عليها القبضة خوفا مما يتهددها بالزوال.

والهوية -هذا المفهوم الطارئ على الثقافة الإنسانية- تبدو في وضع قريب من الاحتمالات المثارة هنا، منذ قفزت إلى موقع المفهومية أولا ثم إلى أولى مراتب الأهمية إبان العقود الأخيرة من القرن الماضي، وعلى نحو ينبئ بغياب محتمل أو خطر مقبل في ظل ما يشار إليه الآن بالعولمة.

والهوية ليس أمرا جديدا كل الجدة، بل هي -كما لاحظ العديد من الباحثين- امتداد لتلك الظاهرة المألوفة.. ظاهرة الاستعمار الغربي الذي عرفه العالم منذ قرون.

- الكتاب: شرفات للرؤية.. العولمة والهوية والتفاعل الثقافي
-
المؤلف: د. سعد البازعي
-
عدد الصفحات: 250
-
الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء, المغرب
-
الطبعة: الأولى
2005

وهي تطور طبيعي لاختلال موازين القوى السياسية والاقتصادية وحتى القوى الأعمق وهي القوى الحضارية. إنها ببساطة هيمنة الغالب، وليس أمام المغلوب إلا أن يعي موقعه ويسعى للتعامل بواقعية وذكاء مع الواقع المحيط.

من هذا المنطلق ومن خلال عدة مطارحات رئيسية في كتاب "شرفات للرؤية.. العولمة والهوية والتفاعل الثقافي" لمؤلفه الدكتور سعد البازعي أستاذ الأدب الإنجليزي والدراسات المقارنة في جامعة الملك سعود بالرياض، تناول الكاتب فكرة حتمية التفاعل الثقافي مع الآخر وضرورة السير فيه عبر رؤية نقدية واعية واستعداد فكري ناضج، انطلاقا من القناعة الأساسية بأهمية السعي نحو "مثاقفة مثمرة تحفظ الهوية الثقافية وتحقق الاستقلال الفكري".

كل ذلك بأسلوب جمع فيه المؤلف ما بدا له متصلا بعضه ببعض على شكل قضايا متشابهة وبالقدر الذي يبرر التأليف بينها وتقديمها للقارئ بهدف استخلاص الرؤية الجادة لما يحيط بنا من هموم وقضايا متنوعة.

الهوية وتحديات العولمة
بات موضوع الهوية شاغلا أساسيا في الفكر المعاصر وفي كثير من مناحي البحث، لاسيما الاجتماعية والنفسية والأدبية. هذا الانشغال يراه المؤلف امتدادا لهمّ إنساني قديم قدم الإنسان وقدم انشغاله الاجتماعي والثقافي
.

والذي حدث هو أن السؤال تعالى إلى مرتبة الاحتدام نتيجة ظروف كثيرة متداخلة، فسؤال الهوية مطروح عالميا وفي كل ثقافة على حدة، لكنه يكتسب حدة أكبر في بيئات ثقافية معينة.

"
إذا كانت الهوية سؤالا عما يميز الفرد أو الثقافة أو الأمة عما عدا ذلك، فإنها قد تصير سؤالا محيرا حين تكثر المتشابهات وتختصر الكثير من المميزات في عدد قليل من الخطوط العامة المشتركة، كاللغات ووسائل الاتصال وأشكال اللباس والطعام والتعامل
"

ذلك أن المتأمل لخارطة الفكر المعاصر على المستوى العالمي يجد أن السؤال -حتى في وجود الأقليات وتحول كثير من الشعوب إلى أقليات- لم يطرح بشكل متواتر وناضج إلا في البيئات الحضارية الضخمة في الغرب، لأن سؤال الهوية سؤال فلسفي علمي مركب، والطرح المركب بحاجة إلى سياق فكري من المعرفة المتراكمة، وحوافز التفكير لا تتأتى عادة في البيئة البسيطة.

وهنا يؤكد المؤلف أن من أكثر الأقليات التي أبدت اهتماما بمسألة الهوية في العصر الحديث وعلى المستوى الفكري الأقلية اليهودية في أوروبا، إذ كان تنامي السؤال وتبلوره لديهم على نحو ينبع من انشغالهم الاجتماعي والثقافي بوضعيتهم في المجتمعات الأوروبية التي غالبا ما اكتنفها العداء والاضطهاد. فالاختلاف بالنسبة لليهود لا يعني التباين عن غيرهم فحسب، وإنما يعني التفوق والتميز الإيجابي.

لذلك نجد أن المحلل النفساني النمساوي "اليهودي" فرويد يقول "لأنني يهودي وجدت نفسي متحررا من الكثير من التحيزات التي ضيقت على الآخرين وحدت من قدرتهم على استعمال عقولهم"، وهي في الحقيقة مقولة يرى فيها الدكتور البازعي ميزة قد تتوفر للأقليات بشكل عام، إذ تعيش شكلا من أشكال الاضطهاد فتشحذ قدراتها من ناحية وتمكنها من النظر إلى الأمور من زوايا مختلفة عن رؤية الأكثرية المحيطة.

وإذا كانت الهوية سؤالا عما يميز الفرد أو الثقافة أو الأمة عما عدا ذلك، فإنها قد تصير سؤالا محيرا حين تكثر المتشابهات وتختصر الكثير من المميزات في عدد قليل من الخطوط العامة المشتركة، كاللغات المهيمنة ووسائل الاتصال وأشكال اللباس والطعام والتعامل.. إلى غير ذلك مما يحيط بالكرة الأرضية ويكاد يوحدها في قالب واحد أو هوية واحدة هي تلك القادمة من النصف الغربي للعالم، فأين يكون التميز إذا؟ وأين هي الهوية العربية في ظل هذه المواصفات؟

إن الهوية التي تأكل الطعام الأميركي وتقيم في الفندق الأميركي وتحمل الشهادة الأميركية أو الأوروبية وتتحدث الإنجليزية أو الفرنسية وتشاهد "بي.بي.سي" وتتواصل بالإنترنت ثم تتبع منهجا غربيا في البحث وتؤمن بالماركسية أو الليبرالية لتكتب بعد ذلك الرواية أو المسرحية، هي في نظر الكاتب هوية فقدت الكثير من اختلافها.. هوية تعولمت إلى حد ما وتشابهت مع غيرها.

وما حدث –في نظر المؤلف- لا يعبر عن تخل عن المرتكزات والمقومات المعروفة، كالدين واللغة والتراث الحضاري وما ينطوي عليه ذلك من عمق تاريخي، وإنما هو تغيرها بأقدار متفاوتة فيما بينها وتبعا للمؤثرات المحلية ضمن العالم العربي نفسه، كما أن دور كل منها في تثبيت الهوية يتباين من مكان إلى آخر في أنحاء العالم العربي.

لأجل ذلك يتساءل البازعي عن دور الجامعة العربية والمنظمات الإقليمية في الحفاظ على الهوية المشتركة، ذلك أن عوامل كثيرة مثل العولمة لا يبدو أنها تخدم مثل ذلك الهدف، بل قد تجعله مشروعا للاستعادة والاسترجاع.

الهوية والصراع العربي الإسرائيلي
كان الاستعمار عاملا رئيسيا في استثارة مفهوم الهوية من خلال نزوعه إلى خلق صدامات ثقافية حيثما حل، وذلك بفرضه قيما غريبة على البيئات الاجتماعية والثقافية التي يحل بها والتي تضطر بدورها للمقاومة قدر استطاعتها
.

وإذا أخذنا البعد المقاوم هذا تبين لنا أن ما نسميه العولمة ليس فعلا أحادي الاتجاه وإنما عملية فعل ورد فعل: غرب يفرض نفسه وثقافات تقاوم، وكلتا العمليتين ذات أبعاد عالمية. ومن هنا تناول الكتاب قضية الصراع العربي الإسرائيلي بوصفه جزءا من تلك العملية الجدلية.

بدأ المؤلف طرحه للموضوع بالإشارة إلى أن الهوية قضية مركزية في هذا المعترك ليس في الجانب العربي فحسب وإنما يتعداه إلى الجانب الإسرائيلي كما تؤكده العديد من الكتابات اليهودية والدراسات الإسرائيلية عموما.

"
الهوية قضية مركزية في معترك العولمة ليس في الجانب العربي فحسب وإنما يتعداه إلى الجانب الإسرائيلي كما تؤكده العديد من الكتابات اليهودية والدراسات الإسرائيلية
"

فمنذ نهاية القرن التاسع عشر كان المهاجرون اليهود يأتون مسلحين بالثقة الذاتية لاستعادة الهوية القديمة لبني إسرائيل، وهم في ذلك يعتقدون بأن المجتمع الفلسطيني جاء ليعرفهم أرضهم المقدسة، فهم شخوص في تاريخ الأرض وليسوا شعبا سلبت منه الأرض. وهذا معناه أن مهمة اليهود هي إعادة تسمية الأرض ليستعيدوا هويتها ويستعيدوا هم هويتهم من خلالها.

هذه القناعة استقرأها الكاتب من خلال عدة أعمال لمؤلفين يهود أبرزهم الشاعر حاييم بياليك الذي عاصر المشروع الصهيوني، والكاتب يهودا أميخاي الذي تنامى شعريا على نحو مواز مع نمو دولة إسرائيل.

وهي ذات القناعة التي يختلط فيها موقف الحماسة لتأسيس الوطن والحفاظ عليه بشكوك واسعة في جدوى ذلك وإمكانية التأقلم معه على المدى الطويل، فالفلسطينيون رغم كونهم الأضعف ووجودهم تحت حصار جسدي ونفسي، يشكلون بمواصلتهم العيش في إسرائيل ومطالبتهم الشرعية بالأرض، حصارا ملموسا على النفسية الإسرائيلية والتركيبة الأخلاقية لسكانها من اليهود.

ومن ثم لم تعد استعادة الهوية هدفا مقتصرا على المساعي القومية للإسرائيليين أو اليهود عموما، كما لم يعد استخدام "العنف" لتحقيق ذلك حكرا عليهم وحدهم، فالمقاومة الفلسطينية تسير نحو هدف مماثل وإن تغيرت الزاوية واختلف المهاد، والوسيلة هي ذاتها على ما بين مستوى "العنف" وأسلوبه في الحالتين من اختلاف كبير.

أما عن الجانب العربي فيرى المؤلف أن من نتاج الصراع بروز خطابين مختلفين متداخلين في كثير من أعمال الكتاب العرب وفي غالب الأحيان: خطاب يفصح عن الغضب وعن القناعة الأساسية لدى الفلسطيني العادي بأن ظلما فادحا قد ارتكب عليه ولا يزال في فلسطين ضد السكان العرب، وخطاب مثقل بغير قليل من التردد والنظرة الإنسانية التي تنظر إلى الإسرائيلي العادي بوصفه ضحية لظلم يظلل الجميع. وواقع الأمر أن الخطاب ذا النزعة الهجومية الدفاعية هو الأقوى من ذلك الذي يبحث عن منطقة وسطى.

والخطابان موجودان أحيانا في العمل الواحد كما في قصيدة "حالة حصار" للشاعر محمود درويش، أو كما في قصة "العائد إلى حيفا" للمؤلف الراحل غسان كنفاني. ومع كل ذلك يصر المؤلف على بقاء الصراع والتنافس حول الهوية بين الجانبين من غير أي تردد، فمن يمتلك الأرض واللغة؟ ومن يحبهما أكثر؟ ومن يكتب عنهما أفضل؟

الاستقبال وسوء الفهم
في إشارة منه إلى ضرورة التفاعل مع الثقافة الغربية، يركز المؤلف في ختام المطارحات التي تناولها الكتاب على كيفية الاستقبال وأسبابه، إذ إن نقل العمل أو الفكرة من حيز إلى آخر تدعو إليه حاجة تاريخية وثقافية محددة
.

هذه الحاجة عادة ما تكون مزدوجة الدلالة، بمعنى أنها تدلنا على وضع الثقافة المستقبِلة بقدر ما تتصل بطبيعة العمل (موضوع الاستقبال) التي جعلت من الممكن لذلك العمل أن يكون مهما لكتاب أو ثقافات أخرى.

"
مع أننا جميعا معرضون لسوء الفهم على المستوى الثقافي، فإننا نتفاوت في تعرضنا لسوء فهم ينتج عن عدم تقصي الفرد منا لما يبحث فيه، أو حين نختار المصطلحات لنوظفها كما نريد، وهذه هي الأزمة الحقيقية
"

ومن ثم يتضح ما حدث لأرسطو في الثقافة العربية مثلا، وما حدث للفيلسوف الفرنسي ديكارت حين وظفه طه حسين، وللماركسية لدى الكثيرين ولليبرالية في أعمال غيرهم.

وحجته في ذلك أن سوء الفهم ليس من السهل تبريره دائما، وتاريخ الفكر هو إلى حد كبير تاريخ من الطرح والطرح المقابل، ومن الفهم وسوء الفهم. والمفكر أو الناقد يظل دائما محكوما إلى حد قد يكبر أو يصغر بسياقه الثقافي الذي يؤثر في تناوله لما في الثقافات الأخرى مما يعرضها لتحوير المفاهيم والأفكار.

ومع أننا جميعا معرضون لسوء الفهم على هذا المستوى الثقافي، فإننا نتفاوت في تعرضنا لسوء فهم ينتج عن عدم تقصي الفرد منا لما يبحث فيه، أي لم يقم بما كان ينبغي القيام به من جهد بحثي وقرائي، أو حين نختار المصطلحات لنوظفها كما نريد، وهو الأمر الذي يعده الدكتور البازعي أزمة حقيقية لا يدري إن كان هناك مشتغل جاد في حقل الثقافة قادر على القول بأنه خال من قلقها وتأثيرها على أعماله.

ففعل "المثاقفة" بما هو ذهاب إلى الآخر وتفاعل مع معطياته يؤدي في النتيجة النهائية إلى ما سماه "تعولما"، وليس مما يغير طبيعة ذلك أن تكون العولمة فعلا واعيا وإراديا مقصودا أم لا، فهي في النهاية تلبس فكري وتمازج بمعطيات الآخر.

ولعل المأزق الحقيقي يتمثل في عدم حدوث التفاعل على الوجه الصحيح، ما يؤدي إلى إحدى نتيجتين: تعولم بناء وضروري، أو تعولم مشوه متعجل المثقافة.

وفي كل الأحوال يجب أن تبقى المقاومة قائمة كمقاومة الجسد للجسم الغريب، تضمن له توازنه وتبعده عما يؤدي إلى التشوه والاضمحلال.

 

<<شرفات للرؤية>> لسعد البازعي
تداعيات الهوية وغياب الرؤية الشمولية

السفير  2005 /08/15  

صفوان حيدر

الكتاب: شرفات للرؤية
(العولمة والهوية والتفاعل الثقافي)
المؤلف: سعد البازعي
الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت 2005.
يشتمل هذا الكتاب النقدي بامتياز على مجموعة من المقالات والدراسات بعضها محاضرات ألقيت سابقا والتي تتناول عددا من القضايا الثقافية والفكرية الملحة في عالمنا المعاصر، منها: العولمة، الهوية، التفاعل الثقافي العربي/ الغربي، التأزم الحضاري، دور المؤسسات الثقافية، أدب المقاومة والحضور اليهودي على المستوى الثقافي. ويطرح سعد البازعي، وهو أستاذ للأدب الانكليزي والدراسات المقارنة بجامعة الملك سعود في الرياض، رؤية إزاء تلك القضايا، تقوم على حتمية التفاعل الثقافي مع الآخر، وعلى ضرورة السير في ذلك التفاعل عبر فهم نقدي واكتساب فكري، انطلاقا من القناعة الأساسية بأهمية السعي الى مثاقفة مثمرة: فهل تمكن البازعي من النجاح الكامل في تشخيص معالم الهوية الثقافية العربية؟ وهل استطاع أن يصل الى أهدافه البعيدة التي تسعى الى تحقيق الاستقلالية الفكرية العربية؟ وهل ثمة استقلالية لأي فكر، عربياً كان أم غير عربي، في زمننا المعولم هذا؟
تجاوز الثنائية
في الفصل الأول بعنوان <<حول العولمة والهوية>> يرى البازعي أن التعامل مع العولمة يتم على مستويين ثقافيين مستبعدا الحقول المتعددة للثقافة : <<مستوى الثقافة (العالِمة)، ومستوى الثقافة غير (العالَمة)، أي الثقافة الرفيعة، ثقافة العلم والمتعلمين من ناحية، والثقافة الشعبية الثقافة غير <<المحسوسة>> أحيانا، من ناحية أخرى>>. متجاهلا وجود ثقافة وسطى بين هاتين الثقافتين. فكلا الثقافتين تتعاملان مع العولمة وتتأثران بها على تفاوت بينهما. وقد تبين لعدد من الدارسين مؤخرا ان من يمارسون إنتاج الثقافة والفكر ليسوا بمنأى عن تناقضات الثقافة التي يصدرون عنها، الأمر الذي يبرز احيانا في مفارقات على شكل متغيرات في المواقف أو على شكل تباين بين ما يصدر عن الوعي الثقافي وما يعبر عن نفسه على نحو لا واع. فطه حسين والعقاد وغيرهما كما يفيد البازعي سعوا الى المثاقفة الاجنبية أو الى التعامل مع الحضور للثقافية الغربية تعاملا منفتحا الى أية حدود؟ ولم يخل هذا الانفتاح من تناقضات اتضحت في ازدواجية المفاهيم بل في تعددياتها وقد انتقل ذلك الانفتاح من ناقد للتراث العربي الى نصير للتراث العربي ومدافع عن الهوية العربية (ثمة من تجاوز ثنائية <<الناقد والنصير>>) كما يرى البازعي أن بدر شاكر السياب الذي درس الشعر الانكليزي وسعى الى الافادة منه ومن الثقافة الغربية، كان كما تقول احدى الباحثات الأميركيات، لصيقاً بتراثه، الى حد انه كان امتداداً لذلك التراث العربي...
إن التراث العربي شاسع ومتعدد الأبعاد، وتركيز البازعي على بدر شاكر السياب بوصفه المنعطف الاول للحداثة الشعرية أمر مبالغ به. ففضل الريادة في التحديث الشعري يعود الى الشعر المهجري (جبران خليل جبران والكتابات الشعرية المهجرية العربية لرفاقه المهاجرين الى شمال وجنوب أميركا في بدايات القرن الماضي) ورفد تلك الريادة شعراء بحلة <<أبولو>> المصرية في الثلاثينيات من القرن الماضي، وذلك ما لم يعالجه البازعي في كامل كتابه على الرغم من أهمية الطروحات النقدية التي يحفل بها هذا الكتاب. ولقد اعترف السياب، ثم صلاح عبد الصبور، بتأثرهما بالأدب المهجري والجبراني ولم يغب هذا التأثير والتأثر عن طه حسين والعقاد وسواهما، ولو بمستويات متفاوتة. وفي معرض حديثه عن طه حسين يركز البازعي على تأثر حسين بمنهج ديكارت وبمنهج هوسرل، بينما هناك تيارات فلسفية غربية أخرى لعبت أدواراً مهمة في عملية المثاقفة التحديثية التي جرت بين طه حسين وأصدقائه من المثقفين العرب المعاصرين له، وهي تيارات ثقافية تعود الى أفكار سبينوزا ولايبنتز مروراً بأفكار عصر التنوير الأوروبي بمتفرعاتها الماركسية والليبرالية والوجودية. وقد لعب الفكر والأدب الوجودي عند شوبنهاور ونيتشه وكيركغارد وهايدغر وسارتر وكامل الأدب الوجودي الغربي الالماني والفرنسي والروسي، دوراً كبيراً في عملية المثاقفة التحديثية التي أغنت وأثرت الأدب العربي المعاصر والحديث.
اقتباس الجابري
يبدو مثيراً للالتباس اقتباس البازعي لكلام محمد عابد الجابري في معرض الحديث عن مثقف عربي كالسياب الذي كان يتأثر بالثقافة الانكليزية ويقاوم التأثير في الوقت نفسه، إذ تبدو علاقة الثقافة العربية الإسلامية بالغرب علاقة <<العدو والنموذج في الوقت نفسه>> (الجابري) ولكن كلام الجابري لا يستوعب أشكالا أخرى من العلاقات نشأت وتطورت خارج إطار تلك الثنائية <<العدو والنموذج>>، وتبلورت في أعمال أدبية عربية رائدة كأعمال أبي القاسم الشابي التونسي وأعمال بيرم التونسي على المستوى الشعبي، وأعمال الروائيين العرب المحدثين انطلاقاً من جبرا ابراهيم جبرا ورفاقه الروائيين العراقيين وصولا الى تيارات الرواية العربية المعاصرة والحديثة والمتفرعة الأصول والاتجاهات والمغتنية بالكثير من تنوع التأثيرات، ولا ننسى أعمال صلاح عبد الصبور الشعرية المسرحية النخبوية، وأعمال نجيب سرور الانتقادية الشعبية الساخرة وصولا الى أشعار الشيخ إمام، والانتاج المسرحي اللبناني وإنتاج الرحابنة بدءاً من الستينيات، وإنتاج مجلة <<شعر>> حتى بداية السبعينيات، ثم إنتاج مجلة <<مواقف>> ومن ثم <<الكرمل>> ومجلات ثقافية وفكرية أخرى حتى أيامنا هذه.
غياب الحراكية العلمية
ضمن باب بعنوان <<الهوية العربية بين العولمة والعالمثالثية>> يتساءل البازعي: <<أين يكون التميز على صعيد الهوية؟ فالهوية وهي <<سؤال يميز الفرد أو الثقافة أو <<الأمة>>، أصبحت <<سؤالاً محيراً يختصر الكثير من المميزات في عدد (قليل؟) من الخطوط العامة المشتركة: اللغات المهيمنة، ووسائل الاتصال المنتشرة وأشكال اللباس والطعام والتعامل والترفيه وأماكن الاقامة>>، ويستطرد البازعي، <<فالهوية العربية التي تأكل الطعام الأميركي، وتقيم في الفندق الأميركي، وتحمل الشهادة الأميركية أو الأوروبية، وتتحدث الانكليزية أو الفرنسية، وتشاهد السي ان ان أو البي بي سي وتتواصل بالانترنت، أو تؤمن بالماركسية أو الليبرالية، لتكتب بعد ذلك الرواية أو المسرحية هي، شئنا أم أبينا، هوية فقدت الكثير من اختلافها (؟) هوية تعولمت الى حد ما، وهذا يعني انها تشابهت مع غيرها (...). يبدو هذا الكلام بعيداً عن الفهم العلمي الشامل والمتحرك، فبمجرد أن تكتب باللغة العربية، أو أن تتكلم ولو بلهجة محكية عربية محلية، وبمجرد أن تتأثر بأية بيئة عربية حتى لو كانت لبنانية أو عراقية أو شمال مصرية أو جنوب مصرية، أو سعودية جنوبية يمنية، فأنت تحيا ضمن خصوصيات اجتماعية بيئية ثقافية تتفاعل ضمن ذواتها المميزة وتتفاعل مع ذوات جيرانها، ضمن المناخ العربي العام الذي ليس بالضرورة محتوياً على معالم واضحة ثابتة يمكن تأطير الهوية العربية ضمن حدودها (حدود الدين الإسلامي مثلا). إن حراكية الهوية العربية، بتنوعاتها الجغرافية البيئية المعتقدية الإنسانية، لن تؤدي الى <<الخوف على مصيرها أو نعيها>>، بل ان هذه الحراكية المتنوعة والمتبادلة هي عناصر حياة للهوية العربية وأسباب استمرارية متنامية وحية ونابضة، فالحياة العربية لا تسير ويجب أن لا تسير ضمن خط مستقيم، لأن منطق الحياة العربية لا يعرف التماثل والاستتباع والأحادية، والحياة العربية لم تكن في يوم من الأيام متماثلة ومتشابهة في كافة أرجاء الوطن العربي، حتى أيام ازدهار الحضارة العربية الإسلامية>>، وهذه الحقيقة تكاد تغيب عن منهج الكتاب في العديد من فصوله.
أما في الأبواب والفصول التي تتناول <<الأدب والهوية في الصراع العربي الإسرائيلي>> وفي <<أدب المقاومة والحضور اليهودي>> فتتجلى قدرة البازعي على التنقيب والمجادلة والتحفير عمقاً والمساءلة. وهي تقدم إضاءات مهمة لعوالم الصراع على الهوية وخصوصا لعوالم الروائي الشهيد غسان كنفاني ولبعض المعالم من عوالم الشاعر محمود درويش. ولكن قضية <<الهولوكوست>> محرقة اليهود على أيدي النازيين وتداعياتها في الأدب اليهودي من جهة والأدب الفلسطيني من جهة ثانية، هذه القضية، جعلت مسارات تلك الأبواب المقالات، متشرنقة ومسورة حول المحرقة فقط، بينما، والحق يقال، تتعدى أبعاد <<الهولوكوست>> مجالات الصراع العربي الصهيوني لتتناول كافة أبعاد الصراعات الاستيطانية الكولونيالية العرقية والاحتلالية، بما يتولد عنها من قضايا وتساولات تواجه الكائن الانساني مهما كان دينه أو لونه أو هويته. فالأدب الأميركي، بتشعباته وتنوعاته، لا يمكن اختزاله بتداعيات الإبادة التي أصابت الهنود الحمر، وكذلك الأدب اليهودي، أدب كافكا والياس كانيتي ونظرائهما، لا يمكن اختزاله بتداعيات محرقة <<الهولوكوست>> فقط، وكذلك لا يمكن اختزال الأدب الفلسطيني بأعمال محمود درويش وسميح القاسم فقط، مع الاعتراف بأهمية هذين الشاعرين الكبيرين. والانسياق خلف التركيز على محرقة الهولوكوست إنما يستفيد منه غلاة الصهاينة الذين يستعملون المحرقة وسيلة لتركيز مشروعهم الاستيطاني الكولونيالي، ولتثبيت دعائم العدوان عليه. وربما كانت المقارنات الأدبية بين ييتس وتوفيق الحكيم والتي أجاد البازعي في تناول أبعادها في فصل بعنوان <<الثقافة والاتصال الحضاري>> وايضا المقارنات التي أجراها البازعي في باب بعنوان اليهود الافتراضيون: فالت ربنيامين وتيودور ادورنو؛ ربما كانت هذه المقارنات خير ما سطره قلم البازعي بوصفه استاذاً متمرساً في الأدب المقارن، وخير دليل لما كان ينبغي أن تسير اليه تناولاته لأدب المقاومة الفلسطينية، ذلك الأدب الذي يحمل حقاً في طياته، كل القضايا التي عالجها هذا الكتاب الطليعي الرائد، أو التي لم يعالجها هذا الكتاب. لكن يبقى عمل البازعي كتاباً جديراً بالقراءة حقاً. إنه كتاب مضيء وحاذق ورائد ولافت ونفّاذ في العديد من صفحاته، في زمن التجهيل والتعتيم الذي نحيا في دياجيره.

 

"شرفات للرؤية" كتاب يعالج قضايا العولمة والهوية
والحضور اليهودي... سعد البازعي يخرج على تقاليد النقد الأدبي

    الحياة     - 27/08/05//

الرياض - أحمد زين 

يكشف الكتاب الجديد «شرفات للرؤية: العولمة والهوية والتفاعل الثقافي» (المركز الثقافي العربي) للناقد السعودي سعد البازعي، عن استعداد ومقدرة من نوع متميز، على معالجة قضايا وأمور بعيدة من حقل النقد الأدبي، الذي طالما شغل معظم اهتمامات البازعي، في كتبه السابقة. كما يكشف عن دأب المؤلف في متابعة مستجدات الفكر والثقافة في الغرب، والنظر في ضوئها إلى الإشكالات التي تعتري الساحة الثقافية في الوطن العربي.

 في هذا الكتاب لا وجود للنصوص الأدبية، وبالتالي يغــــيب الناقد الأدبي، وإن ظلت الرؤية النـــــقدية الواعية، منــــطلقا لمعظم مــــقالات ودراسات الكتاب. وحضرت من ناحية أخرى، قضايا الهـــــوية والعولمة، والتفاعل الثقافي العربي- الغربي، وأدب المـــقاومة، والحضور اليهودي في الثقافة المـــــعاصرة، ودور المؤســــسات الثـــــقافية، والتأزم الحضاري وكل هذه مواضيع ثقافيــــــة وفكرية مهمة، وتهيمن على اهتمامات المعنيين بالثقافي والفكري، وامتداداتها في شتى مناحي الحياة.

قسم البازعي كتابه إلى خمسة فصول، كل فصل يتكون من محاور عدة. في الفصل الأول وعنوانه»حول الهوية والعولمة»، يطرح شروطاً للتعامل مع ظاهرة العولمة، ومن أبرز هذه الشروط التخلص من الآمال المثالية في الإحتفاظ بهويات نقية أو أوضاع ثقافية واجتماعية شديدة الخصوصية، وخالية من المؤثرات الغربية. ويقول إن هذه الهويات النقية لم ولن توجد في أي مكان من العالم، وأن العالم كان وسيظل معبراً للثقافات ولألوان التبادل التجاري والاجتماعي والسياسي وغيرها.

وبالتالي فأي محاولة للتعامل مع وضع كهذا ينبغي، في رأي المؤلف، أن تصدر عن الوعي بهذه الحقيقة البدهية. شرط آخر يورده البازعي، هو التخلص ايضاً من الاعتقاد بأن تبني مناهج أو مفاهيم أو طرائق معينة في التفكير من الغرب سيؤدي إلى إحداث نقلة نوعية إلى الأفضل في التركيبة الثقافية، وأن مناهج التفكير والفلسفات ليست حلولا سحرية، « وسيظل للواقع المحيط بخصوصيته الثقافية وتعقيداته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية دور أساسي في تحديد ما يمكن تبنيه وما هو قادر على التأثير». وفي هذا الشأن يتبنى مفردة «التفاعل» على مفردة «المواجهة» أو سواها من مفردات الصراع» لأن العلاقة بالعولمة ليست حربا كلها». ويقترح مستويين للتعامل مع العولمة: مستوى الثقافة العالمة، والثقافة غير العالمة. فالثقافة العالمة تمارس، بحسب الدراسة، دوراً قيادياً في تبنيى الأفكار والنماذج والمفاهيم وبثها في المجتمع. ويشير إلى سمة أخرى للثقافة العالمة في مواجهتها الثقافة المهيمنة، المتمثلة في إزدواجيتها... «من يمارسون إنتاج الثقافة والفكر، ليسوا بمنأى عن تناقضات الثقافة التي يصدرون عنها».

ويعالج في فصل آخر، قضية المؤسسة، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم ثقافية، لناحية كونها من مؤشرات النضج الحضاري في تاريخ أي مجتمع، وشكل من أشكال تنظيم النشاط وترشيده ودعم مسيرته.على أن للمؤسسة بعداً آخر إشكالياً، يتمثل، كما يقول المؤلف، في نزوعها إلى احتواء العمل «بتأطيره والسيطرة عليه على نحو يصطدم بحرية الأفراد، وبحاجة النشاط الذي تهيمن عليه المؤسسة، إلى هواء العمل الفردي الحر وفضاء التعبير، والانفتاح على المختلف والمتجدد». فالبيروقراطية وسيطرة العناصر غير المؤهلة وجمود الأنظمة أو تأدلجها، كل هذه الأمور التي تطبع أداء المؤسسة الثقافية، من شأنها، في رأي البازعي، إعاقة العمل. ويطرح حاجة المؤسسة المستمرة، إلى مراجعة بنيتها ونشاطها «مراجعة فاحصة جادة تقنع الأفراد بالإنضواء تحت لوائها وقبول دورها الإشرافي». ويعمد المؤلف في البحث إلى تقسيم المؤسسات الثقافية في السعودية، إلى ثلاثة أنواع: مؤسسات رسمية – حكومية، ومؤسسات شبه رسمية، ومؤسسات خاصة. وإنطلاقا من مفهوميّ «البنوة والتبني»، نقلاً عن إدوارد سعيد في كتابه»العالم، النص، الناقد» يتأمل البازعي علاقة الفرد بالمؤسسة. فالفرد، ويحدده بالمثقف الجاد، يحتاج إلى العمل من خلال المؤسسة، لكنه لا ينسجم مع أساليبها في العمل: فهو ابن المؤسسة من حيث هو ابن الثقافة التي تتفرع عنها المؤسسة، وكذلك من حيث محتاج إلى المظلة التي توفرها المؤسسة، ولكنه منفصم عن الثقافة والمؤسسة معاً من حيث هو ابن ناضج شبّ عن الطوق وطوّر مسافة نقدية إزاءهما.

وينشأ بالتالي عن هذا الوضع بعد متوتر، يعتريه الشد والجذب «الحاجة والرغبة في العمل من ناحية، والنفور والرفض للانقياد من ناحية أخرى».

وفي واحد من الدراسات المهمة، يعالج علاقة العالمية بانتشار اللغة الإنكليزية ودراسة آدابها ونقدها، والأسئلة التي تفجرها هذه العلاقة في ما يخص عالمية اللغة العربية وآدابها ضمن لغات وآداب أخرى. ويسائل الكاتب شهرة كاتب كشسبير، إنطلاقاً من كتاب الناقد الأميركي هارولد بلوم «شكسبير: اختراع الإنساني»، الذي يؤكد فيه تفرد شكسبير وعبقريته «التي تكتسح كل شيء ثابتاً كان أم متحركاً، مكاناً أم زماناً»، وهل كان حضوره ناتجا كله عن تفوق ذاتي، أم أن ثمة متغيرات ضاعفت التفوق ووفرت له الانتشار؟. وإذا كانت العالمية عند بلوم تأخذ صفة الثبات، لتكون بذلك «إنتشاراً متحققاً نتيجة صفات ذاتية أو جوهرية في أعمال معينة»، فإن البازعي يطرح صفة أخرى «تؤكدها اتجاهات فكرية ونقدية كثيرة وكبيرة»، هذه الصفة التي «يتجاهلها بلوم» تصير بها العالمية «وليدة ظروف تاريخية أو سياق تاريخي متغير قد يمنح الإنتشار لمن يستحقه ومن لا يستحقه». ويتتبع الكتاب قضية حصر العالمية في الغرب، وامتدادات هذه القضية في الكثير من الكتب، سواء التي تصدر عن مؤلفين من الغرب أو من سواهم، ممن ينتمون إلى آداب أخرى، بمن فيهم العرب. وما يخلص إليه أن لا غرابة في إقدام كتّاب الغرب على تأكيد «العالمية» كصفة ملازمة لهم، ولكن الغريب أن يفعل ذلك من ليسوا بغربيين، ومنهم كثير من النقاد العرب. فالعالمية حلم الثقافة العربية «ليس بمعنى الانتشار في حد ذاته، وإنما الانتشار بمقتضى معايير الكتابة والتفكير العربي».

وفي فصل من الكتاب، يبدي البازعي اهتماماً بـ «الحضور اليهودي في الثقافة المعاصرة»، هذا الاهتمام الذي رأى فيه بعض المثقفين العرب، «تعصباً وتقييداً للفكر في سياق إثني ثقافي، يحول دون تحقيق المثاقفة الواعية المنفتحة، التي يسعى التوجه الحداثي التنويري العربي إلى تحقيقها». ودفع هذا الموقف المؤلف إلى استعراض عدد من الأسماء البارزة، في تاريخ الثقافة الغربية، طارحاً ثلاثة أسئلة أساسية: ما المقصود باليهود واليهودية؟ وما مدى انتماء أولئك المثقفين أو المفكرين إلى اليهودية؟ وكيف أثر انتماءهم على نتاجهم؟. ولا يختلف لدى المؤلف الموقف الذي يركن إلى أيديولوجية تعتمد على المســــلمات في شتم اليهود وإبراز مساوئهم، عن موقف الرفض لفكرة البحث في الانتماء اليهودي من موقع انفتاحي مع الآخر. لا يذعن البازعي في بحثه هذا للمــــفاهيم القبلية في التفكير، مع أنه يقول باســــتحالة التخلي الكامل عنها، وإلا سيكون البديل، في رأيه، الاستــــسلام لمعرفة هلامية تؤخر ولا تقدم، أو تضر من دون أن تنفع. ويتوقف عند اثنين من المثقفين اليهود، هما: فالتر بنيامين وتيودور أدورنو، ليس لأهميتهما فحسب، إنما لأنهما لفتا نظر المؤلف «من زواية الانتماء الفكري الثقافي إلى ســـــياق قاص، هو الـــــسياق اليهودي، ضمن الســــياق الأوروبي- الغربي. والوقوف على السياق اليهـــــودي، ودراسة الفكر من هذه الزاوية، هو في الوقت نفسه دراسة للسياق الثقافي - الاجتماعي الذي ينــــتمي إليه ذلك الفكر، وأن عكس ذلك «يعني ضرب سياج شكلاني تجريدي حول الفكر وعزلته عن متغيرات السياق الثقافي- الاجتماعي».

ويعود في الفصل الخامس، إلى النظرية النقدية الغربية ومشكلات التفاعل العربي، وهو موضوع يبدو أنه أثير لدى البازعي، إذ سبق أن عالجه في كتاب بكامله في عنوان «استقبال الآخر... الغرب في النقد العربي الحديث». ولا يفتأ يعود إليه بين دراسة وأخرى، في تناول لنماذج مختلفة تعبر، بحسب رأيه، عن «فهم عربي» تعكسه ممارسات نقدية لا تتكئ على «أرضية صلبة في المثاقفة النقدية، فتجهل خلفيات المفاهيم».

يأتي وصفه لفهم العرب للنظرية النقدية، بأنه مشكلة عربية، في سياق محاولاته لتبين» معالم التحولات في فهم النظريات والفكر الغربي عموماً وتوظيفها في السياق العربي».

ويطرح أن الناقد أو المفكر يظل محكوماً بسياقه الثقافي، الذي يؤثر في تناوله «لما في الثقافات الأخرى، مما يعرضنا لتحوير المفاهيم والأفكار والنظريات». ويناقش في هذا الفصل جهود نقاد ومترجمين، وما تكشف عنه هذه الجهود من فهم خاص لبعض المصطلحات والمفاهيم النقدية، ومن هؤلاء الناقد عبد النبي أصطيف، في كتابه «النقد الأدبي الحديث: مقدمات ـ مداخل ـ نصوص»، والناقد عبدالله الغذامي وكتابه «الخطيئة والتفكير»، كما يتناول ترجمة الناقد فخري صالح لكتاب «النقد والمجتمع».

 

العولمة والهوية والتفاعل الثقافى .. رؤية من شرفة سعد البازعى

عن موقع المحيط     

بيروت:


فى كتابه "شرفات للرؤية؛ العولمة والهوية والتفاعل الثقافي" يجمع سعد البازعي مجموعة من الدراسات والمقالات التي تتمحور حول عدد من القضايا الثقافية والفكرية الملحة في عالمنا، منها: العولمة، الهوية، التفاعل الثقافي العربي/الغربي، التأزم الحضاري، دور المؤسسات الثقافية، أدب المقاومة، الحضور اليهودي.

وذكر موقع النيل والفرات، أن الكتاب يطرح إزاء تلك القضايا رؤية تقوم على حتمية التفاعل الثقافي مع الآخر وضرورة السير فيه عبر رؤية نقدية واعية واستعداد فكري ناضج، انطلاقًا من القناعة الأساسية بأهمية السعي نحو مثاقفة مثمرة تحفظ الهوية الثقافية وتحقق الاستقلال الفكري
.


جاء الكتاب فى 256 صفحة، وصدر عن المركز الثقافي العربي.