إستقبال الآخر

 

محاضرة (استقبال الغرب في النقد الأدبي)

الرياض  الخميس 29 صفر 1424العدد 12732 السنة 38

ضمن نشاطه المنبري أقام نادي الرياض الأدبي محاضرة تحت عنوان "استقبال الغرب في النقد الأدبي" للأستاذ الدكتور سعد البازعي الأستاذ المشارك في قسم اللغة الانجليزية في جامعة الملك سعود.
استفتح المحاضرة مديرها الدكتور عزت خطاب الذي نوه بالمحاضر (طالب الأمس وزميل اليوم) ذاكراً ان شهادة في حق الدكتور سعد شهادة مجروحة وتحدث عن مشروع البازعي النقدي الذي لم يعلن عنه غير ان المشروع يعلن عن نفسه من خلال محاضراته وندواته مسترسلاً في التنويه بالبازعي ومشاركاته الفاعلة في الحركة الثقافية.
كما أشار إلى بعض كتبه التي تبوأت موقعها المهم مثل (إحالات القصيدة) و(دليل الناقد الأدبي) واشتغاله واهتمامه بالعلاقة بين الثقافتين العربية والغربية الذي هو حديث الساعة ثم دعا المحاضر إلى طرح ورقته.
أشار د.سعد ابتداء إلى محاولته لتأمل المشهد النقدي العربي وهو يتفاعل مع المؤثرات العالمية أو الغربية لأنه لا يؤثر في العالم مثل الغرب الآن ذاكراً ان الموضوع هو جزء من مشروع بحثي سبق أن كتب فيه وحاضر وكان يعمل فيه كمشروع تفرغ.
وأوضح د. سعد السبب لاختياره كلمة (الأدبي) لأن دائرة التأمل في هذه الورقة تتجاوز النقد الأدبي العربي لتطرح نماذج من ردود فعل نقدية خارج العالم العربي والغربي.
تحدث بعدها الدكتور سعد عن لقاء أجري مع الناقد المصري لويس عوض قبيل وفاته حيث سئل عن حكمه عن نشاطه النقدي فأجاب باجابات منها قوله: (أما أنا فكنت أعاني من البلبلة وبطريقة أخرى هي التناقض بين العقاد وسلامة موسى وطه حسين فقد تواجد الثلاثة معاً وقد أحطتهم بدرجة عالية من التقدير.. هكذا وجدتني حيناً رومانسياً أترجم شلي وحيناً عقلانياً ديكارتياً وحيناً يسارياً أوروبياً من القرن الماضي) وعلق د.سعد قائلاً: (ان ما يلفت النظر هنا هو ليس تأرجح لويس عوض وبلبلته بين ثلاثة كتّاب عرب وثلاثة توجهات عربية وإنما ثلاثة توجهات تنتمي في الحقيقة إلى غير العرب) ذاكراً أيضاً الكتاب العرب أنفسهم إما من خلفية رومانسية انجليزية مثل العقاد أو عقلانية فرنسية مثل طه حسين أو يسارية أوروبية ماركسية مثل سلامة موسى ليلتقي الجمع عند خلفية أوروبية واحدة هي الخلفية الأوروبية الغربية التي تجمع الرومانسي والعقلاني واليساري ثم أضاف د.سعد (انها الصورة البارزة للثقافة العربية منذ القرن التاسع عشر وليس عوض سوى واحد من مثقفينا ونقاد كثر عاشوا البلبلة نفسها ومازالوا وتلك البلبلة هي قصة الثقافة العربية المعاصرة في مواجهتها للمعطى الثقافي الغربي بفلسفاته وع
لومه وما يتداخل مع تلك الفلسفات والعلوم ويصدر عنها من تيارات ونظرياته ومفاهيم وأفكار وهي ضمن ذلك قصة النقد الأدبي العربي إذ ينتظم في سلك الثقافة يحمل سماتها ويعبر عن طموحاتها ويواجه مآزقها في الآن نفسه ونحن هنا في محاولة للوقوف على هذه الجوانب.
وذكر د.سعد ان بؤرة البحث والتحليل الممكنة في حيز كهذا لا تتسع لكل هذه الصورة الضخمة إذ تتصل بالثقافة العربية وثمة مسألة محددة تشغل هذا البحث ويمكن صياغتها في شكل أطروحة تقوم على النقاط التالية:
1) ان واقع النقد العربي الحديث ليس في نهاية المطاف سوى جزء من واقع الثقافة العربية بشكل عام.
2) ان النقد العربي الحديث حقق الكثير من الانجازات عبر علاقته الطويلة بالنقد الغربي ولكن أيضاً واجهه من المآزق والاخفاق ما قد يفوق ما واجهه وحققه من النجاح.
3) ان قراءة النقد العربي الحديث يتضمن تأملاً في مشكلات المثاقفة مع الآخر من حيث تعد تلك المثاقفة اشكالية كبرى لثقافات أخرى كثيرة في أنحاء العالم المختلفة وليس العالم العربي فقط مؤكداً ان العنوان الذي تحمله هذه الملاحظات يحاول اختزال الاشكالية من حيث هو أيضاً يتضمن الأطروحة الأساسية فاستقبال الآخر أو استقبال الغرب يتضمن دلالتين.. احداهما الدلالة الاصطلاحية الشائعة في الدراسات النقدية المقارنة بوجه خاص أي كيفية تلقي فكر أو أعمال أدبية أو تيار أو غيره مما ينتمي إلى ثقافة ما من قبل ثقافة أخرى كما في قولنا (استقبال شكسبير في الأدب العربي) أي كيف تأثر الكتّاب العرب بشكسبير أما الدلالة الأخرى والتي تعبّر عن جانب أكثر اشكالية ومن ثم إشارة للاختلاف فهي التي تشير إلى الاستقبال بالمعنى الفقهي أي اتخاذ الجهة قبله بما يتضمنه ذلك من تقديس واضفاء هالة من الاحترام والاعجاب والمقصود هنا ان موقف كثير من النقاد العرب إزاء الثقافة الغربية لم يخرج عن ذلك الاعجاب بأوروبا الذي عبّر عنه بعض الرواد بعصر النهضة مما يعرفون بالتنويريين مثل طه حسين في كتابه (الشعر الجاهلي) ومثال آخر في قول عبدالله العروي (لكي يتجاوز العرب شتاتهم الفكري و
الثقافي لابد له من اللجوء إلى نظام فكري متكامل يجمع بين الأقسام المعتمدة والماركسية - على حد قوله - هي ذلك النظام المنشود الذي يزودنا بمنطق العالم الحديث) وعلق د.سعد بأن حتمية الاتجاه للغرب هو ما يكاد لا يختلف عليه أحد وهو ما يحقق الاستقبال بالمعنى الأول فالغرب حاضر في ثقافتنا وسيظل حاضراً لأمد قد يطول لكن أن يكون ذلك الحضور غير مقلق ومصدر القلق ناتج عن الاحساس بأن ما يقدمه الآخر ينطوي على جانبين الأول: ان استقبال الآخر كثيراً ما يتحول إلى نوع من الاستهلاك أو التهالك والذي يؤدي إلى ظهور القدرة على الابداع نتيجة على جاهزية المعطى الغربي والثاني هو أن ما يمكن استقباله من الآخر يتضمن ما يوجب الرفض وما يوجب القبول في الوقت ذاته.
وعرض بعدها لمقولة الباحث كمال عبداللطيف في تحليله لتاريخ المثاقفة قال: (فمن المعروف ان زمن المثاقفة الحاصلة في العالم العربي منذ منتصف القرن الماضي وإلى يومنا هذا اتسم بطغيان الهيمنة الغربية في مختلف مجالات الوجود المجتمعي) كما عرض كذلك لمقولة السيد الحسيني وبحث الأمريكي ميلر حول النظرية وعلق على مقولة الناقد الأمريكي والدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن) حيث يقول هلال: (ولم يعرف الأدب العربي القديم المسرحيات وإذا ظل محصوراً في نطاق الشعر الغنائي وأدب الرسائل والخطب وعلى الرغم من معرفة العرب آثار اليونانيين الفكرية وترجمتهم أرسطو فإنهم لم يحاولوا احتذاء اليونانيين في التمثل..) وعلق د.سعد على هذا بطرح بحث آندرج الذي وقف متعجباً ازاء هذه الظاهرة في الآداب الآسيوية.
وتحدث د.سعد عن النظرية عند جابرعصفور حيث عرضها عصفور (انها تركيب فكري شامل يقوم على التجريد والتعميم ويهدف إلى تفسير أكثر عدد ممكن من الظواهر في مجال بعينه بعيداً عن المعنى الضيق لزمان النشأة ومكانه) واسترسل المحاضر في تناول أطروحات عصفور في هذا الشأن وعلق على هذه الأطروحات ثم عرض د.سعد لشاهد آخر وهو الكاتب الياباني (كينز) الفائز بجائزة نوبل الذي ذكر أن المشهد الفكري الياباني أسير منذ عقود ولم يؤسس نظريته الخاصة به وكذلك شهادة الهندي (اعجاز أحمد) الذي أتهم الآسيويين الذين ساهموا في تشكيل النقد العربي مثل ادوارد سعيد وأورد المحاضر نقداً لمفهوم العلم وان الناقد العربي لازال مسكوناً بهاج العالمية متناولاً بعض أطروحات صلاح فضل وكمال أبوديب وقام بتحليل ما طرحه الناقدان وختم المحاضر بعرض بعض النماذج المميزة المعنية كاحسان عباس وشكري عياد.
وبعد انتهاء المحاضرة فتح باب المداخلات وكان أول المداخلين الدكتور منصور الحازمي الذي ذكر اننا نفتقر إلى مشروع كهذا وذكر د.منصور تجربته في سيئول قبل عشرين عاماً وكانت عن النقد العالمي وتمنى ان تكون عربية حاملاً على النقاد المستغربين بأنهم شلليون لذا فنحن نفتقر للموضوعية في النقد وموقف يتأمل الواقع المحلي والعربي.
والمداخل الثاني هو الناقد حسين الواد الذي قال ان هذه المحاضرة أعادتني إلى الوراء عشرين عاماً حيث عشنا معركة المناهج ذاكراً في مداخلته أن النص هو الذي يستدعي المنهج وليس المنهج هو الذي يستدعي النص.
وأكد الدراسة لابد أن تعطى قيمة للمدروس وإذا حدث العكس فإن المنهج يستعمل استعمالاً خاطئاً والمداخل الثالث الدكتور بشير العيسوي وناقش ردا لإحسان عباس في كتابه (تاريخ النقد الأدبي عند العرب) على مآخذ غنيمي هلال لعدم وجود أجناس أدبية كالمسرح والقصة القصيرة والمأساة والكوميديا.. فقد تغافل هلال عن مركزية الثقافة العربية حيث ذكر ان بيتاً عربياً من الشعر ليغني عن ملحمة كما نقد تعريف النقد حسب نظرية جابر عصفور الذي يتنافى مع التجربة الإنسانية ككل والمداخل الرابع هو الناقد محمد عقدة الذي أثار بعض الاشكالات النقدية منها نقده للنقاد العرب التقليديين انهم ينظرون إلى مشاريع النقاد الغربيين على أنها لم تأت  بجديد فكل  شيء في تراثنا على نحو تطويعي مخل معطوب ومن بين هؤلاء النقاد الدكتور حمودة وآخر المداخلين هو الدكتور يحيى أبوالخير الذي تمنى على الدكتور سعد أن يتبنى النظرية الإنسانية الأدبية بالدراسة والتمحيص  لأننا عندنا مشكلة في التعددية الهائلة في الطرح التنظيري والداخل بين التصور والفرضية والنظرية وختمت المحاضرة بتعليقات أخيرة للدكتور البازعي.

 

استقبال الآخر
(
الغرب في النظرية النقدية
العربية)2-2

الجزيرة الأثنين 14 ,رمضان 1426

سعود السويدا

)يهودية ديريدا(
يحاول البازعي أن يربط بين النظرية النقدية الغربية والثقافة الغربية بكافة أشكالها، وخصوصاً في الجانب الفلسفي منها. وهنا لن يختلف أحد مع الدكتور سعد؛ فالنظرية النقدية الغربية هي ابنة الثقافة والفكر الأوروبي والأمريكي، لكن البازعي لا يتوقف هنا، بل يذهب حدَّ التأكيد بإصرار، كمن وقعت يده على شيء ثمين، مثلاً على يهودية ديريدا! إضافة بالطبع إلى يهودية لوكاتش وغولدمان.
هنا يصبح السؤال الأساسي كالتالي: إلى أي حدٍّ كانت يهودية ديريدا جوهرية في تشكيل أفكاره ونقده للتراث الفلسفي الميتافيزيقي الغربي؟ هنا يلجأ البازعي إلى بعض الكتاب الغربيين الأكاديميين لتعزيز (قراءته) لديريدا، دون أن ينتبه البازعي إلى أنه، هنا أيضاً، يقع في خانة الاستقبال لتقييم الآخر لمنتجاته، ويقوم باستخدام النتائج التي توصل إليها الآخر لحساب إثبات وجهة نظره! لكن لنتابع السؤال: بأي معنى كانت يهودية ديريدا مؤثرة في إنتاجه وفكره؟ هناك إجابتان عن هذا السؤال: أن تؤثر ديانة كاتب في فكره وإنتاجه يمكن أن يعني ذلك أن أفكاره كانت خاضعة للأفق الفلسفي والفكري وحتى العقائدي الذي تمليه هذه الديانة. ولا أظن البازعي يرمي إلى شيء من هذا القبيل، وإن كان لا ينفيه؛ مما يترك للقارئ (على الأقل غير المتآلف مع النظرية النقدية الحديثة) إمكانية الخروج بنتائج من هذا النوع. والإمكانية الأخرى هي أن تكون ديانة المؤلف كمكون وعي تاريخي وثقافي فردي يشبه المكان الذي ولدت ونشأت فيه مؤثرة في مجمل رؤيته الفكرية، وهذا يخرج بنا إلى نتائج من قبيل تحصيل الحاصل. لكن في حالة ديريدا: من المعروف، والبازعي يلمح إلى ذلك دون تفصيل، أن ديريدا ولد لأسرة يهودية في الجزائر، فعاش شعور الهامش المرتبط بالأقلية، ثم عاش في فرنسا كمهاجر، ومنتهياً في الهامش أيضاً. فيكون من المعقول أن نستنتج عنايته كمفكر بالهوامش (لنتذكر كتابه على هامش الفلسفة)، وإصراره على البقاء في الهامش من خلال عدم طرح نظرية، وانتباهه للمغفل والمسكوت عنه والمقموع في الثنائيات الميتافيزيقية التي أثقلت الفكر الفلسفي وما إلى ذلك. كان يمكن تجاوز هذه النقطة، كهفوة بسيطة في كتاب مهم يرصد التحولات التي تمر بها النظرية الغربية أثناء مرورها إلى أفقنا الثقافي العربي، لكنه كتاب حرص البازعي على انضباطه المنهجي، وحرص على ألاَّ تمر بضع صفحات دون أن يؤكد على يهودية أي مفكر غربي يأتي ذكره. حتى إنك تتساءل: ما الذي كان يفعله المناضلون العرب طوال خمسين عاماً بأفكار ماركس اليهودي؟! وما يفعله علماء النفس بالتحليل النفسي لفرويد اليهودي؟ وعلماء الفيزياء بنظريات أينشتين اليهودي؟!
(
تقويض أم تفكيك!!)
يتوقف البازعي طويلاً عند مصطلح (ديكونستركشن)، ويناقش لماذا تعد ترجمته إلى التفكيكية مضللة، مستعيناً على ذلك بشرحه هو والدكتور ميجان الرويلي باقتراحهما مصطلح التقويضية كبديل أكثر دقة، ثم يحدِّد الأخطاء التي لازمت المصطلح على يد الغذامي الذي دعاه بالتشريحية. والأمر يشبه قليلاً ما حدث مع منهج لوسيان غولدمان؛ إذ صارت البنيويةُ التكوينيةُ البنيويةَ التوليديةَ والهيكليةَ التوليديةَ. ويحلِّل بعد ذلك النوايا التي تختبئ خلف اختيارات أي مترجم أو ناقد لهذا المصطلح أو ذاك، من منطلق كونها غير بريئة في الغالب؛ إذ يمكن أن تنطوي على تشويه للمنهج أو النظرية ليتلاءم واحتياجات وبيئة الناقد، كما هو الحال مع الغذامي. ويمكن لنا أن نضيف أمثلة كثيرة، فمثلاً يصرُّ العروي في كتابه عن الإيديولوجيا على تسميتها بالأُدلوجة على وزن أُفعولة العربي التصريف، ويقدم خليل أحمد خليل ترجمته لمجموعة من المقالات الفلسفية المعاصرة بترجمات مبتكرة وعجيبة، فالاحتدامي يحل بدل الدرامي، والفكروية مكان الأيديولوجية، والظهورية مكان الظاهرية، والوضعانية مقابل الوضعية، والمعلومية للإبستمولوجيا، ثم يقول على غلاف الكتاب: (في زمن فلسفة العلم آن للفلسفة العربية أن تحاور الفلسفات العالمية المعاصرة من موقع قوي لغةً واصطلاحاً وتدقيقاً ونقداً!).
من الواضح هنا أن هؤلاء الكتاب يحاولون إعطاء مذاق عربي لمصطلحات فلسفية مجتلبة وعريقة التمركز في الحضارة الغربية، لكن اختياراتهم، عدا كونها تنبو عن الذوق العام وتستثقلها الأذن، هي في الواقع مجرد قفزات في الهواء!! بل يمكن النظر إليها من زاوية التعويض النفسي، فإذا كنت غير قادر على الابتكار فلا حول إلا المصطلح، والأمر يشبه أن تسمي اللمبة بالمصباح، والفاكس بالناسوخ، والساتلايت بالساتل؛ لكي تعوِّض عقدة النقص الحضاري في عدم إسهامك في إنتاج التقنية ووقوفك في خانة المستهلك.
والبازعي يدرك صعوبة ومغامرة الإصرار على ترجمة ما مهما كان متحمساً لها؛ لأن الأهم لديه هو التداول والفهم لكتابه، ولذا يرفق مصطلحه الخاص بالتفكيكية مصحوباً باقتراحه (التقويض)؛ ليترك المصطلح يجرِّب حظه في الأفق الثقافي العام. هذه المرونة الذوقية والانتباه للمحيط الثقافي هي مما يميِّز طروحات الدكتور البازعي عموماً.
(
ماذا عن الأدب؟)
يخرج البازعي من بحثه بنتائج غير بدهية، مثل تلك التي أشرتُ إليها أعلاه، إلا أن هناك بدهية غابت عن الكتاب، وهي أن النظرية النقدية مرتبطة بصورة وثيقة وتكوينية بالإنتاج الأدبي أساساً. والبازعي كقارئ مخضرم للنصوص الأدبية العربية يعرف أنها كنتاج أدبي كانت دائماً، وفي نماذجها الأفضل، محاكاة لأشكال أدبية غربية في الأساس، في الرواية والشعر منذ التفعيلة وحتى قصيدة النثر!
أين يتركنا ذلك؟ يتركنا مع المقامة السردية والقصيدة العمودية كأشكال مثبتة الأصالة! أم ينبغي على الكاتب الحديث الاشتغال على مقامة مطورة، ومع قصيدة عمودية تتعامل مع جماليات العصر!
(
مناظرة السيرافي وأبي بشر متى)
يكرر البازعي الاستشهاد بأبي سعيد السيرافي في مناظرته الشهيرة مع أبي بشر متى المنطقي التي رواها أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة. ولعل البازعي يستشهد به باعتباره موقفاً من التراث يعبر عن الأصالة والنقدية تجاه تأثير الفكر اليوناني قديماً. إلا أن الاستشهاد بتلك المناظرة إشكالي في أحسن الأحوال، فمن حيث الدقة التوثيقية يمكن التشكيك في رواية أبي حيان، وخصوصاً حين يسبق وصفه للمناظرة بوصفة لمتى كالتالي: (إن متى كان يملي ورقة بدرهم مقتدري وهو سكران لا يعقل، ويتهكم وعنده أنه في ربح وهو من الأخسرين أعمالاً، الأسفلين أحوالاً). ويختم المناظرة بوصفه لأبي سعيد بأنه (أجمع لشمل العلم، وأنظم لمذاهب العرب، وأدخل في كل باب، وأخرج من كل طريق، وألزم للجادة الوسطى في الدين والخلق، وأروى في الحديث، وأفقه في الفتوى). لكن لنفترض، جدلاً، توفر الدقة والحياد في وصف التوحيدي للمناظرة التي طلب فيها الوزير ابن الفرات من جلاَّسه، ومعظمهم من النحاة العرب، إفحام متى والرد عليه (ومناظرته وكسر ما يذهب إليه، وإني لأعدكم في العلم بحاراً، وللدين وأهله أنصاراً)؛ مما يجعل الأمر أشبه بمباراة تجري في ملعب الخصم. وتبدأ المناظرة بطلب السيرافي من متى أن يعرِّف المنطق، ثم يبدأ في تسقُّط أخطائه اللغوية، (قال: نعم، قال: أخطأتَ، قل في هذا الموضع: بلى..) إلى آخر المناظرة المعروفة.
ومن الواضح أن تكتيك السيرافي كان أن يجر متى إلى منطقته: اللغة والنحو، باعتبارها لعبته التي يجيدها، وهو ما يحدث، فيفحمه - كما يخبرنا أبو حيان - السيرافي حتى (بلح وجنح وغص بريقه)، حتى يختتم الوزير تلك المناظرة: (عين الله عليك أيها الشيخ، فقد نديت أكباداً وأقررت عيوناً وبيَّضت وجوهاً)، ويعلن انتصار النحو العربي على المنطق اليوناني.
ما أودُّ قوله في وصف سياق الاستشهادات التي أوردها البازعي أن أبين إشكاليتها مقابل تقديمها كموقف نقدي نقي من التراث يمثل الأصالة، فالإسقاط هنا لا يحل المشكلة بل يعمقها؛ إذ يجعلها تبدو قديمة قدم القرن الرابع الهجري على الأقل.
والمنطق الأرسطاليسي الذي يمثله أبو بشر متى ويهاجمه السيرافي من موقع اللغة هو المنطق الذي ساد الفلسفة عبر قرونها الوسطى ووصولاً إلى نهايات القرن التاسع عشر، وطبَّقه فلاسفة الإسلام منذ الكندي حتى ابن رشد. ولعل من المفارقات الدالة أن يكون تحصُّن السيرافي باللغة شبيهاً بتحصُّن شكري عياد بها. والأمر يشبه أن ترفض ممثلي النظرية الغربية النقدية بحجة أنهم يجهلون أحكام الجزم والنصب في اللغة العربية.
(
المسكوت عنه)
توحي المقدمة بأن البازعي كان يتوقع لكتابه أن يثير الكثير من الضجيج والاحتجاج على الرؤية التي يطرحها عن وضع النقد العربي، (يقدم هذا الكتاب صورة للنقد العربي الحديث لا أخالها ستعجب الكثيرين من المشتغلين في هذا الحقل). لكن ذلك لم يحدث، على حدِّ علمي، ولا أتوقع له أن يحدث. السبب أن كثيرين يشاركون البازعي رأيه على الأقل في عمومياته، وهو ما يجعل منطلقاته بدهية أكثر مما يجب.
إن النقد العربي ما زال في حيز الاستهلاك، ولم يساهم بدوره لا في التجديد في النظرية الغربية ولا في وصل ما انقطع منذ الجرجاني والقرطاجني عبر صياغة نظرية عربية ذات خصوصية وأصالة، إلا في استثناءات قليلة وإشكالية بالطبع، لن تفلح - إن ثبتت - إلا في تأكيد القاعدة. السؤال: ما الذي يمكن قوله عن النقد الأدبي مما لا ينطبق على بقية العلوم الإنسانية: الفلسفة، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس.. إلخ؟ بل يبالغ البعض ويرى الأمر ينطبق على الأدب العربي ذاته.
ثمة لدى البازعي شعور بوجود أزمة في النقد العربي الحديث، وهو ما يشاركه فيه الكثيرون، ولا يكادون يتعبون من ترديده في الواقع. لكن البازعي، في رأيي، ينحو باتجاه السؤال الأسهل؛ إذ يسأل: ما الذي حدث وما الذي يحدث في المشهد النقدي العربي؟ وهو سؤال ينتهي بنا إلى إجابات شبه مجمع عليها عن خطأ الانبهار والاستعجال ووهم الأسبقية واللانقدية.. إلخ، وهو ما ينتهي بالبازعي في حدود التوصيف والذي يجب والذي لا يجب دون محاولة استكشاف عميقة للسؤال الأصعب، وهو: لماذا؟ لماذا بقي النقد العربي في خانة الاستقبال والترويج؟ لماذا كان مصيره على يد معظم رواده ومحترفيه أن ينتهي إما مشوهاً وإما مختلطاً وإما في أحسن الأحوال منقولاً فقط مستورداً من المصنع الفكري الغربي؟ إن الخطو في اتجاه هذا السؤال هو ما ينطوي على مخاطرة، تشبه السير في حقل ألغام، هو الذي تفاداه شكري عياد على ما يبدو وتحصَّن وراء اللغة والتراث. يقول شكري عياد: (لا بدَّ من الاعتراف بأن الفكر النقدي يكاد يكون معدوماً في عالمنا العربي(
ربما كان هذا الاعتراف هو ما يحتفي به البازعي لدى عياد ويقدمه بشيء من التفصيل في هذا الكتاب
.

 

أحمد المعيني
01-07-2004  من موقع "سبلة العرب" العماني

انتهيت للتو من قراة كتاب بعنوان "استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث" للدكتور السعودي سعد البازعي.

يناقش الكتاب أهم النظريات الغربية في النقد الأدبي وكيفية استقبال البيئة الثقافية العربية لها. الكتاب عميق ويلزم لمن يقرؤه أن يلم بأهم النظريات النقدية، إلا أن الكاتب يحاول التبسيط والتعريف كلما لزم الأمر.
شدني العنوان كثيراً وخصوصا في استخدام كلمة "استقبال" حيث يضرب بها عصفورين بحجر واحد، حين يقصد استقبال العرب للنظريات النقدية الغربية بمعنى التلقي، والاستقبال بمعنى اتخاذ الشيء قبلة، أو التوجه إليه، وهذه حال المجتمع الأدبي العربي في تبنيه للنظريات النقدية الغربية دونما تمحيص وتكييف أو حتى نظر في الأصول الفلسفية لتلك النظريات.

سعد البازعي باحثاً عن «الآخر»  في النقد الحديث

الحياة 2005/02/14

بغداد - ماجد السامرائي


إذا كانت الدراسات التي وضعها باحثون عرب في خلال القرن الماضي توجهت إلى دراسة النقد الأدبي العربي في القديم، فإن ممارسة الناقد العربي الحديث عمله لما يقرب من قرن من الزمن هي اليوم في حاجة إلى "مراجعة نقدية" يمكن أن نتبيّن منها طبيعة عمل هذا الناقد وما قدمه في مجالات عمله النقدي، والقيم الفكرية والفنية التي أرساها في عمله هذا. فهناك - كما يرى الباحث سعد البازعي في كتابه: "استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث" (المركز الثقافي العربي - بيروت2004) - "تحديات" عدة واجهت هذا النقد، و"مشكلات" نجمت عن الممارسات النقدية للناقد، أو كانت احدى نتائج علاقته بالآخر- الغربي... وهي - كما يراها البازعي - تمثل "عثرات" لهذا النقد يجدها، بالمقارنة، "أكبر وأكثر من المنجزات" التي حققها، آخذاً على جانب كبير من هذا النقد، كما "تمثل في بعض أشهر أقطابه يقوم على الكثير من التهالك على النظريات والمناهج الغربية والاستعجال في تمثلها"، مما ولّد ضرباً من البلبلة والاضطراب لدى غير ناقد من النقاد العرب المعاصرين... بل يجد ان هذه البلبلة وهذا الاضطراب قد تجاوزا حال النقد بمفرده ليكونا، "إلى حد كبير من سمات الثقافة العربية المعاصرة في مواجهتها للمعطى الثقافي الغربي بفلسفاته وعلومه وما يتداخل بتلك الفلسفات والعلوم ويصدر عنها من تيارات ونظريات ومفاهيم وأفكار"، وهو ما أعرب عنه ناقد ومثقف عصري مثل طه حسين في كتابه: "في الشعر الجاهلي" (1926) مشيراً إلى "ان عقليتنا قد أخذت منذ عشرات السنين تتغير وتصبح غربية، أو قل أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية".

وفي حين يجد البازعي أن "ثقافة الآخر" تنسلخ عن "ارتباطاتها"، حتى في المعرفة والممارسة النقدية، من ناحية، وبانتماء تلك المعرفة إلى العلم المنضبط والموضوعي، من ناحية أخرى"، متبيناً من هذا ان من بين نقادنا من وقف وقفة صريحة أمام ما اعتور عمله من مشكلات وضعف، في حين كان هناك من غفل عنها، أو تغافل، أو كاد، رافضاً القول بوقوعه فيها حين أشار سواه إلى ذلك... في حين كان هناك طرف ثالث في المعادلة يتمثل في ما وجده "زكي نجيب محمود" الذي تساءل عن الكيفية التي يمكن أن نوائم فيها "بين ذلك الفكر الوافد الذي بغيره يفلت منا عصرنا أو نفلت منه، وبين تراثنا الذي بغيره تفلت منا عروبتنا او نقلت منها؟".

إلا ان المسألة، في جوهرها، تتمثل في ما يرى فيه غير ناقد ممن عرض الباحث لفكرهم النقدي، موقفاً "إزاء ذلك التأثير الغربي"، إذ ان "المشكلة – بالنسبة إليهم - تتركز في مدى الدقة والوضوح في الافادة من المناهج الغربية وما يتصل بها، وليس في تكييفها وممارسة دور أكثر وعياً بالواقع الثقافي والابداعي الذي تطبق عليه".

وعلى رغم ما يجده المؤلف من توافق مع بعض "الحلول" المطروحة عبر نقاد عرب معاصرين بعينهم، فإنه يشدّد على ما يسميه "الاختلاف الأكثر جذرية" والمتمثل في "تباين الرؤية الحضارية التي تنعكس على العلوم نفسها".

ويتخذ المؤلف في دراسته هذه منهج العرض النقدي - التاريخي في ما يتصل بالنقد الغربي، فيرى من خلال البحث في "خصوصية السياق" الذي اتخذ هذا النقد، متتبعاً تطور مناهجه تتبعاً تاريخياً ونقدياً، فيجد هذا النقد، في تطوره الخطي - التراكمي، قد أنجز نظريات ومناهج نقدية كانت وراء تحريكها وبلورة معطياتها الاجرائية، اتجاهات وتوجهات أبعد من نقدية... تعود أساساً إلى جذور التكوين الديني (كاليهودية، التي وجدها عاملاً محركاً لكثير من الاتجاهات النقدية الحديثة والتي لا تزال بحاجة إلى دراسات استقصائية تأخذ بالعلوم الأخرى، كالانثروبولويجة والسوسيولوجية، للكشف عن عناصر تكوينها وعوامل دفعها).

تاريخية الاستقبال

فإذا جاء إلى "النقد العربي" - وهو الموضوع الاساس للكتاب - فإن المؤلف سيتابع فيه "تأريخية" الاستقبال للنقد الغربي، أفكاراً ومناهج، محاولاً الكشف عما كان لها من تأثير مباشر في هذا النقد، فإذا كانت البداية التي اختارها للتأريخ لذلك هي "المرحلة الاحيائية" في القرن التاسع عشر، فإنه يجد أن هناك "تأثيرات غربية كثيرة أدت إلى الانعطاف بالتناول النقدي، فكراً وتذوقاً وتحليلاً"، واضعة إياه "في مسارات جديدة". إلا ان هذه التأثيرات، بحسب رؤيته لها، ظلت "رهن العامل الآخر والكبير والأساس في انبعاث الثقافة العربية المعاصرة"، وهو ما يشكله "التراث العربي الاسلامي"، ليظل التيار النقدي الأدبي الذي ساد تلك المرحلة مشدوداً إلى قطبي جذب أساسين: فمن جانب هناك الحنين "إلى الموروث وما يتضمنه من محافظة على الهوية"... ومن جانب آخر هناك "الحداثة الغربية وما يلوح فيها من تغيير ومواكبة"، وهي مرحلة بقدر ما قدمت من منجزات نقدية فإنها أثارت مشكلات أيضاً...

إلا انها، في الوقت ذاته، وضعت النقد الأدبي - كما يرى الباحث - على أعتاب مرحلة جديدة تمثل - بحسب رأيه - تطوراً آخر يجده "في غاية الأهمية ضمن التفاعل النقدي بين العرب والثقافة الغربية" بما سيكون للمرحلة من "تخصص" قرضه الأكاديميون الذين درسوا في أوروبا، فضلاً عن "ظهور دور النشر والصحافة الثقافية المتخصصة"، لينتقل النقد الأدبي، بفعل هذين العاملين الرئيسين، "إلى مرحلة أكثر منهجية وحداثة" يجد الباحث فيها مرحلة تأسيس حقيقي "من حيث بلوغ النقد فيها مرحلة عالية من النضج" عززتها عمليات الترجمة من النقد الغربي التي أفادت منها المرحلة فائدة واضحة - بحسب رأيه - وستبرز في هذه المرحلة "فكرة التقابل بين التراث العربي القديم والثقافة الأوروبية الحديثة"، وسيكون هناك من يرسخ "فكرة الارتباط، بل التماهي، بين مفهوم "الحديث" و"الأوروبي" أو "الغربي" في الثقافة العربية المعاصرة، ليغدو "النقد الحديث" مثل "الفكر الحديث" و"العلم الحديث" لا يحيل على شيء سوى ما ينتجه الغرب من فكر ومناهج ومفاهيم"... حتى لنجد في ما صدر عن طه حسين من دعوة (سواء في كتابه "في الشعر الجاهلي" أو "مستقبل الثقافة في مصر" - 1938) باعثاً على السؤال الذي أثاره المفكر المغربي عبدالله العروي، عما إذا كان ما عمد إليه طه حسين هو "تشكيك العرب في ماضيهم، ومهاجمة إعجابهم الذاتي بتراثهم، لكي يشق الطريق لاصلاحات ليبرالية أجنبية الجوهر، فكانت تستثير، لهذا السبب، حالات مقاومة قوية؟"...وهو ما يجعل الباحث وهو يدرس الفكر النقدي لطه حسين يخلص إلى انه فكر تميّز، في شكل عام، بسمتين، هما: "الاجتزاء، والخروج عن السياق"، واضعاً ذلك "ضمن المسعى البراغماتي المشدود إلى أوروبا في صميم الاستقبال العربي للمذاهب النقدية الغربية ومناهجها ومصطلحاتها"، وهو ما سيكون على نحو أكبر وضوحاً عند ناقد مثل محمد مندور الذي أخذ عن أستاذه طه حسين "الايمان بالثقافة الغربية، وبخاصة الإغريقية والفرنسية".

ومن خلال عرضه أهم ثلاثة تيارات في النقد (هي: الواقعي، والشكلاني، والاسطوري) يقف الباحث موقف من يقرّر حكماً يرى من خلاله "ان العلاقة بين النقاد العرب والنقد الغربي هي إما علاقة واعية، أو غير واعية، لكنها موجودة وفاعلة في الحالين".. مؤكداً، في ضوء ذلك، ان ليست "ثمة ممارسة نقدية عربية جادة تستطيع أن تدعي وقوعها خارج سياق التأثير الغربي أو التفاعل معه على نحو من الأنحاء، وانما الفارق بين ناقد وآخر، وبين تيار وتيار، هو في الموقف المتخذ أو كيفية التفاعل".

حتى إذا انتقل إلى "استقبال البنيوية" في النقد العربي جاء عرضه أوضح نقدياً، وأكثر تبلوراً من حيث النظرة منه في الفصول السابقة. فهو يصنف المواقف من البنيوية صنفين، يضع الصنف الاول تحت عنوان "مواقف نقدية"، بينما يصنّف الآخر تحت عنوان "مقالات شارحة"، وبين فريقي الصنفين يجد وجهات النظر مختلفة... فهناك من يرى في البنيوية "فكراً فلسفياً يعود بجذوره إلى الأنساق القبلية في الفلسفة الكانطية، ويبدو في تمظهرات معاصرة عند فلاسفة وانثروبولوجيين"، يذكرهم في هذا السياق (فؤاد زكريا)، بينما يذهب آخرون إلى البحث في "علاقة البنيوية بما سبقها من توجهات، خصوصاً النقد الجديد في أميركا" (شكري عياد). هذا في جانب... وفي الجانب الآخر هناك النقد الذي وجهه بعض النقاد العرب إلى البنيوية ومنهجها، ومن هذا النقد ما يرى انها جاءت تعبيراً "عن تناقض في الحضارة التي تبحث عنها".

وتتعدد الآراء في هذا الصدد بتعدد أسماء أصحابها، وان امتازت كلها "بدقة التتبع لبعض وجوه التحليل البنيوي عند بعض أعلام البنيوية".

وإذا كانت "البنيوية" لا تمثل اتجاهاً واحداً، فإن منحاها الشكلاني في النقد العربي يتمثل، أكثر ما يتمثل في كتابات "كمال أبو ديب" الذي يجده في منحاه النقدي يوهم قارئه بتقديم "عناصر منهج جديد"، في حين انه لا يقدم - من خلال استقراء ما جاء به - أكثر من "خلطة بمقادير طريفة ومملوءة بالدلالة على طبيعة المشكلة" التي يجد آخرين، إلى جانب "أبو ديب"، يعانون منها، كما "تعاني منها مساحة واسعة من الخطاب النقدي العربي المعاصر"، الأمر الذي دفع ناقداً مثل محمود أمين العالم إلى القول إن "البنيوية في ممارساتها العربية لا تستند إلى أسسها وجذورها الابستيمولوجية التي نشأت عليها في أوروبا"، بل يجد ان "استخدامها العربي" لا ينظر إليها بصفتها "نظرية"، وانما يأخذها "كمناهج وعمليات اجرائية...".

أما "البنيوية التكوينية" فقد تكون أوضح دلالة وأكثر منهجية في النقد العربي، إذ وجد هذا "المنهج" تطبيقات متنوعة ساعدت عليها ثقافة متصلة بالأصول الفعلية للنظرية، ساهمت في على ذلك - من خلال الالتقاء مع منهجها التكويني- تكوينات فكرية وثقافية لدى عدد من النقاد العرب. وإن اقتصرت الدراسة على عرض "نموذجها الغربي"، فإن هناك تطبيقات أخرى لا تقل أهمية ووعياً بالنظرية.

فإذا جاء إلى الفصل - الختام، وهو عن الناقد "شكري عياد: من الاستقبال إلى التأصيل"، سنجد "الطابع الاحتفائي" واضحاً في هذا الفصل غاية الوضوح، وكأنه أراد منه تقديم "نموذج" للوعي النقدي العربي بما يتمثل فيه من موقف من الاتجاهات والمناهج النقدية الجديدة، فضلاً عن ابراز دور الوعي الثقافي التكويني لناقد عربي صاغ موقفه النقدي من "الآخر- النقدي الأوروبي" صوغاً قائماً على المعرفة، ومن منطلق معرفي.

وفي الوقت نفسه كان أن بنى منهجه النقدي على ما حقق به دوره في "تجربة التحديث" التي يجده خاضها "بقلق المؤصّل" الذي يرى ان دعوى وجود "حداثة عربية" دعوى زائفة "لأنها لا تزيد على أن تنقل إلينا مفاهيم الحداثة الغربية".

بمثل هذه الرؤية النقدية الجادة، مع كل ما اعتورها من نقص في الإحاطة الشاملة بواقع النقد العربي، يقدم الناقد والباحث سعد البازعي كتابه هذا الذي يدخل به حقل "نقد النقد"... على أمل أن يكون حافزاً للآخرين، باحثين ونقاداً، ان يعمقوا هذا المسار الذي بدأه زميل لهم، فيستدعي منهم "جهد التفكير" بديلاً من مجهود "النقل والتحرير
".

 

ماذا قرأ المثقفون السعوديون خلال العام 2004 ؟
الشرق الأوسط: الاربعـاء 29 ديسمبر 2004 العدد 9528

تحقيق حليمة مظفر:

يرى الناقد السعودي حسين بافقيه أن كتاب الدكتور سعد البازعي «استقبال الآخر» الصادر عن المركز الثقافي العربي من أهم الكتب التي قرأها هذا العام ويقول «إنه رصد دقيق لكيفية تناول النقاد العرب للمناهج النقدية الحديثة وهي في معظمها مناهج نقدية مستوردة من بيئات فكرية واجتماعية وسياسية غربية وقد استطاع أن يقف على هذه المناهج وكيفية تطبيقها في النقد العربي المعاصر وابان عن مجموعة من الثغرات الفكرية التي صاحبت مثل هذه التطبيقات». واشار إلى أن البازعي أدخل مجموعة من التصورات الثقافية لثقافات أخرى غير عربية تقف الموقف نفسه من المناهج الغربية «مثل النقد الياباني، فلديه المشاكل ذاتها، كالموقف من المناهج الجاهزة التي تطبق من دون مراعاة للخصوصية الثقافية والاجتماعية.

الغرب في النقد العربي الحديث واستقبال الآخر 

ناصر أبو عون  الأهرام الدولي ـ ثقافة عربية

مؤلف هذا الكتاب د. سعد البازعي أستاذ الأدب الإنجليزي والنقد المقارن في جامعة الملك سعود بالرياض صدر له من قبل : ( ثقافة الصحراء : دراسات في أدب الجزيرة العربية المعاصر) و( إحالات القصيدة: قراءات في الشعر المعاصر) و       ( مقاربة الآخر: مقارنات أدبية)و( دليل الناقد الأدبي ) بالاشتراك مع ميجان الرويلي

·        بين طه حسين وسيد قطب:

لقد حاول سعد البازعي قراءة تجربة طه حسين النقدية قراءة مقارنة في كيفية فهم وتوظيف المنهج الديكارتي ووجد أن الموقع المتفوق لأوربا كان منطلقا لطه حسين في دعوته المعروفة حول (الانتحال في الشعر الجاهلي) ومحاولة إعادة النظر في صحة هذا الشعر من خلال المنهج الديكارتي وجاء توظيف طه حسين للمنهج الديكارتي غير موفق من حيث أنه مجتزأ وخارج عن السياق .

 

لقد تبنى طه حسين أحد أطوار الشك في الكوجيتو الديكارتي وهو الشك النهجي وحاول اتثماره في مجال الأدب إلى جانب اعتماده على منهجية التمثيل والانعكاس وقاده ذلك إلى الشك في الشعر الجاهلي بوصفه شعرا لا يعكس روح العصر الذي أنتج فيه لكن طه حسين لم يضف مكونا جديدا للكوجيتو بمعنى لم يبدع مفهوما جديدا إنما نقل أحد مكونات المفهوم من حقل معرفي هو الفلسفة إلى حقل معرفي آخر هو الأدب .

وتلك عملية تفرض تفكيك البنى أو البنيات التي يرتبط بها المفهوم وتشييد بنى مختلفة جديدة وهذا وقد أرجع المؤلف هذا إلى تغريب الذات عند طه حسين أو (أوربتها) بالدخول في علمية تكتسب هويتها من خلال الغرب وهذا ينسجم مع دعواه الخصوصية وميتافيزيقا الهوية .

ويندهش سعد البازعي من (الحضور الصامت وغير المحسوس) للنقد الغربي في تركيبة الخطاب النقدي لدى سيد قطب على حساب (تغريب طه حسين الغائم) ويعتبر تجربة سيد قطب شاهدا على وعي مبكر بإشكالية النهج النقدي وبما ينطوي عليه الحضور الغربي من تحديات وفي هذا تشابه بين دعوى المؤلف ودعوى سيد قطب من حيث التأصيل والتجنيس والتوطين وكلاهما يحمل الثقافة الأوروبية .

·        إشكاليات النقد العربي الحديث

يبدأ سعد البازعي كتابه بتقديم صورة تاريخية لأهم المناهج النقدية الحديثة بدءا من الشكلانية على البنيوية ثم الواقعية الماركسية وانتهاء بالتقويض وفي الفصل الثاني الذي خصصه للاستقبال العربي لنظريات النقد الغربي الحديث واهتم بطرح أسئلة كثيرة حول الإشكالية النقدية في ثقافتنا العربية مسكونة بالتوجس من (الاستقبال والتأصيل و الذات والآخر والتبعية والاستقلال الثقافي والتطوير والتقدم ) ويحذر المؤلف من (الآخر الغربي ) البروتستانتي أو اليهودي الذي يحاول التسلل إلى الجسم الثقافي العربي والدخول غليه من باب النظريات والمناهج الأدبية كي يغزو ثقافتنا ويهدم أخلاقنا ويحارب ديننا ويخشى الكاتب من (حضور الغرب في ثقافتنا) مما يترتب عليه (ضمور القدرة على الإبداع)حيث يتحول استقبال الآخر إلى نوع (التهالك) .

ونتفق مع عمر كوش في أن هاجس الهوية يسيطر على مادة الكتاب وفكر صاحبه ومحاولته إعطاء مفهوم الخصوصية معنى يفيد الاختلاف النسبي إلا أن المؤلف يجعله تنزاح إلى مستوى دلالاتها الأساسية كامتداد لمفهوم الهوية وسؤالها .

وتغدو الخصوصية التي يتحدث عنها المؤلف ، خصوصية المناهج والنظريات والمفاهيم النقدية الأدبية بوصفها ظاهرة تتبع من تلك الخصوصية الضيقة خصوصية الأفراد منتجي النظريات والمؤثرين فيها كما تنبع من الخصوصية الأكبر أي خصوصية الحضارة الغربية وعليه يسيطر هاجس الهوية والخصوصية على ما يقدمه المؤلف حيث تندمج الهوية بالخصوصية والاستقلالية وتتحول الإشكالية إلى دعوى بخصوصية الغرب مقابل خصوصية الشرق لتنقلب دعوى الهوية إلى ميتافيزيقا التمركز المضادج للتمركز الغربي على الذات إذ تضع الذات في مواجهة مع الآخر بدلا من البحث عما هو كوني ومشترك مع الحضارة الإنسانية ومثل هذه الدعوة لا تستند سوى إلى مقومات عقلية التبعية والإلحاق والقطبية .