دليل الناقد الأدبي

دلالات اسم المؤلف من خلال:
"حفريات في الذاكرة" للمفكر محمد عابد الجابري

جريدة العلم الجمعة 16 يونيو 2006

د. عبد المالك أشهبون

على سبيل التقديم:

إن حاجة الكاتب إلى كتابة مذكراته هي بقدر حاجته إلى التحلي بكبرياء أمام هذا الفن الإبداعي الجليل الذي يدخل في نطاق الأدب الشخصي. فإذا كانت مرحلة الشباب توحي بالأفكار الوردية العابرة والمفارقة للواقع أحياناً، لأنها أقرب إلى التهور منها إلى الاتزان والنضج، فإن غالبية الكتاب ـ الجديرين بهذه التسمية ـ يؤجلون كتابة سيرهم الشخصية إلى مرحلة ما بعد الشباب. آنذاك تتكامل التفاصيل العديدة، وتنضج الكثير من الأفكار، وتسقط جملة من البديهيات التي ترسخت في أزمنة اليفاعة مع أحلام الشباب. يستطيع الكاتب حينها، وبكثير من الاطمئنان النفسي والذهني، الخوض في لملمة شظايا تلك الذكريات المتناثرة من منطلقات موجهة، ملؤها الحكمة واستخلاص الدروس والعبر مما مضى وانقضى، وذلك وفق نموذج إبداعي منتخب عادة ما يتراوح ما بين: سيرة ذاتية، مذكرات، يوميات، حفريات...

ـ فأي صدى يضطلع به اسم المؤلف في توجيه أفق القراءة نحو استخلاص هذه الدروس أو تلك العبر؟ ـ وأي دور يلعبه اسم المؤلف في تكوين القارئ فكرة ما عن طبيعة النص المقروء؟ ـ وأي وظيفة يكرسها هذا الاسم المدني(المغمور أو المشهور) في نوعية إدراك هذا القارئ للقارة المعرفية التي سيحط الرحال في فضاءاتها، ومن ثم توجيه أفق انتظاره هذه الوجهة أو تلك في اختياره لكيفية القراءة؟

يتعلق الأمر، في هذا السياق التساؤلي السابق، بسيرة فيلسوف ومفكر مغربي مشهور، يشرئب لأول مرة على كتابة نوعية تنزاح عما عرف به واشتهر: إنه المفكر والفيلسوف محمد عابد الجابري الذي أصدر قبل سنوات جزءا من مذكراته الشيقة والممتعة، والموسومة بعنوان متميز هو: "حفريات من الذاكرة"(i).

ولقد جرت العادة بين عموم القراء والدارسين على أن يلحق اسم أحمد عابد الجابري بمجال محدد: ألا وهو مجال البحث العلمي الأكاديمي الصرف. وهذا التنسيب المتعارف عليه قد يحمل في طياته إقصاء ـ بطريقة غير مباشرة ـ للجابري من دائرة الإبداع، لأن هذا التوصيف يتغافل عن الصفة الوجودية التي أدخلت الجابري عالم الكتابة من بابه الفسيح عن سبق إصرار وترصد ألا وهي صفة "الجابري ـ المبدع" قبل أن يشق هذا الأخير مساره الشخصي من خلال تخصصه في هذا المجال المعرفي أو ذاك. في هذا الإطار الواسع والخصيب، يمكن قراءة عمله الاستثنائي هذا. حيث يجبرنا الجابري على العودة إلى أصل الرجل: ألا وهو الجابري ـ المبدع، ذو الخيال الفسيح سواء تعلق الأمر بمجال العلوم الإنسانية أو بفنون كتابية أخرى(مذكرات، خواطر، مواقف أدبية...). 1 ـ محمد عابد الجابري: الكاتب ـ المبدع

إن كل قراءة منصفة لمنتوج الجابري بصفة عامة، لا بد أن تستحضر، بشكل أو بآخر، عنصر الإبداع في ما يكتبه الرجل حتى لو افترضنا أنه درج على أن يلزم نفسه بموضوعات معرفية معينة، وبمقاربات منهجية قد "تحيد" عن شروط الكتابة الإبداعية المألوفة عادة في الشعر والقصة والرواية...من هنا، لا ينبغي أن نقصي حرقة الإبداع من الكتابات النظرية التي عرف بها الجابري في شتى مجالات المعرفة والعلوم، ما دامت الكتابة في عمومها هي صناعة تحتاج إلى كثير من الدربة والدراية والاحتراف في مجمل مجالات الكتابة أولاً وقبل كل شيء، حتى ولو كانت من قبيل الكتابات النظرية المتعلقة بشتى مجالات الكتابة:(الفكرية أو الفلسفية أو التربوية...).

وقد ساد لدى بعض الدارسين الكثير من المغالطات في هذا المجال، وأبرزها مرتبط باللغة ورهاناتها الفنية والعلمية. إذ كان الاعتقاد السائد في الأوساط الثقافية أن الإبداع (شعر، رواية، قصة....) يوظف لغة غير لغة الدراسات الفلسفية، وهنا نسحضر تصور جاك دريدا الذي يرى أن الفلسفة اعتمدت على مغالطة محيرة حينما جعلت نفسها تمتاز على الأدب باعتمادها على اللغة، زاعمة أن لغتها تتسم بالدقة والرصانة والعلمية بينما اعتمدت لغة الأدب على المجاز. من هنا انبرى دريدا لدراسة الاستعارة والمجاز في الخطاب الفلسفي الغربي منذ أفلاطون، ليثبت بعد ذلك أن مثل دعوى الفلسفة هذه تقلب الفلسفة ومزاعمها رأساً على عقب؛ وان أصل اللغة هو الاستعارة والمجاز، خاصة أن الاختلاف يعزل الدال عن المدلول: فكيف تزعم الفلسفة أن "لغتها تستبعد المجاز وأنها توحد بين الدال والمدلول. والفلسفة لا تستطيع إلغاء هذه الحقيقة إلا بتناسي هذا الأصل وتوظيف التناسي نفسه لخدمتها في تأكيد امتيازها على أنها لغة "الحقيقة" بينما الأدب هو لغة الخيال والوهم"(ii).

أما المغالطة الأخرى، فتتمثل في اعتبار البعض فن الإبداع رديفاً لإلهام مجهول المنبع، وأنه نادراً ما كانت المعرفة الدقيقة والتتبع المنهجي مصدراً من مصادره. هذه الصورة محاطة بالكثير من المغالاة ومجانبة للصواب، ذلك أننا واجدون ـ لا محالة ـ في مشهدنا الأدبي، بالمقابل، باحثون في العلوم الإنسانية ولهم باع طويل في مجالات الإبداع المعروفة: مؤرخون ـ روائيون(عبد الله العروي وبنسالم حميش وأحمد التوفيق)، فلاسفة ـ روائيون (محمد عزيز الحبابي)، باحثون في الأدب ـ شعراء( أدونيس ومحمد بنيس...)، صحفيون ـ شعراء(حسن نجمي) صحفيون ـ كتاب قصة(عبد الجبار السحيمي، إدريس الخوري...) باحثون في علم النفس ـ روائيون(ربيع مبارك) وهكذا دواليك... حيث تلازمت وتقاطعت وتناغمت لدى هؤلاء المسارات العلمية الأكاديمية الصرفة بالمسارات الإبداعية التي تعتمد أساساً على عنصر التخييل:(شعر أو قصة أو رواية...)، حيث تلازمت هذه المسارات بعضها مع بعض وتناغمت وتفاعلت وأثمرت في النهاية أعمالاًُ إبداعية لها وقعها الأكيد في مشهدنا الثقافي العربي.

ومما سبق، نستخلص أن الكتابة هم وجودي مطلق، شرارته تسري في أوصال كل من يفترض أنه دخل عالم الكتابة واكتوى بنارها الحارقة، وما نراه من ترحال بين المعارف من لدن الكثير من الكتاب لهو دليل إضافي على أن الكتابة الإبداعية هي هم مشترك وليست حكراً على طائفة من الكتاب دون أخرى. إذ تشكل الثقافة الموسوعية والقراءة المنهجية والدرس العلمي إذاً رافداً جوهرياً في وعي الكاتب المعاصر الذي لم يعد يؤمن بالإلهام الذي ينزل على صاحبه، فجأة، وبدون سابق إعلام، ولا هو بمقتنع بنظرية المحاكاة التي تجعل المبدع مقلداً لسابقيه الذي أجادوا ولم يعد أمامه إلا أن يمشي على هدي هذا السلف الصالح. من هنا يتم تعويض أسطورة الالهام العبقري المفارق للواقع البشري بمعادل معقول ألا وهو اعتبار الكتابة صناعة وحرفة ومهارة.

2 ـ "أدب المذكرات" في الثقافة العربية

يعتبر "أدب المذكرات" من ضمن الفنون الأدبية الجميلة والمشوقة. وقد عرف الأدب العربي الحديث كتّابا كثيرين في هذا المجال، إلا أن "أدب المذكرات" مع ذلك في العالم العربي ضعيف من جهة، والأسباب متعددة، منها ما يعود إلى ضمور الحريات السياسية والعقائدية، ومنها ما هو متكلف ومبالغ فيه من خلال حدة تضخم صوت الأنا وتمجيد الذات مقابل إلغاء أو التنقيص من أدوار الآخرين من جهة أخرى، إذ تصبح المذكرات وفق هذه المعطيات مملة وبلا عبر مستقاة منها، وهذا ما يجعل من مذكرات الساسة وصناع القرار في العالم العربي غير ذي جدوى في اهتمامات النقاد والقراء بصفة عامة، عكس ما يحصل حينما يتعلق الأمر بمذكرات أديب أو فيلسوف أو علامة... فالذاكرة جزء من الشخصية والهوية والانتماء، لذا من الواجب أن يكون القيم عليها قديراً بتحمل هذه المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه. من هنا نقول: إن فن كتابة المذكرات ليس فناً متاحاً لكل من هب ودبَّ، ولا هي أرضاً مشاعاً أمام كل من ساورته الفكرة إياها. وفي يقيننا، أن الكثير من الذين امتنعوا عن كتابة مذكراتهم والتزموا الصمت النبيل كانوا أفضل بكثير من بعض الذين غامروا وخاضوا التجربة، واعتبروها محطة لإبراز الذات وإعلاء الأنا غير المؤسس على حقائق ثابتة.

وبالعودة إلى مذكرات الجابري، سنرى أن للرجل باعا طويلا في مجالات متعددة: معرفية وسياسية وثقافية؛ فهو المعلم والمحاضر، البدوي والمديني، الفيلسوف والمبدع، الصحفي والأكاديمي، المناضل والعالم،...الخ. إذ ليس بمقدور قارئ مذكرات الجابري الكف عن التفكير في الوضع الاعتباري لصاحبها.

وعليه، فإننا لا نستطيع قراءة ما كتبه الجابري بعيداً عن تمثل صورته الرمزية كمفكر ومناضل، تحول في ما بعد إلى واحدة من أيقونات القرن العشرين في مجال الفكر والفلسفة في عالمنا العربي. إذ إن معرفتنا المسبقة بمسار شخصية الجابري الاستثنائية في المشهد الثقافي العربي، تحثنا ـ مسبقاً ـ على النظر إلى هذه المذكرات بتقدير خاص، وتدفعنا إلى ربط كل كلمة، وكل إشارة، وكل تفصيل فيها بالصورة التي سيكون عليها الجابري لاحقاً.

والجابري نفسه يستحضر هذه الرهانات التي تطرحها: "الحفريات..." على عاتق القارئ، لأنه يشعر ـ وهو يتهيأ لمواصلة تتبع معارج مساره الشخصي أيام طفولته، والتعريف بالبيئة التي نشأ فيها وقضى طفولته بين مساربها ودروبها ـ بالحاجة إلى القول إن من الذكريات ما تنتمي حوادثها إلى الماضي، وإن منها ما ينتمي إلى المستقبل، لا بحدوثها الزمني بل بآثارها ونتائجها.

ذلك أن الذكريات التي تم عرضها إلى الآن مع ما تتخللها من حفر واستنطاق، هي من منظور الجابري، تتعلق بأحداث كان لها بدون شك دور هام في تكوين شخصية صاحبنا، سواء على صعيد الوعي أو على صعيد اللاوعي، "ولكنهاـ في نظره الآن على الأقل ـ لم يكن لها أي "فضل" عليه، لا بوصفه مجرد كائن بشري، بل بوصفه هذا الشخص الذي يكتب الآن والذي تخلع عليه الصحافة أحياناً ذلك اللقب الذي يدخله في زمرة"المفكرين"..."(iii).

من هنا نقول: إن القارئ سينهمك ـ لامحالة ـ في قراءة المذكرات من منظورين متقابلين ومتداخلين: منظور يلح عليه تتبع مسارات طفل وشاب يحكي مذكراته سونات الصبا واليفاعة...، ومنظور ثان يلزمه بضرورة استحضار صورة الجابري المفكر، والمنظر في سياق مسار القراءة... فالقراءة، آنذاك، ستتراوح بين هذين الحدين الحاسمين، واللذين يوجهان أفق انتظار القارئ الذي عليه أن يتعرف، أكثر وأعمق، على الكاتب المرموق(الجابري) من خلال صورته في طفولته وشبابه(الطفل الذي كانه).

هذه المذكرات، من منظورنا الخاص، تدين، في أجزاء كبيرة منها، لوعي مبكر بصورة الفنان في طفولته، حيث تتحول المذكرات إلى تجربة ذاتية وموضوعية متلاحمة الأطراف، ومتداخلة في أبعادها بطريقة هارمونية مشوقة، لأن الرهان الذي يطرح في نظير هذه الحالات هو كيفية محافظة الكاتب لكل طرف على حدة بالصورة التي كان عليها(الطفل باعتباره طفلاً والمفكر باعتباره كذلك). بحيث لا يكتب الكاتب عن الطفل الذي كانه من خلال ممارسة رقابة عمياء على كل ما يمكن أن يلحق الأذى بالشخصية الرمزية لمصير ذلك الطفل الذي غدا مع الزمن رجل علم وفكر بامتياز، ولم يعمد في الوقت ذاته على اختلاق وقائع وأحداث من صنع خيالاته من أجل الرفع من وتيرة حرارة ما هو مكتوب، أو حتى يضمن له أوسع كتلة من القراء، كما يحلو لبعض كتاب اليوميات والسير الذاتية أن ينتهجوه سبيلاً لاجتلاب أكبر عدد ممكن من القراء.

3 ـ العنوان في تعدد إيحاءاته وإحالاته

يتقاطع مدلول العنوان الرئيسي :("حفريات في الذاكرة") مع طبيعة التعيين الجنسي للكتاب، حيث يهتدي الجابري إلى مفهوم جديد لم نعهده من قبل في تاريخ التعييات الجنسية لدى كتاب الرواية العربية ألا وهو مفهوم:"الحفريات...". وفي هذا السياق، يبرر محمد عابد الجابري توصيف عمله الوحيد هذا بهذا الاصطلاح، بكون وقائع الحياة الشخصية، وكذا الاجتماعية العامة، تتحول مع مرور الزمن وتتدافع، ويغطي بعضها بعضاً ويخنقه أو يمحوه ويلغيه، فإن ما يبقى منها، صامداً هو، حسب ما انتهى إليه الجابري، بعد طول استبطان وتأمل، "أشبه ما يكون بالقطع الأثرية التي تمكنت، بهذه الدرجة أو تلك، من مقاومة عوامل التحلل والاندثار، وسط ما تراكم عليها وحولها من مواد لا ـ أثرية ولا ـ تاريخية، فغدت تفرض نفسها على الباحث الأركيولوجي، الباحث المنقب عن الآثار، كمعالم وشهادات ذات معنى، لا أقول في ذاتها"(iv).

أما العنوان الفرعي: "من بعيد"، فجاء معززاً لمدلول "الحفريات" التي لها علاقة بكل ما هو ضارب في العتاقة والقدم. يقول الجابري في هذا المضمار المخصوص: "عندما كنت أكتب"حفريات في الذاكرة" كانت تنتابني مثل هذه الحالة، أعني الشعور بـ"القدم" وهو ما عبرت عنه بعبارة "من بعيد""(v). فقد كان لدى الكاتب إحساس ضاغط بأنه ينتمي إلى جيل كان يمثل درجة الصفر على مستوى الحداثة، ثم قفز إلى المرحلة الحضارية الراهنة، مرحل "ما بعد الحداثة". في حين كانت الرسالة الثاوية خلف هذا التصور، هي رسالة إلى شباب اليوم، أو لنقل معظمهم، الذين يعانون من اليأس والإحباط وانسداد الآفاق ومفادها أن الإمكانيات المتاحة أمامهم اليوم أحسن بكثير من تلك التي كانت متاحة للجيل الذي كان الجابري ينتمي إليه.

فمنذ الوهلة الأولى، يستقر الكاتب في حقل دلالي مغاير لما كان مألوفاً في التعيينات الجنسية السائدة في الأدب العربي، إنه مجال"الحفريات" الذي يندرج في علم الآثار من جهة، ويتناص مع عنوان كتاب فلسفي وفكري دمغ الفلاسفة المغاربة في نهاية القرن الماضي ألا وهو كتاب ميشيل فوكو الشهير:"حفريات المعرفة" من جهة أخرى. ـ فما هو الفضاء الجغرافي الذي سيخضع لهذه "الحفريات" من أجل إعادة استكشاف تلك القطع الأثرية النفيسة التي لا تقدر بثمن؟

ـ وما هي طبيعة تلك التحف التي سيقدمها معرض(كتاب) الجابري لقرائه كيما يحققوا متعة المؤانسة والإبداع في ما هو معروض؟

لقد كان لمنطقة فجيج عبر التاريخ السير ذاتي للجابري أكثر من دلالة، فالمكان هنا ليس مجرد فضاء روائي يحتوي الشخصيات والأحداث ويمسك بتلابيب الزمن، بل هو عند الجابري عمق جغرافي وتاريخي وجمالي أيضاً، بل هو هاجس المذكرات ونواتها الدلالية والحكائية، وهو تبعا لذلك، يعد الشخصية الرمزية، المركزية النازلة بثقلها على جسد المذكرات، بحكم تنوع تضاريسه، وغنى ترابه ورماله، وتعدد أطياف سمائه، وتنوع طابعه المعماري المتميز، وتعدد ساكنته المرئية وغير المرئية وحيواناته الأليفة منها والشرسة.

كل هذا التعدد والتنوع والزخم في هذا المحيط الطبيعي والبشري والروحي الهادر كان له الأثر الكبير في نمو وترعرع الجابري(صبيا ويافعا وشابا...). في وسط الفضاء الجنوبي اللامحدودة لمنطقة فجيج، يقوم الجابري في البداية باستكشاف ركن قصي يشبه واحة خضراء مزدانة وسط مفازة لا نهاية لها، ثم يقوم، بعد ذلك، برفع ذلك الركن المستكشف، وبانفعال طفولي أخاذ، إلى مرتبة التجربة التي أمكن للفرد أن يعيشها، وتحويل هذه التجربة إلى مقام التجربة الأدبية التي لها مقوماتها البانية، وجمالياتها الخاصة بها.

فمن أعماق استعادة الزمن البعيد، وفي حمأة ازدحام أطيافه وامتداداته، وتداخل صوره، تعرض"حفريات" الجابري أهم منعطفات العالم الذاتي والموضوعي باعتبارها قطعا أثرية يتم اسرجاعها من ذاكرة النسيان، من حوض الزمن الآخر الذي ولى وانقضى، ليتبلور في فضاء الكتابة من خلال هذه الكتاب/المذكرات.

من هنا كانت مناسبة الكتابة الملحة هي الخوف من فقد عناصر مضيئة من ذاكرة زاخرة، والهدف كان هو مقاومة مظاهر النسيان وثقافة التعرية والمحو لكل ما هو متألق ومشرق في أزمنتنا البعيدة، وبالتالي تسجيل الشهادة الكبرى في حق ما مضى من أجل استشراف ما سيأتي من منطلق ما كان.

فما قام به الجابري هو عملية إرجاع أو استرداد قطع أثرية من ذاكرة الزمن البعيد: قطع سير ذاتية مدموغة بختم عابد الجابري الخاص، باعتباره الفيلسوف والمفكر والسياسي والأكاديمي، والذي يتربع على عرش إمبراطورية علمية مترامية الأطراف...

ومن أجل تحقق هذا النوع من الحفريات في طبقات الذاكرة، كان على الجابري أن يتعامل مع مجموع العناصر والمكونات والمواد الخام المستكشفة على قدم المساواة، من هنا تحضر المكونات المرتبطة بما هو سياسي واجتماعي وديني وعاطفي...، بل كان عليه أن يستثمر مجموع هذه المكونات بنفس التعامل والقيمة ودون مفاضلة.

أما تجليات هذه الحفريات، فهي متعددة ومتنوعة، فهي حفريات في طبقات الأنساب، حيث يعود بنا الجابري إلى دلالات هذا الاسم: "إنه يتذكر هذا جيداً، ويتذكر كذلك وبنفس القوة والوضوح، قصة تسميته "محمداً" كما قصتها عليه جدته لأبيه في مرحلة متقدمة من طفولته، وعندما أصبح ملازماً لها في بيت أهله من أبيه، بعد زواج أمه بمدة قصيرة. لقد أخبرته غير ما مرة أن أخواله كانوا يريدون تسميته بـ:"عبد الجبار" تيمناً بجدهم سيدي عبد الجبار الفجيجي العالم المشهور الذي سبقت الإشارة إليه. كان هذا العالم الجليل(...) أحد آباء جده لأمه، فأراد هذا الأخير أن يخلد اسمه في حفيده تيمناً به..."(vi).

كما تمتد هذه الحفريات لتطول تاريخ المنطقة العتيق، حيث تنثال من الذاكرة صور محطات متعددة ومتنوعة. وبالرغم من السطحية الظاهرة لبعض هذه الأحداث، فإن اندراجها في سياق نفسي واجتماعي وثقافي محدد، يعطيها أبعاداً ودلالات زاخرة في هذا السياق. إذ إن الرهان الأساس في هذه المذكرات كان هو استعادة نوع من الفهم الخاص لطبقات تلك الذاكرة المكتنزة بالأخبار والمعطيات والوقائع.

من هنا يتم استحضار الكثير من الأخبار عن التاريخ العميق لمدينة فجيج، من حيث: التسمية، والسكان الأصليون، والموقع الجغرافي، تاريخ المقاومة للمستعمر، أهم رموز المقاومة، رموز رجال الدين والعلم، دون أن يتناسى عادات وتقاليد المنطقة التي كانت تشكل لحمة المجتمع مثل: "التويزة". حيث يذكر أن أهل القبيلة منهمكون في بناء سقف المسجد: "كانوا يتحركون بوتائر متناغمة ينشدون أناشيد جماعية فيتناغم صوتهم الجماعي مع إيقاع الملاكز على أرضية سقف المسجد...."(vii).

أما الحفريات في الثقافة المغربية فتلوح من خلال الحفريات التي يتم من خلالها إعادة قراءة مظاهر البداوة والتحضر والتغريب في تلك الفترة. إذ يشدد الجابري على وجود تراتب ثقافي ـ أو طبقات إن صح التعبير ـ في الثقافة الواحدة. ذلك أن اختلاف ثقافة "البادية"(التي تعني هنا كل ما هو خارج المدن أعني خارج أحيائها الأرستقراطية التقليدية) عن ثقافة"المدينة"(ثقافة الأحياء الأرستقراطية تلك) ظاهرة ترافق تاريخ المغرب منذ أقدم العصور إلى الآن. بالإضافة إلى رصد ما وقع من تحولات نتيجة المد الأوربي الحداثي الذي بدأ ينتشر ويتغلغل من خلال الاستعمار، وبدأ هذا الأخير يغرس بنيات الحضارة الحديثة في الأقطار المستعمرة"مركزاً على "المناطق النافعة"، أخذ مركب ثقافي آخر، أوربي "حداثي"، يترسب شيئاً فشيئاً فوق ثقافة "رقة الحضارة" وعلى هوامشها، ليتحول "الجبل" الثقافي ذي السفحين إلى ما يشبه مقطعاً جيولوجياً من طبقات ثلاث: مقطع ثقافة "خشونة البادية" ومقطع ثقافة "رقة الحضارة"، ومقطع ثقافة "العصر الحديث""(viii).

وبكتابته لمذكراته، يعيدنا الجابري إلى دائرة الكتابة من منظورها الواسع. الكتابة باعتبارها عشقاً وجودياً للكلمة والحرف، هذا العشق الوجودي لدى الجابري نما وترعرع وأينع في شتى المجالات إلى أن أصبح دوحة كبيرة من المصنفات في عالم الكتابة عموما.

مراجع:

1 ـ محمد عابد الجابري:"حفريات في الذاكرة"، مطبعة دار النشر المغربية، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 1997.

2 ـ ميجان الرويلي و سعد البازعي: "دليل الناقد الأدبي"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:2، 2000، ص : 56

3 ـ محمد عابد الجابري: "حفريات في الذاكرة"، مرجع سابق، ص : 83.

4 ـ المرجع نفسه، ص:1.

5 ـ المرجع نفسه، ص: 278.

6 ـ المرجع نفسه، ص:25.

7 ـ المرجع نفسه، ص:41.

8 ـ المرجع نفسه، ص: 152

 

النص الموازي في رواية " البكاء على الأطلال "
دراسة في العنوان الرئيس والعناوين الفرعية
وصلة هذه كلها بالجسد الروائي

ا.د. عادل الأسطة
جامعة النجاح الوطنية/فلسطين

 

        في تقديمه لكتاب غالب هلسـاً " أدباء علموني … أدباء عرفتهم " يكتب ناهض حتر: " إن شخصية غالب هلسا الفذة ومواهبَه العديدة … لا تظهر في مكان واحد، كما تظهر هنا، وهو ما يجعل قراءةَ هذا الكتاب مدخلاً ضرورياً للاقتراب من هذا العملاق العربي … " (1) ويضيف: " كذلك فإن في الكتاب منجماً للأفكار الأدبية الجديدة الحرة التي لا بد أن تثير في عقول الأدباء الشباب حشداً من الأمثلة الكبرى وشهية البحث عن أدب جديد "(2).

        ومن يقرأ الفصل الأول من الكتاب، وعنوانه " الزير سالم " يأخذ بصحة ما ذهب إليه حتر حين يقرأ رواية " البكاء على الأطلال "، وأرى أن الفصل الأول أفضل مدخل لقراءة الرواية. يقول هلسا: " كان سكان قريتنا ينقسمون إلى قبيلتين كبيرتين: قبيلة إسلامية وأخرى مسيحية. قبيلة العوازم الإسلامية كانت تنقسم إلى قبائل أصغر حجماً. وفي الفترة التي كنت أقرأ فيها سيرة الزير سالم كان هنالك خلاف ومعارك محدودة – بالحجارة والعصي – بين قبيلتين من قبائل العوازم. ورغم أن المعارك كانت تتم بين راجلين لا فرسان، ولم تستخدم فيها السيوف، ولم يقع فيها قتلى، ولكنني رأيت فيها صورةً لحرب البسوس "(3). ويضيف:

        " قبل أن أقرأ الحكاية كنت أصدر حكماً على الناس من خلال حضورهم الآني. أما بعد ذلك فكنت أراهم عبر تاريخهم … ينتج عن ذلك أن الناس – لي – دمجوا في تاريخ القرية وفي الأساطير القديمة "(4).

ويذهب إلى ما هو أكثر من ذلك فيكتب:

" سيرة الزير سالم أصبحت عندي بؤرة النقاط لمجموعة من الشخصيات الأدبية ومفتاحاً لفهمها، كما كانت دليلاً في الأدب اليوناني. إن تلك الرغبة في الانتقام التي تعيش مع الشاب – الزير سالم – حتى موته، ومع الطفل يكبر ويقوى ساعده، وينتقم لأبيه كليب، رأيتها في مقتل ( أغا ممنون ) وانتقام ( أورست ) و ( ميديا ). الأغلب أن هذه الأساطير اليونانية نشأت في ظرف اجتماعي شبيه بالظرف الذي دارت فيه حرب البسوس "(5).

        إن ما يراه غالب هلسا هو ما كان يقوم به سارده وبطله خالد في " البكاء على الأطلال "، وهو ما قامت به أيضاً عزة حين رأت نفسها في المرأة المصرية الفرعونية منذ سبعة آلاف عام.

******

        لا أدري إن كان ثمة دراسة أنجزت، من قبل، تناول صاحبها فيها العنوان في روايات غالب هلسا بعامة أو في روايته " البكاء على الأطلال " بخاصة. والدراسات والمقالات التي قرأتها عن الروائي وأدبه(6)، وهي غيض من فيض، وسأشير إليها في نهاية الدراسة، حثتني على الكتابة تحت العنوان المدرج، علني أقدم قراءة جديدة لعمل من أعمال الروائي. وكنت أرغب في أن أكتب عن عنوان رواية الخماسين أيضاً(7)، ولكنني عزفت عن ذلك، لأنني رأيت أن رواية " البكاء على الأطلال " تكفي لأن أقدم دراسة مستقلة عنها. وحين قرأت كتاب الدكتور بسام قطوس " سيمياء  العنوان "(8) لاحظت أنه أشار إلى الرواية، ولكنه لم يخصص لها جزءاً خاصاً ليدرس عنوانها بالتفصيل، ولاحظت أيضاً أنه لم يُحِلْ القارئ إلى دراسات أخرى تناولت العنوان في هذه الرواية. يكتب د. بسام عن الرواية ما يلي:

        " وينجدل الزمان بالمكان في كثير من عنونة الرواية العربية كما عند غالب هلسا في " البكاء على الأطلال " أو عند جمال ناجي في " الطريق إلى بلحارث " أو عند حنا مينه في " القطاف "(9).

        وهكذا يلتفت إلى هذه الرواية، دون غيرها، من روايات هلسا، ولكن كما ذكرت، دون أن يخوض فيها بالتفصيل.

        سأقدم في هذه الدراسة قراءة مفصلة للعنوان الرئيس، وسأتناول العناوين الفرعية، وسأحاول أن أربط بين العنوان الرئيس وما يدرج من كتابة سردية تحت العناوين الفرعية، بعد أن أعالج العناوين الفرعية وصلتها بالكتابة السردية التي تليها، علني أتوصل إلى غير ما يبدو عليه ظاهر العناوين الفرعية والعنوان الرئيس وصلة هذه ببعضها، إذ تبدو صلةً مفككة، تبدو أجزاء الرواية وكأن لا رابط بينها، وكأنما الرواية شتات موضوعات جمعتها دفتا كتاب. إن المرء حين يلقى نظرة أولى على عنوان الرواية الرئيس وعناوينها الفرعية سيتساءل عن الصلة بين عناوين مثل " الوقوف على الأطلال " و" جملة اعتراضية " و" الرعب وراء الباب " و " البحث عن جمال الدين الأفغاني ". ولكنه حين يقرأ النص قراءة ثانية وثالثة، حين يسأل نفسه من جديد عن الصلة بين هذه العناوين، قد يجد بينها رابطاً وصلة، وأن الرواية ليست مجرد موضوعات شتيتة جمعها غلاف كتاب.

        لقد قرأت، شـخصياً، هذه الرواية، قبل عشرين عاماً، ولم أكن ألتفت إلى ما ألتفت إليه الآن، وأظن أنني، يومها، تسـاءلت عما يربط بين أجزاء هذه الرواية غير سـاردها الذي يقص عن بطلها خالد الذي أظن أنه هو غالب(10)، خالد الذي لا يذكر اسمه إلا في ص175 - أي قبل نهاية الرواية بصفحات قليلة. وقد توقف قارئون كثر(11) أمام ظاهرة حضور غالب في رواياته وصلة هذه بعضها ببعض، وإن كان توقفهم توقفاً عابراً. وأظن أن إنجاز دراسة حول إشكالية المؤلف والراوي والبطل في روايات غالب هلسا جديرة بأن تنجز إن لم تكن أنجزت فعلاً.

قراءة بدئية للعنوان الرئيس:

        يقرأ المرء على غلاف الطبعة الأولى للرواية اسم المؤلف والعنوان الرئيس وكلمة " رواية " التي تحدد جنس الكتاب، ويقرأ أيضاً اسم دار النشر(12).

        ولولا كلمة " رواية " التي أدرجها المؤلف أو الناشر، لربما انصرف ذهن القارئ إلى أنه سيقرأ دراسة يتناول صاحبها فيها ظاهرة الوقوف على الأطلال في القصيدة العربية. حقاً إن غالب هلسا روائي بالدرجة الأولى، ولكنه أيضاً ناقد كتب دراسات نقدية عديدة تناول في قسم منها الشعر الجاهلي(13). وإذا كانت كلمة رواية صرفت الذهن عن أن الكتاب ليس دراسة علمية لظاهرة أدبية فإن تصدير الكاتب روايته بمقتطفات من معلقة امريء القيس سيوقعه من جديد في حيرة جديدة. يصدر هلسا روايته بالأبيات التالية من معلقة امريء القيس:

     

كأني غداة البين يوم تحملــوا

لدى ســـــمرات الحي ناقف حنظل

وإن شــــــفائي عبرة مُهراقة

فهل عند رســــم دارس من معول

كدأبك من أم الحويرث قبلهــا

وجارتَهــا أم الرباب بمأســـــــــــل

إذا قامتا تضوع المسك منهما

نســـــيم الصبا جاءت بريا القرنفل

ووادٍ كجوف العير قفر قطعته

بـه الذئب يعوي كالخليـــــع المعيّل

فقلت له لما عوى أن شـــاننا

قليل الغني إن كنت لما تَمَّـــــــــوَل

كلانا إذا ما نال شـــــيئاً أفاته

ومن يحترث حرثي وحرثك يهـزل

 

 

 

        وهي الأبيات 4 و 6 و 7 و 8 و 49 و 50 و 51 كما وردت في شرح المعلقات السبع للزوزني(14) وشرحها:

-  كأني عند سمرات الحي يوم رحيلهم ناقف حنظل/ وقفت بعد رحيلهم في حيرة وقفة جاني الحنظلة ينقفها بظفره يستخرج منها حبها.

-  ولا طائل في البكاء في هذا الموضع، لأنه لا يرد حبيباً ولا يجدي على صاحبه بخير، أو لا أحد يعول عليه بخير.

-  عادتك في حب هذه كعادتك من تينك – أي قلة حظك من وصال هذه ومعاناتك الوجد بها كقلة حظك من وصالهما ومعاناتك الوجد بهما.

-  إذا قامت أم الحويرث وأم الرباب فاحت ريح المسك منهما كنسيم الصبا إذا جاءت بعرف القرنفل ونشره.

-  ورب واد يشـبه وادي الحمار فـي الخلاء، من النبات والإنس أو يشـبه بطن الحمار … طويته سيراً وقطعته، وكان الذئب يعوي فيه من فرط الجوع كالمقامر الذي كثر عياله ويطالبه عياله بالنفقة وهو يصيح بهم ويخاصمهم إذ لا يجد ما يرضيهم به.

-  إن شأننا أننا نطلب الغنى طويلاً ثم لا نظفر به إن كنت قليل المال كما كنت قليل المال.

-  كل واحد منا إذا ظفر بشيء فَوّته على نفسه، أي إذا ملك شيئاً أنفقه وبذره، ثم قال: ومن سعى سعيي وسعيك افتقر وعاش مهزول العيش.

        ويتساءل المرء، ابتداء،: لماذا صدر هلسا روايته بهذه الأبيات دون غيرها؟ وهل تعد معادلاً فنياً لخالد بطل الرواية وعلاقته بالنسوة اللاتي تعددن، وكان له – أي لخالد – علاقات مع بعضهن. هل خالد هو امرؤ القيس المعاصر؟ وهل رأى هلسا في ما يبدو عليه امرؤ القيس، في هذه الأبيات، صورة لما يبدو عليه خالد في الرواية.

        من الذين رحلوا وتركوا خالداً في حيرة؟ وما جدوى بكائه؟ وهل سيرد بكاؤه الخير له؟ وما حظه مع هذه وتلك؟ وهل حظه مع الأخريات كحظه مع الأولى؟ وكيف ينظر خالد إلى رائحة هذه وتلك؟ ثم من هو الذئب في الرواية؟ هل السارد هو امرؤ القيس وخالد هو الذئب؟ وإذا كان السارد وخالد في الرواية شخصاً واحداً، فهل يُعَدُّ امرؤ القيس والذئب شخصاً واحداً؟ وهل جرد امرؤ القيس من شخصه ذئباً يخاطبه؟ وما الذي يطلبه خالد ولا يظفر به؟ وما الذي يظفر به ثم سرعان ما يفوته على نفسه ليفتقر ولكي يعيش مهزول العيش؟ هل هو علاقته بالمرأة التي يتعرف إليها ثم سرعان ما يفترقان، كما افترقت عزة عنه ثلاث سنوات لتعود وتلتقي به وليفترقا من جديد؟

        إن بكاء امرئ القيس على الأطلال يوازيه، كما سيتضح، بكاء كثيرين في الرواية على ماضيهم. ولعل ما يجدر ذكره هنا هو  سبب البكاء على الأطلال.

          ثمة رأي لابن قتيبة يفصح فيه عن سبب الوقوف على الأطلال وبكائها، وقد التفت إليه  دارسون كثيرون، ومنهم – مما هو متناول بين يدي – د. عبد المالك مرتاض في دراسته " بنية الطلليات في المعلقات ( قراءة أنثروبولوجية سيميائية لطللية امريء القيس )(15) يرد في دراسة مرتاض:

        " وإذا فقد نبّه النقاد القدماء لعلة ابتداء مقصّدي القصائد بذكر الديار، ووصف الدمن، والوقوف على الربوع يبكون لديها، ويشكون تحمّل أهلها عنها، ومزايلة الأحبة إياها فيذكرون الأيام الخوالي، والأزمان المواضي، وما كانوا نعموا به فيها من اللحظات السعيدات، مع الحبيبات الواقفات: إما بالنظرات والرتوات، وإما بتبادل أسقاط الحديث، وإما بنيل أكثر من ذلك منهن … يذكرون كل ذلك فتذرف منهم العيون تذرافا، وتهيم بهم الصبابة، وترتعش في أعماقهم العواطف، وتلتعج في قلوبهم المشاعر، فينهال عليهم الشعر الجميل انهيالاً، كما تنهال من أعينهم الدموع الغزار حتى تبل محاملهم"(16).

        ولسوف يتضح وأنا أعالج العناوين الفرعية وصلتها بما أدرج تحتها إن كان هناك ثمة صلة بين الأبيات التي صدر بها هلسا روايته وأبطال روايته، وستظل عبارات " فيذكرون الأيام الخوالي، والأزمان المواضي، وما كانوا نعموا به فيها من اللحظات السعيدات … " ذات حضور دائم، وسيحضر الفعل تَذَكَّرَ ويتذكر في جسد الرواية حضوراً لافتاً.

        ولئن كان " البكاء على الأطلال "، مقترناً بالأبيات السـبعة من معلقة امريء القيس، يذكر القاريء المطلع على الشـعر الجاهلي بظاهرة الوقوف على الأطلال واقتداء اللاحق بالسـابق بهذه الظاهرة، فإنه أيضاً يذكره بموقف أبي نواس من ظاهرة البكاء على الأطلال. وكان أبو نواس، في كثير من قصائده، يهجو أولئك الذين يقفون على الأطلال ويعتبرهم أشقياء، وكان ينصحهم بالالتفات إلى الحياة المعاصرة بما تحتوي عليه من خمر وخبز ونضارة. وسـيتذكر قاريء الرواية، وهو يقلب صفحاتها، ويقرأ عن خالد وصديقاته، أبا نواس مراراً حتى ليظن المرء أن خالداً نصير لأبي نواس لا لامريء القيس، وحتى ليذهب إلى أن غالب هلسـا وجب أن يصدر روايته بأبيات من أشـعار أبي نواس أيضـاً. ثمة حنين إلى الماضي، ولكن ثمة انغماس في الحاضر. ثمة تذكر لامرأة ما، وثمة إقبال لافت لشـرب ( البراندي )، وما بين هذين يبدو خالد/غالب موزعاً على ماضٍ وحاضر. إنه مثل امريء القيس في حنينه إلـى الماضي، ولكنه أيضاً مثل أبي نواس في الانغماس بملذات الحياة المتاحة له.

جسد النص:

        تتكون الرواية من أربعة أجزاء، يتكون كل جزء من عدة أقسام، ويمكن تبيان ذلك على النحو التالي:

العناوين الفرعية

الصفحات في الرواية

عدد الصفحات

الجزء الأول:

 

 

1-  ايقاع المهباش

8-

13

2-  أغنية العبيط

21

4-

3-  رثاء عائشة بنت طلحة

25

8-

4-  الراسبي يشتري الجنة

 

33

4-

الجزء الثاني:

 

 

1-  الوقوف على الأطلال

38

10

2-  البكاء على الأطلال

48

9-

3-  الشعور بالذنب

57

39

4-  النحيب وصرير الأسنان

96

15

5-  جملة اعتراضية

110

6-

 

 

 

الجزء الثالث:

 

 

1-  البحث عن جمال الدين الأفغاني

118

5-

2-  جملة اعتراضية

123

12

3-  مواصلة البحث عن جمال الدين الأفغاني

135

12

4-  الرعب وراء الباب

147

15

5-  لقاء مع جمال الدين الأفغاني

 

162

14

الجزء الرابع:

 

 

1-  جملة اعتراضية

178

12

2-  عزة تتحدث

190

27

 قراءة في العناوين الداخلية وصلتها بالعنوان الرئيس:

الجزء الأول:

        يتكون الجزء الأول، كما لاحظنا، من أربعة عناوين. نقرأ تحت العنوان الأول " إيقاع المهباش " لسارد غير محدد الهوية، ويبدو كلي المعرفة، عن شخص لا يحدد اسمه يزور بيت صديق متزوج من سلمى وله طفلة اسمها كوثر، ويبدو الصديق والشخص مثقفين لهما ذوق فني ويهتمان بالسياسة، ويبدو الشخص أكثر ذوقاً من صديقه، يتضح هذا من خلال تدخل الشخص في ترتيب لوحات الفن التشكيلي في البيت. ويلاعب الشخص الطفلة كوثر، يدق لها على الطاولة فتتمايل، فيما لا يعجب هذا الأب،  وتبول الطفلة على نفسها فتبلل الشخص الزائر.

        يسترجع الشخص الزائر، وهو في البيت، طفولته في قريته وما حدث معه ذات مرة. ولكنه قبل هذا يحن إلى ماض بعيد، ماضيه، وتتكرر كلمة الذكرى في الصفحتين الأولى والثانية من هذا المقطع مراراً:

        " تصحو الذكرى " و " توغل في الذكرى " و " انكشف الغطاء عن بئر الذكريات " و " إنه الآن يمتح الذكرى متقصداً " و " تسارع الإيقاع، محاوراً، مبتعثاً صور الماضي البعيد " و " أصبحت الذكرى مجرد مساحات من الأرض البيضاء المشمسة *. ( ص 8 و ص 9 )

        يذكره هذا الجو الأسري بأسرته، ويذكره مشهد الأم وهي تغير ملابس طفلتها، بعد أن بالت على نفسها، بما حدث معه في الطفولة:

        " طعنـة حادة كوميض البـرق اندفعـت مـن الماضي واخترقت اللحظة، ثم اختفت، اختلـج بهـا قلبه فأوجعته، وجـه أمه أطل من زاوية الحجرة الخارجية وأخذت تعبر الحوش … "( ص 10).

        " وتذكر فجأة وهو يعبر بين جمع النساء ليصل إلى أمه ويأخذ منها المفتاح، وتمد المرأة الشابة يدها وتجذب بنطلون البيجاما إلى أسفل، معرية إياه أمام جمعهن ……. قالت الشابة: انظرن، ها هو قد أصبح رجلاً " وصاحت امرأة أخرى متظاهرة بالغضب: " هل أعجبك الوقوف بيننا وأنت هكذا، هيا امضي ".( ص 16)

        كأنه هنا، من خلال الذاكرة، يقف على الأطلال ويتذكر الأحبة، يتذكر أمه ونساء القرية وإيقاع المهباش فيها، وربما جاز لنا أن نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ونقول إنه يرى نفسه امتداداً لامريء القيس، وإذا كان الأخير في معلقته قال:

كلانا إذا ما نال شيئاً أفاته

ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل

فإن خالداً الذي كان له أم أفاتها وغدت أحواله في الغربة صعبة وقاسية. وكما يتذكر امرؤ القيس النسوة وعطرهن، يتذكر خالد نسوة القرية وعطرهن أيضاً، بل ويتذكر أيضاً صهيل الخيول الأصيلة وهي تدق الأرض بأقدامها واقفة في الحوش الواسع المسور(ص 8 )، لكان أجواء قرية خالد لا تختلف عن أجواء امريء القيس. وقبل أن ينتهي هذا القسم بأربعة أسطر نقرأ:

        " كانت الطربيزة الخشبية – السوداء على يساره، وعلى الفور، وعيناه على الطفلة أخذ يدق الإيقاع. كانت لوعة الذكرى تعصر قلبه "( ص 20).

        يقود هذا القسـم إلى القسـم الثانـي " أغنية العبيط "، وتكون هذه الأغنية هي الذكرى التي تعصر قلبه- قلب خالد. يتذكر هنا خالد أجواء قريته أيام الأعراس. يتذكر أمه وطفولته والديوان والرجال والأبله عطوة- لعله هو – ترسل إليه أمه حين يختفي ليعود إليها، يخفي رأسه إلى الأمام ويخبط الأرض بقدمه اليمنى …. مؤقتاً حركة جسده مع دقات المهباش، وهو يقول:" جرن عمي أبو رحل يقول: بياع البيارق طل، بياق البيارق طل، بياع البيارق طل " ( ص 24 ).

هذه هي أغنية العبيط.

هنا يمكن أن نلاحظ صلة هذا القسم بالذي سبقه. كان وهو في البيت يدق على الطرابيزة، وكانت الطفلة كوثر ترقص. ويوم كان في القرية سمع إيقاع المهباش وكان الطفل / الأبله / العبيط يرقص. لكان القسم الثاني هو أطلال خالد التي يبكي عليها يوم غدا كبيراً. ثمة حركة تذكر بحركة، وثمة رقص يذكر برقص، وثمة طفلة تذكر بطفل، بل وثمة ضحك يذكر بضحك، فمقابل ضحك سلمى أم الطفلة نقرأ عن ضحك المرأة الجميلة ثرية( ص 24 ).

يدرج القسـم الثالث من الجزء الأول تحت عنوان " رثاء عائشة بنت طلحة "، وأول ما يثيره الدارس مـن تسـاؤلات هو ما صلة عائشـة بنت طلحة بما يقصه خالد الذي يقيم في القاهرة، في فترة تبدو غيـر محددة زمنياً بالضبط ولا نعرف الزمن الروائي إلا من خلال ورود أسـماء مثل ( نيكســون ) الرئيس الأمريكي. هنا نصغي إلى صوت خالد نفسه، ولا نقرأ كلام الراوي عنه، وهذا تحول في السرد يتكرر في القسم الثاني من الجزء الرابع " عزة تتحدث ".

يفتتح هذا القسم بالأسطر التالية:

        نمت، وأنا مفعم بعائشة بنت طلحة، قرأت عنها في كتاب الأغاني، وفكرت وحلمت بها كثيراً قبل أن أنام …….. ".

و

        " في الليل نبهني رعب أصم لا مصدر له. صحوت، وعلى التو تذكرت أن عائشة لم يعد لها وجود. لقد تحول ذلك الجسد الباذخ المتوقد بالحيوية والرغبة والحب إلى تراب وعظام نخرة هشة … " ( ص 25).

        لكأن ثمة علاقة بينه وبين عائشة انتهت بالفقدان، وهذا ما جعله يرثيها ويقف على أطلالها. هنا يمكن أن نلحظ الصلة بين ما يرد تحت عنوان هذا القسم وعنوان الرواية, ولكننا أيضاً يمكن أن نلحظ ما هو أكثر من ذلك. يورد أنا المتكلم / خالد قصة عائشة بنت طلحة وغيرها مع الرجال في زمنها، ويأتي على جمال هذه وفحولة زوجها في الفراش، ويذكر قصة ضرتها رملة بنت عبد الله بن خلف، وتتشهى الأخيرة جسد عائشة، ومع أنها دفعت ألفي درهم لجارية عائشة حتى مكنتها الجارية من رؤية جسد عائشة، إلا أنها تمنت لو أنها دفعت أربعة آلاف درهم ولم تره – أي جسد عائشة – فقد ذكرها جسد عائشة بما هي عليه من شيخوخة حتى قالت: " ماذا أبقت الأيام مني؛ وأخذت تقاوم عامل الفناء بكل وسيلة، ولكنها وهي ترى جسد عائشة الفاره، وتلك الأنوثة العارمة الممنوحة لزوجها أدركت أنه لم يبق لها أمل. وينتهي هذا المقطع بالسطرين: " لقد أصبحت مع الموت في مواجهة مباشرة، فأطلقت صرختها البائسة: لوددت أني لم أرها " ( ص 32 ).

        إن هذه الصرخة هي من باب الوقوف على الأطلال وبكاء الأحبة / بكاء الجسد.

        وربما يتساءل الناقد وهو يقرأ هذا القسم والقسم الذي يليه إن كان غالب هلسا ملماً، وهو يكتب نصه، بخصائص النص المكتوب،  وهو، كما ورد تعريفه في " دليل الناقد الأدبي(17) " نص مفتوح  ما بعد حداثي، كتب حتى يستطيع القاريء في كل قراءة أن يكتبه وينتجه. وهو يقتضي تأويلاً مستمراً ومتغيراً عند كل قراءة … ومن سماته أنه يتألف من مقتطفات ومرجعيات وإحالات وصدى أصوات مختلفة ومن لغات ثقافية متباينة … ".

        ويبدو القسم الرابع قابلاً لتأويلات عديدة، ويبدو وكأنه لا صلة له بالرواية إلا من خلال تذكر الراوي قصة الراسبي التي تبدو مثالاً يتطلع إليه المثقف المعاصر(18). تختلط في هذا القسم الأزمنة، زمن الراسبي، وزمن الراوي/المروي عنه إذا ذهبنا إلى أنهما شخص واحد.

        أبو الوازع الراسبي مفكر من مفكري الخوارج يدرك أن لا بد من حمل السلاح لتحقيق العدل ويسخر منه الصيقل الذي يحارب مع الخوارج لكي يعيش على الرغم من عدم قناعته بما يقدمون عليه، ويقتل الراسبي الصيقل الذي لا يظن أن المفكر يمكن أن يقتل. ويسلك نافع بن الأزرق الذي كان ينظّر ولا يفعل، يسلك سلوك الراسبي فيحارب ويموت. إن القصة يلخصها العنوان " الراسبي يشتري الجنة "، ولكن السؤال الذي يلح على القاريء هو: ما صلة هذا القسم بعنوان الرواية؟ هل يدعو الراوي أو البطل إلى ضرورة أن يسلك المثقف المعاصر مسلك الراسبي ونافع بن الأزرق، وألا يظل موضع سخرية من المقاتلين الذين يرون أن المثقف حين يحمل سلاحاً يبدو منظره مضحكاً؟ إذ ما الذي سيفعله بهذا السلاح؟ هل كان غالب هلسا يرى في الواقع شخوصاً على شاكلة الراسبي ونافع؟ هل كان هذان قناعين ليس اكثر؟ إن الدليل على هذا يبدو واضحاً في العبارات التي ترد على لسان السارد،  حيث يسقط هذا كلمات معاصرة على سلوك الراسبي وابن الأزرق، وهو ما يبدو، على سبيل المثال، في قول السارد:

        " كيـف يعالـج المثقف ذلك الخلاف القديـم بين النظر والعمل، بين الكلمة والفعل " ( ص 34 ) و " وأدرك – نافع بن الأزرق الأكذوبة التي تتخفى وراءها " خدعة اللحظة المناسبة " فاستبدل بلسانه صارماً وقامت حرب الطبقات " ( ص 36 ). إن  عبارة حرب الطبقات عبارة معاصرة، ولا أظن أن المؤرخين  القدامى استخدموها، ولا أظن أن نافع بن الأزرق والراسبي كانا يمهدان لحرب طبقات، ولربما يمكن  التساؤل: هل وقفة هلسا أمام قصة الراسبي ونافع بن الأزرق هي ضرب من الوقوف على أطلال الماضي، على فكر الماضي؟ وسنلحظ أن الراوي يعود في صفحة 140 من الرواية ليذكر الراسبي.

الجزء الثاني

          يفتتح الجزء الثاني بعنوان فرعي هو الوقوف على الأطلال، ويبدو ذا صلة واضحة بالعنوان الرئيس للرواية. إن الوقوف على الأطلال قد يؤدي إلى البكاء، وهو ما سنلحظه في القسم الثاني حيث العنوان هو البكاء على الأطلال الذي هو عنوان الرواية الرئيس، كما أشرت غير مرة.

        ويثير المرء وهو يقرأ العنوان أسئلة عديدة أولها: من هو الذي يقف على الأطلال هنا؟ وبخاصة أن القسمين الثاني والثالث من الجزء الأول، كما لاحظنا، يدوران حول شخصيات تاريخية منتزعة من الماضي البعيد حيث كانت عادة الوقوف على الأطلال في الشعر ما زالت قائمة. هل الذي يقف على الأطلال هنا هو شاعر جاهلي أم شاعر إسلامي أم شاعر أموي، أم أنه شاعر عباسي يقف على الأطلال ليسخر من الذين وقفوا عليها؟ ومن الأسئلة التي يمكن أن تثار أيضاً السؤال التالي: هل سأقرأ رأياً عن ظاهرة الوقوف على الأطلال، كما قرأت قبل قليل عن عائشة بنت طلحة والراسبي؟

        يجيب جسد النص عن الأسئلة، ويزيل اللبس الذي قد يتشكل من القراءة الأولى، وحين يشرع المرء في القراءة يقرأ لسارد يروي عن آخر يقيم في مصر، ويتذكر هذا الأخير، وهو خالد طبعاً، ما حدث له في طفولته مع الراعية البدوية. إنه في مصر يقف على أطلاله الخاصة. ويتكرر الفعل يتذكر هنا، كما في الرواية، مراراً:

        " يسـتعيد ما حـدث مع الفتاة البدوية، يصوغه من جديد محولاً إياه إلى حلم يقظة ". ( ص 46 ).

        يتجدد حلم اليقظة وقد أخذ مساراً ثابتاً. إن زمن اللقاء الذي لم يتم مع الفتاة البدوية سيظل دائماً يجد منفذاً إلى أحلام اليقظة " ( ص 46 ).

وقبل هذه:

        " يتذكر الآن بدهشة أن وجهها كان غامضاً، رغم أنها كانت تنفجر بين آن وآخر بالضحك، ثم ألقت بالعصا بعيداً وأحاطت جسده بذراعين قويين، وأخذت تضغط ثم قبلته … " ( ص 45 ).

        وليس اسـترجاع الطفولة مقتصراً على علاقته بالفتاة البدوية، إنه، في وحدته الحالية، يسـترجع أجواء القرية، ويسـاعده على هذا شـرب الروم وتناول القهـوة التي تذكره بالقهوة في قريته:

        " الروم يفتح مسارب مغلقة في صدره وطعم القهوة عتيق أليف. انفعاله تحول إلى إيقاع … كان ذلك الإيقاع القديم. تعود إليه الدار ومجلس الرجال ( حكايات الفرسان والحب والأشعار ولحن الربابة وأصوات النساء ثرية منغومة ( حكايات الرعب: الأشباح والأرواح الشريرة ونذر الموت ). ( ص 44 ).

        وهنا، وهو يغلي القهوة في منزله، يتذكر، وهو يرى فقاقيع الماء، أبا نواس وأشعاره. ونعرف جيداً أن أبا نواس شـاعر اقترن اسـمه بشـرب الخمر والسـخرية من الذين يقفون على الأطلال.

        يقود عنوان " الوقوف على الأطلال " إلى العنوان الرئيس " البكاء على الأطلال ". ويوضح هذا العنوان ما لم يفصح عنه العنوان الأول بجلاء. إن الوقوف على الأطلال لا يبعث السـعادة لدى الواقف عليها، وإنما يسـبب له البكاء. وفي نهاية : البكاء على الأطلال " يقول خالد: " لم يعد هذا العالم عالمي ". ثمة فقدان وثمة خسـارة والسـؤال هو: لماذا لم يعد هذا العالم عالمه؟

        نقرأ تحت هذا العنوان عن خالد وعلاقته بعزة ونادية. وكان عرف الثانية قبل أن يعرف الأولى، وكلتاهما مثقفتان. وكلتاهما يمارس الحب معهما، ولكن ثمة فرق بينهما، فعزة تمنحه الجسد ولا تمنحه المودة والحنان، وكانت نادية تمنحه هذين، ويحاول باستمرار أن يشرح لعزة أن الحب ليس الجنس فقط إنه أيضاً المودة والحنان. وعالم عزة هذا يذكره دائماً بنادية التي كان عرفها في الخمسينات.

        وتبدو نادية أكثر جرأة من عزة. حين يسير مع عزة طالبة الأدب الإنجليزي ويقترب المساء تتركه ولا تدعوه إلى منزلها، أما نادية فكانت أكثر جرأة، وكانت تدعوه إلى بيتها، وهذه كانت أكثر صمتاً، في حين أن عزة تبدو ثرثارة.

        ويتذكر خالد هنا معارك قناة السويس عام 1956: " يحاول أن يستعيد إحساسه بالواقع ولكنه ينفلت منه، يتسرب الميدان وحشد الطلبة إلى ذلك المعسكر البعيد في منطقة القنال. " هل يعود للحياة بعد ذلك الموات الطويل ؟ " ( ص 51 ). إنه هنا يتذكر، بعد مرور عشر سنوات على الأحداث، عالم النشاط والفعل والمقاومة، وهو عالم يغاير عالمه اليوم حيث يبدو عالم اليوم عالم موات طويل.

        وسنجد  الفعل " يتذكر " أو " يفكر في " يتكرر هنا مراراً. إن الذكرى حاضرة حضوراً لافتاً، ولأن الماضي يبدو في نظره أجمل من الحاضر نجده يبكي ماضيه الذي هو أطلاله.

        هل يختلف تذكر خالد نادية عن تذكر امريء القيس أم الحويرث ؟

        يفتتح القسم الثالث " الشعور بالذنب " بعبارة ويحاول ألا يتذكر ذلك، ولكنه يلح عليه " ( ص 57 ). وما يتذكره يولد لديه الشعور بالذنب. يتذكر ابتداءً رحمة التي عاشت معه في شقته دون زواج، وكانت عرفت رجالاً، من قبل، لكنها ارتاحت إليه ووافقت على أن تكون علاقتهما حرة دون رابط شرعي. وكانت هذه التي علمها قراءة الروايات البوليسية لا تحب أصدقاءه الذين يزورونه في شقته، لأنهم – كما تقول هي – لا يحاولون إشراكها في نقاشاتهم،  في حين، كما يقول السارد، كانوا يحاولون ذلك. وتكون علاقته بها علاقة جنسية، على الرغم من أعماله. وتغضب رحمة منه ذات يوم وتغادر شقته، ويراها بعد فترة، وقد تحولت إلى مومس تقريباً. هنا يشعر بالذنب.

        " كان يحكي قصة رحمة لكثيرين ويصغي لتعليقاتهم بشغف، ساعياً لإزالة شعوره بالذنب نحوها، وإذا بشيء يحدث أحلّ حباً جديداً في قلبه وأزال كل أثر لرحمة " (ص 71).

        وتكون قصة رحمة التي رواها لعزة فاتحة علاقة جديدة مع هذه. تحت هذا العنوان نقرأ أيضاً عن علاقة المروي عنه / خالد بامرأة ثانية أقامت فترة في لبنان مع رجل خدعت به، وتحولت إلى مومس فاضلة – وهذه الفكرة شغلت تفكير غالب هلسا وكتب دراسة عنها نشرها في أحد كتبه -(19)، وتحن هذه المرأة، وهي معه، تحن إلى لبنان. يغدو لبنان فردوساً مفقوداً تتمنى أن تعود إليه. وهي تصنع الشاي في الشقة، على البوتوغاز، تتذكر الشاي وهي تصنعه، في لبنان، على الحطب:

        "  تتذكر ذلك البيت ونار الحطب والعاصفة والثلج. ترغب بجنون أن تعود إلى ذلك المكان، تريد أن تعود إلى ذلك، سـوف تفعل ذلك بقيناً، ليس مع ذلك الآخر، ولكن معه هو " ( ص 75 ).

        وأما المروي عنه الذي تقيم في شقته وحيداً فيتذكر هذه المرأة: " كانت تستطيع أن تحلم كطفلة. يتذكر الآن، وهو يتلوى على السرير بشوق مخبول إليها، يتذكرها جالسة على طرف الكنبة في شقته، وقد تركزت عيناه على ركبتيها العاريتين، يتذكر الخجل والإرباك …" ( ص 74 ).

        ويبدو أن تتبع كل قسم من أقسام الرواية وتبيان صلة السرد الذي يندرج تحته به وصلة هذا بالعنوان الرئيس، يبدو استطراداً، ولكن يمكن الوقوف بإيجاز أمام ثلاثة عناوين فرعية وتبيان صلتها بالنص:

1-  البحث عن جمال الدين الأفغاني.

2-  جملة اعتراضية

3-  عزة تتحدث.

الجزء الثاث:

        يرد ذكر اسم جمال الدين الأفغاني في العناوين الفرعية ثلاث مرات في الجزء الثالث " البحث عن " و " مواصلة البحث عن " و " لقاء مع … "، وربما يثير المرء هنا السؤال الذي  أثاره وهو يقرأ مقطعي " رثاء عائشة بنت طلحة و " الراسبي يشتري الجنة " وهو: ما صلة جمال الدين الأفغاني بالرواية التي تتحدث عن مثقف معاصر يعيش في قرن غير القرن الذي عاش فيه جمال الدين الأفغاني "(20).

        يطلق اسم جمال الدين الأفغاني على مقهى من مقاهي مدينة القاهرة. ويتساءل القاريء عن السبب الذي يدفع خالداً للبحث عن الأفغاني، علماً بأن هذا ميت إلا في الكتب، وبالتالي فإن البحث عنه حياً يبدو مستحيلاً إلاّ إذا كان هناك شخص آخر اسمه جمال الدين الأفغاني ما زال على قيد الحياة.

        حين يغادر خالد باحثاً عن الأفغاني يكون في بيت صديق يعامل طفلته كوثر معاملة مهينة. فهل بحث عن الأفغاني لأنه شكل ظاهرة متقدمة في مجتمع متخلف؟

        يتصور خالد، وهو في المقهى، الأفغاني يخاطب المصريين ليحرضهـم على واقعهم: " إلى متى تظلون نياماً أيها المصريون! انهضوا من سباتكم الثقيل الكئيب الذي استمر عشرات القرون " ( ص 140 ).

        جمال المفكر يرسـم له المصريون في المقهى الصورة التالية:" الرجل العجوز يتذكر بالطبع سي جمال الدين الأفغاني، طبعاً يتذكره يشـرب في الليلة زجاجة ويسـكي كاملة ويأكل خمسين عصفوراً مشوياً، ثم يتعشى بعد ذلك. قبل أن ينصرف يضع في يده خمسة وعشرين قرشاً، ربع جنيه عندما كانت العشر بيضات بقرش تعريفة. كان – رحمه الله – راجل فنجري " ( ص 139 ).

        وتجلس على المقهى نفسه، مقهى جمال الدين الأفغاني، امرأة يغازلها الآخرون، ويتبادلون معها النكات البذيئة، وترد على عباراتهم بأخرى أبذأ منها. غدا الأفغاني أطلالاً، ماضياً يحن المرء إليه،  وبخاصة المثقف الجاد خالد، غدا الأفغاني أطلالا أمام الواقع البائس. وحين يرى خالد هذا يغيب عن الشارع " يعلو ويعلو ويبتعد " ( ص 146 ).

        يزور خالد المقهى ثانية، ويجلس ويرى " الفوران الفوضوي لعالم معقد أشد التعقيد، فيتولاه حسٌ فاجع بالعبثية وفقدان المعنى. كان له هو إيقاع مختلف، إيقاع بسيط ……… لذا اشتاق إلى ماض من قريته جعلته الذكرى ذهبياً، وإلى ماضي تعرف عليه من كتب التاريخ … اشتاق إلى عالم لأنه أصبح ذكريات قديمة، شاحبة،  مستسلمة .. " ( ص 166 ).

        هكذا يدفعه الحاضر الذي لا ينسجم فيه إلى تذكر عالم الطفولة البسيط، كما يجعله يتذكر ماضياً عرفه من خلال الكتب، هو ماضي جمال الدين الأفغاني الذي قرأ عنه، وهو جالس مع عزة – يتذكر جلسته – يضحك ثم:

        " يكتم ضحكته، فالشيخ جمال الدين هنالك، جالساً خلف باب المقهى الزجاجي، محاطاً بمجموعة من المطربشين المعممين. الجميع صامتون، ساكتون كأنهم تماثيل " ( ص 168 ).

        وتبدو صورة جمال الدين وتلامذته مغايرة كلياً لما يراه خالد الآن. يتكلم جمال ويصمت الآخرون يصغون، أما المكان الآن ففيه فوران فوضوي لعالم معقد. ويحاول خالد أن يجعل عينيه تلتقيان بعيني واحد من جماعة جمال الدين فيفشل، فالوقت لم يحن بعد للانضمام إليهم. إلا أنه حين يهدأ الليل يكون ذلك مناسباً تماماً. ( ص 168 ) وتخاطبه المرأة التي يلتقي بها في المقهى.

        " - نم يا ابني نم. لم تكد تعيش. جف ماء الحياة منك. أنت جيفة تعيش على الذكرى. لم تكد تذوق طعم التجربة الحقيقية " ( ص 171 ).

        هل البكاء على الأطلال، إذن، ظاهرة لها وجهان: إيجابي وسلبي ؟ وهل يذكرنا العنوان بامريء القيس وأبي نواس معاً؟ وقف الأول على الأطلال وذم الثاني هذه العادة. يقف خالد على الأطلال، ويتذكر جمال الدين، وتنعى المرأة حالته لأنه لم يكد يتذوق طعم التجربة الحقيقية. لكأن خالداً امتدادٌ لامريء القيس والمرأة امتداد لأبي نواس. وكما ذكرت فإن البحث عن جمال الدين الأفغاني المفكر في عام 1966 يبدو أمراً مستحيلاً إلا إذا أراد أن يبحث عنه في الكتب، وسيبدو اللقاء معه مستحيلاً إلا من خلال الخيال.

        يتكرر عنوان " جملة اعتراضية " مرة في الجزء الثاني، ومرة في الجزء الثالث، ومرة في الجزء الرابع. وأول ما يتبادر إلى الذهن، حين يقرأ المرء العنوان منفصلاً عن الرواية، هو أن القاريء أمام فصل من فصول النحو. فالجملة الاعتراضية لا محل لها من الإعراب، ونحن عرفناها من خلال كتب النحو. ولكن ذهن القاريء سرعان ما ينصرف عن هذا حين يقرأ ما أدرج تحت العنوان.

        يسرد الراوي هنا ما حدث مع خالد وهو جالس في صالة فندق شبرد. تدخل امرأة تبدو لافته، وينظر إليها خالد ويقيمان معاً علاقة عابرة. يرى المرأة في المرة الأولى جميلة، ولا يراها كذلك في المرة الثانية. يراها في المرة الثانية امرأة عادية. تكون هذه المرأة على علاقة مع رجل، ولا تكون العلاقة  ودية، ولهذا تفكر في إنهائها. ولا يختلف حال خالد. هو أيضاً يقيم علاقة مع امرأة يفكر في إنهائها. ويكون اللقاء بينهما عابراً، فكأنه جملة اعتراضية في حياة كل منهما.

        إن هذا اللقاء لخالد " مثل حبه لعزة، وقبلة الفتاة البدوية، ومشهد الإعدام في سجن عمان المركزي، ومثلما تعيش في داخله شخصيات أبي الوازع الراسبي، ناتاشا ( الحرب والسلام )، سوان ( البحث عن الزمن الضائع ) … " ( ص 113 ).

        كان حبه لعزة عابراً، وكانت قبلته للفتاة البدوية عابرة، وكذلك كان مشهد الإعدام في سجن عمان المركزي مشهداً عابراً … الخ. هذه كلها كانت في حياته مثل الجمل الاعتراضية التي غالباً ما تكون عابرة. ومثل هذه كلها كانت المرأة التي التقى بها في صالة فندق شبرد. ويدرك القاريء أن المقصود  بالعنوان " جملة اعتراضية " ليس مدلولها النحوي. إنه أحداث عابرة مؤثرة (21).

الجزء الرابع:

          يوحي عنوان " عزة تتحدث – بانطباع أننا سنقرأ كلام عزة ونصغي إلى صوتها، وهذا ما يكون. لا يعمد واضع العنوان إلى الإيهام، ويكون الكلام هنا لعزة لا للسارد الذي يظل مهيمناً على السرد، باستثناء القسم الثالث من الجزء الأول، حيث يتم السرد عبر الضمير الأول، لا عبر الضمير الثالث كما هو الحال في الرواية كلها. ولكن إذا ذهبنا إلى أن الراوي والمروي عنه هما شخص واحد، عرفنا أن تغير أسلوب السرد لا يتم حقيقة إلاّ في المقطع الأخير " عزة تتحدث ". وإن لاحظ المرء أن تغيراً طفيفاً بدا في المقطع الخامس من الجزء الثاني " جملة اعتراضية "، إذ يوجه السارد الخطاب لمروي له، ونجد أنفسنا هنا أمام مخاطِب ومخاطَب.

        تقص عزة عن علاقتها بأمها وأخيها عادل والحالة المرضية التي ألمت بها. وتخبرنا عن دراستها ورسالة الماجستير التي تعدها عن ( جراهام جرين ). تغادر عزة منزلها إلى الكازينو، وهناك تلتقي بخالد بعد انقطاع ثلاث سنوات. في المنزل يفتح خالد غطاء الحلة فينفتح غطاء الماضي. ويعودان إلى سابق عهدهما. يتطارحان الغرام ثم تغادر إلى منزلها وهناك تذهب مع أخيها عادل إلى بيت صديقته عواطف. تتأمل عزة جسد عواطف، فيتوقف الزمن و " تعيد الشباب والذكريات والماضي كله " ( ص 210 ).

تقول عزة:

        من المستحيل ألا أتذكر سبعة آلاف عام تصب في هذا الجسد كل جمال الأنثى وتاريخها السري العريق ".( ص 210 ) وتتذكر تمثال الملكة تي، وهي تجلس بجوار زوجها، وقد مالت بردفيها نحوه في  إغواء لعوب … وتعلم أن هذا الجسد الشامخ الفاجر يخفي صلابة ابنة الشعب التي شقت طريقها نحو القمة بمجهود خارق، ويخفي أعظم مبادئ الإنسانية التي لقنتها لابنها أخناتون، ومن بعد ذلك أغوته وجعلته يتزوجها ويهجر  نفرتيتي " وتعقب عزة: " وأصرخ بهما دون صوت " وأنا أيضاً، وأنا أيضاً " ( ص 210 )، وتتحول الصرخة إلى كلمات تملؤها بالاعتداد: " وأنا أيضاً وارثة ذلك التاريخ العريق والأرض " ( ص 210 ).  ويذكرنا هذا بما كتبه هلسا حين رأى في ابن كليب امتداداً لما في الأسطورة الإغريقية.

        ربط خالد ابن البادية بين طفولته وما جرى معه وما جرى مع امريء القيس، وعزة ابنة مصر تربط بين جسدها والملكة التي عاشت منذ سبعة آلاف عام. لكأن ثمة ما هو مشترك بين خالد وعزة، بل بينه وبين شخصيات أخرى في الرواية. كل واحد يحن إلى الماضي ويبكي عليه. وربما يربط قاريء الطبعة الأولى للرواية بين ما تقوله عزة وصورة الغلاف التي تبدو وجه تمثال مصري فرعوني.

الخلاصة:

        يلحظ قاريء الرواية أن خالداً الشخصية الرئيسة يبكي دائماً ماضيه ويحن إليه، ولا يقتصر هذا عليه فأكثر شخصياته، إلاّ ما ندر، يحن إلى ماض مفقود ويبكي عليه. ولا يقتصر هذا على الشخصيات المعاصرة، فرملة حين ترى جسد عائشة بنت طلحة تتذكر جسدها وهي شابة وثرية. وإذا كان لويس أراغون قال لكل واحد غرناطتُه التي يبكي عليها، فإن قاريء الرواية يخرج بانطباع مماثل للانطباع الذي شكله أراغون، وهو لكل شخصية من شخصيات الرواية أطلالها التي تبكي عليها. ولعل المرء وهو ينتهي من قراءة الرواية يخرج بانطباع مغاير للانطباع الذي يخرج به حين يلقى نظرة أولى عابرة على عناوينها الفرعية. ولئن كانت النظرة الأولى تدفع المرء إلى التساؤل إن كان هناك صلة بين هذه العناوين، فإن القراءة الفاحصة تقول له غير ما تقوله القراءة الأولى، وهكذا فإن الرواية ليست فصولاً لا  رابط بينها. ثمة خيط خفي يكتشفه المرء يربط بين فصول هذه الرواية،  ويكون العنوان " البكاء على الأطلال " هو الملخص للأفكار التي اندرجت تحت العناوين الفرعية.

د. عادل الأسطة

26/10/2002

 الهوامش

1-  غالب هلسا ، أدباء علموني …أدباء عرفتهم، ( جمع وتحقيق ناهض حتر)، بيروت، 1996.

2-  السابق، ص 8 .

3-  السابق،ص 11 .

4-  السابق، ص 12 .

5-  السابق، ص 14.

6-  انظر مجلة فصول، زمن الرواية، ج2، ربيع 1993، ص 203 وما بعدها. وانظر :

-  د.إبراهيم خليل، الرواية في الأردن في ربع قرن 1968-1993، عمان، 1994.ص134.

-  د.إبراهيم السعافين، تحولات السرد: دراسات في الرواية العربية، عمان،1996.

-  نزيه أبو نضال، علامات على طريق الرواية في الأردن، عمان 1996.ص45.

7-  كنت نويت أن أكتب عن رواية الخماسين أيضاً.(رسالة إلى الكاتب جمال ناجي رئيس رابطة الكتاب الأردنيين بتاريخ 16/10/2002 ).

8-  د.بسام قطوس، سيمياء، العنوان، عمان، 2002.

9-  السابق، ص142.

10-  أشـار إدوارد الخراط إلى هذا مراراً. أنظر " ثلاثة وجوه لغلب هلسـا "، فصول، ربيع 1993.

11-  انظر ملاحظة 10، ونزيه أبو نضال ص 45 وما بعدها.

12-  اعتمد على الطبعة الأولى الصادرة عن دار ابن خلدون/بيروت،والإشارة إلى الصفحات في متن الدراسة تعتمد على هذه الطبعة.

13-  انظر دراسة على جعفر العلاق،  فصول، ربيع 1993.ص 269.

14-  الزوزوني، شرح المعلقات السبع، بيروت وعمان،1972.ط2.

15-  انظر مجلـة العلـوم الإنسـانية الصادرة عن كلية الآداب / جامعة البحرين، ع1، شتاء 1998، ص229 وما بعدها.

16-  السابق، ص 230.

17-  انظر: ميجان  الرويلي وسعد البازغي،  دليل الناقد الأدبي، بيروت، 2000، ص 182.

18-  أقصد هنا غالب هلسا نفسه، ففي المقالات التي نشرت عنه في فصول إشارات إلى أن غالب كان يدعو إلى حمل السلاح والمقاومة المسلحة.

19-  انظر كتاب غالب هلسا " قراءات في أعمال يوسف الصايغ وآخرين، بيروت، دار ابن رشد، د.ت،ص165 وما بعدها.

20-  عاش جمال الدين الأفغاني بين 1838و1897، وإذا افترضنا جدلاً أن خالداً كان يذهب إلى المقهى في عام 1966، فإن عمر العجوز الذي قال هذا الكلام يزيد عن الستين عاماً، وإذا عرفنا أن إقامة جمال الدين الكبرى في مصر امتدت بين 1871و1879، أدركنا أن عمر العجوز يربو على الثمانين عاماً،وسيرد كلام العجوز في متن الدراسة.

21-  ربما يجدر هنا التوقف أمام ص 194 من الرواية، حيث تخبرنا عزة أنها أخذت تكثر في حديثها من الجمل الإعتراضية، وغدت هذه حالة تلازمها، فهل تأثر الكاتب ببطلته ولهذا كانت ثلاثة عناوين من العناوين الفرعية، في الرواية، تحمل عنوان " جملة اعتراضيه ".

 

هل من سبيل لمرجعية النقد العراقي

الطريق،  السنة 71       2005    

شاكر رزيج فرج

القناعات التي ترسخت في عقول اغلب نقادنا, ان هناك ازمة نقد، لا في بلادنا فحسب بل والبلدان العربية كافة، ان لم يشمل - مما سمي - ببلدان العالم الثالث او المتنامي وقد تبدو هذه الحقيقة واقعة الا انها ليست الحقيقة المطلقة بدليل وجود محاولات جادة هنا وهناك لرؤى وافكار نقدية تكاد ان تؤسس اتجاهاتها وفق خصوصياتها التاريخية والاجتماعية والثقافية, واذا كان الفشل قد اصاب معظمها، وإن توقف بعضها عند حدود معينة، فإن عوامل موضوعية وذاتية قد القت بظلالها، ادت بالتالي الى وأدها.

ان نظرة موضوعية الى ما جرى في بلادنا, يمكن تحديد ثلاثة مستويات او محددات, تؤشر اوضاع النقاد (وبشكل متطابق او متقارب في منطقتنا العربية والعراق بوجه خاص).

ان بعض الاسباب يمكن تشخيصها بسهولة والتي تعتبر من المثبطات والحواجز التي حالت دون مواكبة الاتجاهات النقدية الحديثة وهي ما يتصل بالإشكالية الثقافية في اوضاع الانظمة الدكتاتورية وغياب الديمقراطية وتهميش دور منظمات المجتمع المدني (كمرتكزات لا غنى عنها في دمقرطة المجتمع, اي مجتمع), ولعل ما مر به نقادنا في ظل مثل هذه الاوضاع كفيل برؤية الحقيقة واضحة, فالسلطة عندما تشهر سوطها بانتظار كل من يريد الخروج عن دائرتها لتجلده, يلازم الكاتب او الناقد او اي مبدع اخر (شرطي!!) داخل رأسه يترصده, واذا اضفنا الى كل هذه القضايا النشر والاعلان وحجب المعلومات وتحريم استخدام بعض الوسائل السمعية والمرئية وما يتصل بالاوضاع الاقتصادية فان الصورة تكتمل بأبشع صورها.

ان نظرة موضوعية الى ما جرى في بلادنا, يمكن تحديد ثلاثة مستويات او محددات, تؤشر اوضاع النقاد (وبشكل متطابق او متقارب في منطقتنا العربية والعراق بوجه خاص).

الاولى النقاد الذين لم يبرحوا مكانهم وما كان عليهم التوقف, فقد تمكن منهم فايروس الابداع!! فلم يجدوا لهم خلاصا او سبيلا غير المضي دون ونية لترسيم رؤاهم على الورق, لقد واجه هؤلاء النقاد اقسى جلمودة, استطاع العديد منهم ان يدق بازميله انفاقا بين ثنياها للوصول الى مبتغاه, ورغم ان الكتابات النقدية الجادة كانت محدودة الا انها استطاعت ان تقول شيئا؛ حصنها من المساءلة تناولها لمواضيع بعيدة عن السياسة والافكار المضادة لفكر السلطة او التي تؤول لغير صالحها, ولهذا كان الناقد العراقي مبدعا في منحيين، الكتابة النقدية وآلية اختيار المفردة والجملة والفكرة والاسلوب (اللولبي!!) لاختيار الموضوع, مع الاقرار ان هناك عددا من النقاد الذين وجدوا انفسهم وسط الموجة سائرين في ركابها قارعين على طبل الصفيح, لاسيما اولئك الذين كتبوا عن ما سمي بـ(ادب الحرب).

وفي المقابل كان هناك النقاد الذين تلقفتهم مدن اللجوء واوجرت فيهم الغربة والتشرد والحرمان بعيدا عن الوطن والاهل والاصحاب وما تركته تلك الاوضاع من تأثيرات نفسية ومعاناة قاسية وجدت لها مساحة واسعة رحبة في كتاباتهم وما نشر لهم من مقابلات واراء وحوارات إلا دليل بيّن على ذلك الوضع المأساوي الذي عاشه اولئك المبدعون.

اما القسم الثالث فهم النقاد الذين صمتوا اكثر من ربع قرن ومن ثم عاودوا النشر في ظل الاوضاع الحالية حيث مساحة الحرية التي اتيحت بعد سقوط الدكتاتورية.

وباعتقادي ان مرور قرابة نصف قرن وفي ظل اوضاع غير طبيعية لم تتح من قريب او بعيد لظهور ملامح لمدرسة نقدية عراقية تأخذ على عاتقها مهمة التصدي لاتجاهات نقدية سادت في الثقافة الاوربية واخذت قسطا وافرا في الهيمنة على افكار العديد من النقاد العرب والعراقيين ايضا, ونظرة عامة لخارطة الاتجاهات العربية النقدية منذ بداية القرن العشرين يمكن اعتبار -روحي الخالدي- الرائدالاول للدراسات النقدية المقارنة وابراهيم المازني (الاتجاه الرومانتيكي) وعبد الرحمن شكري واحمد زكي ابو شادي وابراهيم العريض من البحرين بينما كان كل من طه حسين والعقاد واحمد امين يتنقلون ما بين التنويرية والاتجاهات الوضعية في محاولة للمثاقفة مع المدارس النقدية الاوربية بينما اتجه محمد مندور بما سمي بالمدرسة الجمالية التأثيرية ومن ثم النقد الايديولوجي، بينما كان جابر عصفور يتخذ من النقد- لعصر التنوير- مادته الاساسية متأثرا على ما يبدو بأفكار الفرنسيين بُعيد احتلال نابليون لمصر. كما تأثر كل من هشام شرابي والمرنيسي بالنقد الابوي(البطريركي) وانور عبد الملك ومنذر الكيلاني وحسن حنفي بما اطلق عليه نقد -الاستغراب- بينما تسيد الساحة النقدية العربية- النقد الماركسي- والبنيوية التكوينية وكان ابرز مريديها حسين مروة, محمود امين العالم, غالي شكري, نبيل سليمان, سيد البحراوي, سلامة موسى, لويس عوض, عمر فاخوري, والمغربيان محمد برادة ومحمد بنيس واللبنانية يمنى العيد وفريدة النقاش وعبد المحسن بدر واخرين بينما اختص كل من سيد قطب, عبد الباسط بدر, نجيب الكيلاني, الطاهر احمد مكي, عماد الدين خليل بالادب الاسلامي واخذ الاستشراق مساحة واسعة من اهتمامات ادور سعيد*

لقد كان اثر المدارس النقدية الاوربية واضحا على النقاد العرب، بشكل عام، مما طبع الى حد بعيد اغلب كتاباتهم بذات النفس المعرفي رغم ان الكثير منهم حاول ان يضفي على افكاره نوعا من الخصوصية المحلية وذلك الاتكاء على التراث والميثيولوجيا الشرقية والفلكلور والرؤى الذاتية, لكن كل تلك المحاولات لم ترتق لتكون لها مدرسة واضحة المعالم او تؤسس لها خطاً بيانياً متصاعداً.

فقد انتهت اغلب المحاولات تلك بموت او تخلي مبدعيها عنها او انها اصبحت من الماضي لعدم قدرتها على اللحاق بما كانت تقدمه المدارس الاوربية من افكار، لها مقبولية كبيرة لدى المهتمين بالثقافة عموما وبالنقد على وجه الخصوص.

صحيح ان بعض المدارس النقدية الاوربية مثل البنيوية قد اصبحت من تراث الماضي وان افكار اللغوي السويسري- فردينالد دي سوسير ورومان ياكبسون وغيرهم من مفكري وبناة- البنيوية- قد اصابها الشحوب, بل تخلى عنها معظم مريديها, والادهى اعلن عن موتها, الا ان هذه المدرسة قد مهدت لظهور عدد من المدارس النقدية الفاعلة, فقد انبرى جورج لوكاش وبييربور ديوولوسيان غولدمان واخرون على تأسيس ما عرف بـ(البنوية التكوينية) بينما تعتبر(التاريخانية الجديدة) مفرزا نقديا لما بعد البنيوية حمل رايتها- ميشيل فوكو وريموند وليامز ثم اصطف -فوكو- الى جانب -جاك لاكان- لنقد افكار فرويد النفسية ومحاولة تصحيحها بما عرف بنقد(التحديق) بعدها ظهرت (الذرائعية الجديدة) على يد ستيفن ناب ووالتر مايكلز, بينما عرف عن هايدغر, هوسيرل, غوبار, كاريه اتيامبل بنقاد الظاهراتية والوجود والادب المقارن, كما اهتم بالاستشراق كل من فلوبير, ميلفيل, ادغار الن بو.

واستحوذ ما سمي بالنقد- الانسانوي- على الراهب الهولندي ديسيدريوس والامريكي ادوارد تشيني ووليام غروسين وتوماس ليناكر, وفي ضوء مقولة سارتر (الوجودية انسانوية) ظهر في الساحة الادبية الاوربية ما عرف بـ(الانسانوية الماركسية) ومن ثم (الانسانوية الحديثة- سيلوية) نسبة الى كوبوس الارجنتيني والنقد النسوي والنقد الاستعماري والمرآة والاخر والجنوسة وليس اخيرا, المدرسة التأويلية -الهيرمنيوطيقيا- التي عنيت بتعيين وتحديد المعاني اللغوية في المنجز الادبي وتفكيكه لاجل تحليله واعادة صياغته من جديد وبحيث يبقى النص ما عناه المؤلف وليس المتلقي او الناقد, وكان لكل من دلثاي وهيرش وغادامير وكذلك هايدغر اسهاماتهم الثرة في هذا الميدان, ثم هناك جان ريكاردو (الحكاية والوصف تحاربان دون رحمة) في دراسته للرواية الجديدة.**

هنا لابد من الاشارة ان هذا الاستعراض السريع لبعض المدارس النقدية الاوربية لا يعني وجود فواصل تأريخية او فكرية او انها الوحيدة, بل ان هناك العديد منها تتداخل بعضها بالبعض, يبلغ احيانا حد التطابق الا في بعض الجوانب والزوايا, وبقدر ما يعنينا الامر, هو اعطاء الفكرة وصورة عامة لاتجاهات المدارس النقدية الاوربية, وهذه الصورة لم تكن -بالتاكيد- غائبة عن الناقد العراقي.

والسؤال الحيوي الذي نحن بصدده, اين يقف النقد والناقد العراقي من كل هذا؟ والى اي مدى بلغت تأثيرات المدارس الاوربية على مندرجات المبدع عندنا؟؟

ثم اما آن الاوان لمبدعينا وفي ظل اجواء الحرية النسبية- الان- البدء بمشروع تحت اي مسمى او شعار للملمة ما تشظى من الدراسات النقدية, تلك التي ركنت فوق الرفوف وعلاها الغبار او هذا الفيض الغزير الذي نراه اليوم وهو يملأ صفحات الجرائد والمجلات في صحوة (بركانية!!) لم تشهدها الساحة الثقافية من قبل؟؟

في البدء لابد من الاقرار ان الامر بالغ الصعوبة لا يمكن لاي جهد فردي ان ينهض به على الوجه الاكمل, فهو يحتاج الى ما يمكن ان تسميه بـ(مؤسسة) لانجاز مثل هذا المشروع!! والتي عليها باعتقادنا, البدء بجدولة تأريخية لنقادنا قد تمتد لاكثر من قرن انصرم, ومن ثم يصار الى دراسة منجزاتهم كل على حدة وتحديد الاتجاهات الرئيسية لكل واحد منهم.

ان الساحة الادبية تعج بالعديد من النقاد والكتاب والمؤلفين والمبدعين, والاوضاع الحالية تتيح للبدء بمشروع واسع على ان تلقي اعباء انجازه عليهم, وبما اننا نفتقد الى مرجعية او جمعية للنقاد يمكن لاتحاد الادباء والكتاب العراقيين ان يكون ضالتنا والمرجعية الاولى لذلك وباعتقادي ان تحديد اتجاهات -الناقد- تخضع لاعتبارات معينة, زمن التوثيق، النشر، الموضوع، الجنس النقدي، المدرسة النقدية، ...الخ، يرتأيه الناقد ويعتقد انه قريب منه.

* دليل الناقد الادبي: د. هيجان الرويلي, د. سعد البازعي (بتصرف)

** بعض الاسماء (المدارس النقدية الاوربية) مأخوذة من- القضايا الجديدة للرواية, جان ريكاردو ترجمة كامل عويد العامري.

 

قراءة نقدية لكتاب (دليل الناقد الأدبي)

الجزيرة الثلاثاء  29 أغسطس 2006 م   العدد  12388

د. حسن بن فهد الهويمل

أنجز الأستاذان الدكتوران (ميجان الرويلي) و(سعد البازعي) عملاً تتنازعه الموسوعية والمعجمية، ويختص بالمصطلح النقدي. وقد جاء في طبعته الأولى عام (1955م) متواضعاً إلى أقصى حد، ولكنه في طبعته الثالثة (عام 2002م) أخذ وضعه الطبيعي أو كاد، واستوى على سوقه في حدود ما أراداه له، لا في حدود ما يجب أن يكون عليه.
وبين الطبعات الثلاث مسافة لا تقاس بالزمن الذي لا يتجاوز سبع سنوات، لا من حيث الكم، ولا من حيث الكيف. فالطبعة الأولى تناهز المئتي صفحة، فيما تتعدى الطبعة الثالثة الأربعمائة صفحة، والمصطلحات في الطبعة الأولى بلغت الثلاثين، فيما نيفت على السبيعن في الطبعة الثالثة.
هذا على مستوى الكم، ولكن المسافة المهمة في الكيف، متمثلة في أسلوب العرض ومنهجه ودقة المعلومة ومعرفيتها، وتعدد المرجعيات، وتنوع انتمائها الحضاري، وإن كان مع كل ذلك دون المؤمل لسببين رئيسين:
الأول: اعتماد المؤلفين على الانتقاء الذي لا يحكمه ضابط.
الثاني: مراوحة الدراسة للظواهر والقضايا والمصطلحات بين التاريخية والوصفية، والإسهاب، والاقتضاب، دونما ضابط واضح، ولما كان عملهما يتساوق مع أعمال متشابهة، فإن المؤمل منهما تدارك ما فات السابقين، والبدء من حيث انتهوا.
والمؤلفان حين مالا إلى الانتقاء، وتهيبا الاستقصاء، لم يحددا حيثيات استدعاء المصطلح المنتقى، ودواعي إهمال ما سواه، فقد يكون المصطلح المعتنى به دون المهمل في الأهمية والضرورة، والانتقاء يجعلهما في حلٍّ مما طال سلمه، وصعبت مراقيه، وندت مواطنه. وحين لا يكون هناك ضابط للمصطلح المستدعى أو المهمل يصبح العمل مجرد خواطر، مع أن تناولهما يتسم بالعملية والتقصي والمرجعية. ولو أننا طبقنا علم المصطلح وآليته كما حددها (فوستر)، لأصبح العمل مجرد مقالات تطول وتقصر عن بعض الظواهر والقضايا الثقافية الحديثة.
ولأن عملهما يرتبط بمصطلح خاص، إذ لا يتعدى الحديث عن المصطلح النقدي المعاصر، فإن من واجبهما تقصي متطلبات المشهد النقدي واحتياجات الناقد المعاصر، الذي وُعِد ومنِّي بالدليل الذي لن يصل بالمدلول إلى كل غاياته ومطالبه. ولكي أؤكد على اعتباطية الانتقاء، أبدأ من حيث ابتدءا في (باب الهمزة). فلقد تحدثا عن أدبين: (الأدب الإسلامي) و(الأدب المقارن)، فيما صرفا النظر عن آداب أهم مثل (الأدب الوجودي) و(الأدب الماركسي)، وهما قد تحدثا عن (الآخر) بوصفه نقيض (الذات)، ولم يتحدثا عن (الذاتية). وفاتهما مصطلحات كثيرة ومهمة، مثل (نظرية التلقي) وعشرات النظريات في (السرديات) مثل (الميتانصية) و(تيار الوعي).
ولما كان الزمن (زمن الرواية) كما يحلو للبعض إطلاقه، فإن الأهم تقصي الظواهر والقضايا السردية، ولقد تنبها لطغيان المناهج والآليات والمذاهب، ومن ثم تجلت عنايتهما بالمصطلحات الأسلوبية، وهو اهتمام ينم عن وعي بمتطلبات الفترة. وإذ جعلا من نفسيهما أدلاء للنقاد، ولم يتواضعا، ويكتفيا بالقراء، فإن الدليل كالرائد، لا يكذب ولا يقصر. ولما لم يكن شك في صدقهما، فإن الشك كله في التمام. وتقصيرهما عن الايصال إلى الغاية المنشودة من تقصير القادرين على التمام، إذ بإمكانهما أن يتقصيا الأهم من المصطلحات، لأنها مطروحة في الطريق عبر عشرات الموسوعات والمعاجم والدلائل، وحين يأخذان بالانتقاء فإن الواجب وضع ضوابط، بحيث لا يتحدثان عن المهم، وينصرفان عن الأهم، أما حين يكون المعجم استقصائياً فالأمر جد بسيط.
لقد تحدثا عن مصطلحات مغرقة في علوم ليست ذات صلة وثيقة بالنقد، وإذ كان (علم النفس) قد توغل في النقد، حتى شكل مذهباً نقدياً تبناه (هازلت) واحتفى به (العقاد) من قبل و(عز الدين إسماعيل) وآخرون من بعده، فإن هناك مصطلحات نفسية، ذات صلة وثيقة بالعملية النقدية، لم يعرضا لها، فيما عرضا لمصطلح لم يخطر على بال أي ناقد أو مبدع ذلكم هو (مرحلة المرآة) ص230، ولما كان الأمر انتقائياً، فإن مثل هذا المصطلح لا يمكن أن يتقدم على عشرات المصطلحات المتبادلة بين (مناهج النقد) و(علم النفس).
ولست أعرف على أي أساس قام انتقاؤهما للمصطلحات، وما هي آلية الانتقاء أمام مئات القضايا والتيارات والظواهر؟ فهل قصرا اهتمامهما على الآليات أو على المناهج؟ أم امتدت نظرتهما الى الظواهر والمذاهب؟ وهل نظرا إلى المصطلحات المتنازع عليها بين المعارف والعلوم؟ وكيف فرق المؤلفان بين التيارات والظواهر والآليات والمناهج؟
أحسب أن المأزق الذي وقع فيه كثير من المصطلحيين خلْطهم بين الآلية والظاهرة. ف(التصويرية) و(التعبيرية) و(الرمزية) تختلف عن (البنيوية) و(التقويضية) و(التحويلية). ثم حين تناولا (ما بعد الحداثة والحداثية)، هل نظرا إلى الفعل النقدي أم إلى الابداع الأدبي؟ ولست أعرف ضوابط (البعديات). ولو أنهما في الاستهلال استوفيا طبيعة المادة، وطرائق التناول، ونظام الترتيب والأداء، وضابط الانتقاء لتيسر التعامل مع الدليل.
ولست أشك أن المؤلفين توخيا سد الفراغ المصطلحي بهذه المحاولة المعرفية الشحيحة، مع إمكان البسط، وقيام الحاجة الملحة إليه. وحين يقتصران على ما دون السبعين مصطلحاً، لا يسدان رمقاً، ولا يطفئان ظمأً. فالمصطلحات تتناسل ساعة بعد أخرى، وتعامل المطبقين الذين لا يعون المقتضى يزيد الأمر تعقيداً، وهي بتكاثرها تحمل معها إشكالية المفاهيم التي تتحول بتسارع غريب. وإشكالية المصطلحات بين النقل والترجمة والتعريب والنحت والاشتقاق والتركيب والاختراع، في ترك مفاهيمها وراء ظهرها في بلد المنشأ، واحتمال أرتال من المفاهيم التي تجد مع تجدد اللغة والثقافة وتعدد المتداولين، ويضاف إلى إشكالية المفهوم إشكالية الصياغة، وبخاصة حين يكون لكل مترجم حقه في الصياغة، والترجمة، والمتابع يحس بفوضى الترجمة والتعريب.
والمؤلفان حين لم يحددا ضابط الانتقاء، ولم ينتبها الى فوضوية الترجمة والتسمية يتحول الجهد التقريبي الى إشكالية. لقد تحدثا عن (التفكيكية) فيما جاءت مصطلحات (التشريحية) و(التقويضية) مثلما جاءت مصطلحات (الرومانتيكية) و(الرومانسية) و(الرومانطيقية) مترادفة، موهمة الاختلاف الجذري، والمبتدئون قد تتشابه عندهم المترادفات، وليس هناك من بأس في سياق الترادف وذكر أسبابه. و(البازعي) لما يزل يفكك (التفكيكية) الفرويدية، ونحن بانتظار ما ينتهي إليه، ولا شك أنه الأقدر على كشف خباياها، لأنه وسيط مؤتمن.
والمؤلفان اللذان تقلبا بين المرجعية الغربية، والاستعمال العربي، وراوحا بين التاريخية والدلالية والآلية والمقصدية، لم يكونا متحرفين لهذا التنوع، وإنما فرضته العفوية وتوفر المرجعية، وحين تقوم الحاجة إلى الرصد التاريخي لمصطلح من المصطلحات يعمدان إلى الحديث عن مفهومه، وإذا قامت الحاجة إلى المفهوم نزعا الى التاريخ. وكان بودي لو أنهما رسما منهجاً وخطة، بحيث وزعا التعريف بالمصطلح إلى مقاطع: المقطع التاريخي، ويتحدثان فيه عن بلد المنشأ، والبدايات، وعلى يد من نشأ المصطلح، وما جذوره (الأيديولوجية)، والمقطع المعرفي، ويتحدثان فيه عن حواضنه، أهي ثقافية أم فلسفية أم علمية؟ ثم المقطع التحولي، بحيث يتحدثان عن الترجمة أو التعريب، ومدى استيعاب الكلمة العربية للمفهوم والمقتضى الغربي، ثم المقطع الاستيعابي بحيث يتحدثان عن المتلقي العربي، ومدى قدرته على التمثيل تنظيراً وتطبيقاً. وليس هناك بأس من الإحالة إلى المراجع، لمن أراد التوسع، ولقد أحسنا في ذلك، حيث أحالا إلى المصادر والمراجع، وفي ذلك قطع لقول كل خطيب. نقول هذا، ونطالب بالتوسع، لأنهما التزما بما لا يلزم، وإلا فالمعجمة تتطلب لغة مكثفة مركزة، ولأنهما استعدا ليكونا أدلاء للنقاد. ولم يكتفيا بالقراء، والدال للناقد لابد أن يدله على ما جهل.
ولأنهما عولا على مصطلحات نقدية غربية، ومثل هذا التعويل يحملهما على الترجمة المباشرة من اللغة الأصيلة، أو اللغة الوسيطة المباشرة من اللغة الأصلية، أو التعويل على المترجمات العربية. ولأن التعويل غير واحد، وأن لكل معول عليه إمكانياته اللغوية والمعرفية ومواقفه، فإن المتلقي يتطلب تحديد المصطلحات المترجمة من اللغة الأصل أو اللغة الوسيطة. كأن يكون المصطلح نشأ في ألمانيا أو في فرنسا ثم ترجم إلى اللغة الانجليزية، ثم ترجم منها إلى اللغة الغربية. وتعاقب اللغات عليه يحوله من الأداء المعرفي إلى الأداء الثقافي، وكتب المعاجم لا يجوز أن تعتمد لغة الثقافة أو التحديد الانطباعي، لأن الأصل في المعاجم أن تكون ناقلة أمينة دقيقة حيادية.
 

مجلة الموقف الادبي استشهاد بالدليل

مجلة الموقف الأدبي -  العددان 415 تشرين الثاني 2005

اللغة والسياق الثقافي في الكتابة النسائية
د.رفقة محمد دودين - الأردن*

تعددت الدراسات الألسنية والنقدية التي نظرت في مفهوم اللغة ولم تصل إلى مفهوم ثابت ونهائي في تعريف‏

اللغة، وظل تعدد المعاني والدلالات هو السمة الأبرز لدراسات اللغة مما يجعل مثل هذا الموضوع في الدراسات اللغوية مفتوحاً على البحث والاستقصاء إلى ما شاء الله. على أننا لن نعدم تعريفاً أو عدة تعريفات للغة تشكل مهاداً نظرياً مناسباً يُعين في فهم مُطْلع لتمظهرات اللغة وجمالياتها في النصوص الروائية، ومن هذه التعريفات ما يرد في أدلة الناقد الأدبي ويرى: بأن اللغة أداة لإدراك المادة والذات، والإدراك لا يكون إلا بلغة ما.‏

فباللغة نعرف العالم وبها نبنيه، وبهذا لم تعد اللغة وسيلة لنقل الأفكار والمفاهيم القبلية، وإنما هي الأساس الفاعل المنتج لهذه المفاهيم التي تنتقل بواسطتها، واللغة نظام الدلالة بامتياز، وهي وسيلة التواصل والمعرفة ودلالتها لا تنفك قائمة في العلاقة بين الدوال" الوحدات الصوتية أو مجموعة حروف الإشارة، والمدلولات (الأفكار والمفاهيم)، واللغة (Langage) إمكانية كامنة بالقوة، وتوجد خارج النظام اللغوي وأجهزته، وتهيء لـه صنع اللغة كنظام قائم "Langue" مثل اللغة العربية أو الفرنسية، ثم الحدث اللغوي الفردي (Parole)‏

* أستاذة النقد الحديث في الجامعة الأردنية لها العديد من المؤلفات النقدية.‏

الذي يمارسه متكلم ما، واللغة كنظام هي مجموعة القواعد والقوانين المحدودة التي تهيء حدوث الممارسة الفعلية لعملية القول(1).‏

وقد عرّف سوسير اللغة بأنها نظام من الإشارات الصادرة عن الإنسان، وقيمتها تكمن في الفكرة المعبرة عنها، والإشارة اعتباطية،‏

وتعتمد على التواطئ والشيوع، واللغة هي المخزون الذهني الذي تمتلكه الجماعة، بينما الخطاب هو ما يختاره المتحدث من ذلك المخزون ليعبر عن فكرته(2)، واللغة هي مخزون الثقافة ومستودع خبرة الجماعة النفسية والاجتماعية والجمالية، فكل مفردة من مفردات اللغة مشحونة بشحنة دلالية معقدة ومتعددة الجوانب، والسياق النصي يوفر للفظ صلة هي المكونة للمعنى الدلالي، لأن المحيط الخارجي مساهم واضح في تشكل فضاء المعنى والبحث عن الدلالة في داخل النص(3).‏

أما النسق اللغوي فهو النموذج المعرفي السائد الذي تصبح من خلاله اللغة كياناً قوياً يهيمن على الإنسان ويسيطر على عواطفه‏

وأحاسيسه(4)، وعليه فإن اللغة أداة للتفكير وإدراك العلم وصياغته وليس أداة للتعبير عن هذه التجربة فحسب، فأي تجربة لا يمكن عقلنتها خارج اللغة‏

ومن غيرها، فاللغة في النص لا تعبر عن التجربة وإنما هي التجربة ذاتها، هي المعادل الموضوعي لها، ودون هذه التجربة لا يمكن الحديث عن تجربة خارجها(5).‏

إن الذي يحقق كينونة الإنسان بوصفه "أنا" هي اللغة، وفي اللحظة التي يدخل فيها الإنسان إلى عالمها يصبح فرداً أو رمزاً ضمن رموزها، وعندما تكون اللغة واعية أي تشترط وعي من يتكلم بها، فهي تنبجس عن اللغة المحلية، أو لغة القول الدارج، واللغة متعارف عليها حين تكون نفعية، ولكنها تنزاح إلى أثر جمالي بوصفها دوال تشير إلى مداليل أخرى تقع خارج الأطر القاموسية وقوانين المصاحبة المعجمية حين تكون لغة أدبية، من هنا تكتسب اللغة شرعية وجودها وتكتسب كينونتها بوصفها أنا ولا وعي بوصفها آخر(6).‏

إن اللغة كما يقول هايدغر بيت الوجود، وفي بيتها يقيم الإنسان، وهؤلاء الذين يفكرون بالكلمات ويخرجونها هم حراس ذلك البيت، وحراستهم تحقق الكشف عن اللغة، وقبضة اللغة على الوجود وقبضة الوجود على اللغة تعني تحققاتها عبر قنوات مختلفة ومتعددة، ومتى ما تحققت اللغة تصبح قوة تكشف وتظهر وتجلي، وتفتح تعدد المعنى عل غموض الذات، فالمحدد الذي نجده في اللغة العادية، هو حقيقة وقع المعنى المنتج في الخطاب(7) فعندما نتكلم نحقق جزءاً فقط من المدلول الكامن، والباقي يُمحى عبر المعنى الكلي للجملة الذي يعمل كوحدة كلام، ولكن ما تبقى من الإمكانيات السيماتطيقية لا يُلغى، بل يطفو حول الكلمات كإمكانات غير معطلة كل التعطيل، ويؤدي السياق مهمة المصفاة. حيث يمرّر بعداً واحداً خلال تفاعلات التجانس والتعزيز، وهكذا تتخلق ظاهرة المعنى التي يمكن أن تصل إلى أحادية تامة كما في لغات التقنية، كما تحتفظ اللغة بوظيفة جامعة وهي قابلية المفردات لتطوير تنويعات سياقية متعددة، كما تمتلك خاصية تجانسية الخطاب، أي بإنشاء الخطاب لمستوى متجانس من المعنى بوصف أن كل كلمات اللغة العادية متعددة الدلالة(8) لقد تحدث غريماس عن التعبيرية التي تتشكل روعة اللغة قائلاً: "قد يكون هناك سر اللغة، وهذه قضية يتصدى لها الفيلسوف، ولكن ليس هناك سر في اللغة، ولكن هناك سر اللغة، وهو ما تبلغه اللغة أو الشيء الذي تبلغه(9)".‏

واللغة حين تصبح مؤسسة اجتماعية تشكل سلطة تمييز أولاً من خلال الأنساق التي تمنحها هذه الصفة التميزية المؤسسية الحامية للمجتمع لأنها سلطة (Power) (10) من هنا تنتشر الآن‏

أفكار التصحيح اللغوي political Correctness، للتخلص من الصور النمطية السلبية المغلوطة الشائعة في المجتمعات والثقافات المختلفة، لكن ذلك لن ينتج أدباً مغايراً للأدب الذي يكتبه الرجل بقدر ما يشيع ثقافة متحررة من التابوهات والتمثيلات والصور النمطية التي نصادفها في الفكر والأدب والإعلام والمجتمع وفي كل‏

لحظة(11) بوصف أن اللغة حاملة لكل مفاهيم الصور النمطية والتمثيلات الجنسوية في المجتمع.‏

وترى الدراسات أن قضية التحيز في اللغة نابتة من سجالات ثنائية الذكر والأنثى، والتي هي أكثر القضايا إلحاحاً في التفكير والمثاقفة لانطوائها على تداعيات ماضوية، رافقت وجود‏

الإنسان، وأخذت بالتنامي والتشابك لالتباس مفرداتها وتباين الشريكين في رؤية كل منهما للآخر، وطبيعة المهمة المنوطة بهما في صياغة الحياة، مما أدى إلى بروز قضية التحيّز الجنسي، الذي تطلب مبادرات لتعديل المنطلقات السائدة والأفكار المستكنّة عن الذكورة والأنوثة، التي كرست ثقافتها الأدوار بين الرجل والمرأة، حيث اعتبرت أن مركزية العقل والمكانة السنية للرجل وللمرأة العاطفة والهوى، واللغة في هذه المعادلة ليست منبتّة عن الثقافة،‏

بل هي تعبير عنها وجزء متخلق في تربتها، فهي وسيط متغير، وتغيرها يعتمد على تغيير السياق‏

التاريخي والاجتماعي لاستعمالاتها(12) وعليه فإن كل ثمة تحيز خارج عن مقتضى الإبانة(13) فمنبته الثقافة وقيم المجتمع، فاللغة محايدة في مستوياتها المتعينة ولكنها تصطبغ بالأطر المعرفية والاجتماعية‏

للأفراد(14)،‏

وهنا فمن المهم ألا نخلط بين اللغة بوصفها ظاهرة والنحو أو النظرية التي تحاول استخلاص قوانين تلك الظاهرة، وإذا كان هناك تحيز فإنه ربما لا يعود إلى اللغة، بقدر ما يعود إلى الثقافة النحوية التي من المحتمل أن تكون قد مالت إلى الذكورة(15) وقد رأى باختين في معرض مناقشته لمفهوم اللغة، أن كل لفظ بل كل مفردة كانت تنطوي على مجموعة كبيرة من الأفكار القديمة والدوافع والمقاصد التي تبناها القرّاء، والكتاب على مدى قرون من الزمن(16).‏

إن كلّ نسق معرفي ينتج أيديولوجيته الخاصة به التي تعد جزءاً لا يتجزأ من الرؤية الحاملة لنسق المعرفة والمسوغة لغاياته وبواعثه، والنسق اللغوي هو النموذج المعرفي السائد، واللغة من خلاله تصبح كياناً قوياً يهيمن على الإنسان، ويسيطر على عواطفه وأحاسيسه، وباللغة ينتج المعنى ويشكل هذا العالم ويحوله(17).‏

من هنا جاء تركيز النقد النسوي على الانطلاق من كون النساء مسقطات من اللغة ومن الرابطة الاجتماعية ليصبح جوهر الأيديولوجية النسوية الجديدة هو تعديل اللغة وأعراف التعبير الأخرى عن طريق أسلوب أكثر قرباً من الجسد، ومن العاطفة، وهنا فإن جوليا كرستيفا لا تتحدث عن لغة خاصة بالنساء لن تكون نتاج اختلاف جنسوي بقدر ما هي نتاج نزعة هامشية اجتماعية، كما أنها لا تتحدث عن النوعية الجمالية للنتاجات الأنثوية، فالغالبية من الكتابات النسائية كما ترى تكرر نزعة رومانسية متشيئة أو محبطة وتعرض انفجاراً للذات المفتقرة إلى الإشباع النرجسي في عصر محبط للنرجسيات كما تقول(18)، ومن هنا تكون الدعوة لمساجلة النتاج السائد والكشف عن جوانب مغايرته للسائد وعن أفق هذه المغايرة.‏

لقد اعتبرت لغة النساء لغة دونية لأنها تتضمن نماذج عن الضعف وعدم الثقة، وتركز على التافه والعابث وغير الجاد، وتعطي الأولوية للاستجابة الشخصية والعاطفية وتؤكد "لاكوف" وهي عالمة في علم الاجتماع: أن المنطوق الذكوري أقوى، وينبغي أن تتبناه النساء إذا ما أردن إحراز مساواة اجتماعية مع الرجال"(19) ذلك أن الكلمة تنتقل من مجال الكلمة الحيادية (Neutre) لتدخل في التواصل “Communication” من حيث كونها خطاباً موجهاً إلى الآخر، وفي العمل الأدبي فهي: مساحة غيرية “Objectale” تنتظم فيها عناصر موجودة سابقاً، وبنى يتمرأى فيها المعنى الاستعلائي المدعوم بالوعي المتعالي لفاعلين موجودين دائماً(20)،‏

وهذا يعني أن اتساع الهوّة في الخصائص اللغوية المائزة للجنسين يتناسب طردياً مع التواصل والمشاركة في المشهد الحياتي، فكلما ضاقت الهوة قلّت الاختلافات اللغوية بينهما، وكلما تقوقعت المرأة في حراسة الهيكل المنزلي، وتوارت عن الشهود، زادت الاختلافات بين الجنسين وتعمّقت (21) وهذا يعني أخذ الشروط المادية التي ينتج فيها الرجال والنساء الأدب معاً بعين الاعتبار، ذلك أنَّ لها تأثيراً في شكل ما يقومون بكتابته ومضمونه، فنحن لا يمكننا أن نفصل قضايا تنميط الهوية الجنسية عن شروطها المادية في التاريخ، وهذا يعني أن التحرر لن يأتي من التغيرات في الثقافة فحسب(22).‏

ثمة مسألة أخرى لا بدّ من الإشارة إليها وهي ذات علاقة بالتلقي، ذلك أن أيديولوجيا الهوية الجنسية تؤثر في الطريقة التي تقرأ بها كتابات الرجال والنساء وفي أسس عيون الأدب(23) فسيرورة القراءة تتضمن دائماً رؤية النص من خلال المنظور المستمر الانتقال الذي يربط مراحل مختلفة، بانياً ما يسمى بالبعد الحقيقي للنصوص والذي يتوفر على تعديل مستمر يمنحه واقعه الخاص(24).‏

ويرى بعض النقاد أن كتابة المرأة ليست في السياق الثقافي، وهذه المسألة تطرح قضية التمثيل البلاغي لمسيرة الكتابة بعامة في أسلوب المرأة، فالرجل عادة يكتب بأسلوب ثقافي، بينما المرأة تكتب بأسلوب لا ثقافي، وهي تجترح بذلك كتابة حيوية ومتطورة وغنية، ذلك أن الرجل يكتب بمراجع ثقافية وايحاءات وإحالات ثقافية وهذا يتناسب مع تاريخية كتابته، بينما المرأة وهذا ما يناسب تاريخية كتابتها، تكتب بلغة وطرق غير ثقافية بمعنى الاتكاء إلى المرجعية الثقافية، ودائماً هناك عودة إلى المخزون الثقافي في العمل الأدبي(25)، وهذا يقودنا إلى الحديث عن اتسام صوت الرجل في الكتابة بالسلطة والمرجعية والطابع النبوئي، في حين يتميز صوت المرأة الكاتبة بالفطنة والدهاء وحسِّ المفارقة اللاذعة(26).‏

والناظر في الرواية النسوية العربية سيجد أن بعض النصوص ذاتها قد ناقشت مسألة اللغة وتجلياتها في الكتابة من خلال متنها السردي، وأن هذه المناقشة قد انطلقت وكما تشير الدراسات من موقف أنثوي داع إلى تفكيك السائد والبحث عن أفق الاختلاف والمغايرة النسوي فيما يتعلق بتوظيف اللغة في النصوص السردية، ففي رواية ذاكرة الجسد على سبيل المثال دار حوار بين حياة وخالد حول اللغة التي تكتب بها رواياتها، وحول غلبة اللغة الفرنسية على كتابة الكتاب العرب من دول المغرب العربي، لتقول حياة لخالد: أن اللغة العربية هي لغة القلب، وأن الكاتب حين يكتب فإنه يكتب باللغة التي يحسُّ بها الأشياء "المهم اللغة التي نتحدث بها لأنفسنا، وليست تلك التي نتحدث بها للآخرين"(27) فالبطلة المروي لها والمشاركة في صنع أحداث الرواية المستعادة أحداثها وزمانها ترى بأن اللغة: هي التي ترمز بأنه ليس ثمة أسود وأبيض حول الأشياء، وأن وجهاً آخر دائماً للأشياء يمكن للمرء أن يفكر‏

بها(28)، وهنا فإن الكتابة تنقض أية ثنائية ضدية قسرية كما هو معتاد في الفكر والممارسة الثقافية والاجتماعية والتي تفسر الأمور على حدية اللون الواحد المضاد للآخر، فثمة طيف من الألوان الأخرى والتي تستحق التفكير فيها بعيداً عن قسرية الأبيض والأسود.‏

كما ناقشت أيضاً زينة في رواية الميراث لسحر خليفة مسألة الفصحى والعامية، وكأنها تقدم تفسيراً أو تسويغاً لاستخدامها العامية في الحوار كاشفة عن الحيرة التي أصابتها والقرار الصعب الذي كان عليها أن تتخذه بهذا الصدد، حيث وجدت نفسها تائهة بين العامية والفصحى(29).‏

لقد رأت زينة أيضاً في رواية الميراث أن فهم الناس لا يمكن أن يتحقق إلا بلغتهم، وأن هجنة اللغة في مثل وضعها بين الأمركة في اللغة والحياة وبين العودة إلى الوطن حيث صار لزاماً عليها أن تفهم لغة الشارع والناس، قد وضعتها في وضع التائهة بين لغتين العربية والإنجليزية، وبين سياقين، سياق العامية والفصحى(30).‏

لقد اجترحت زينة في هذه الرواية نسقاً لغوياً يغلب العامية على الفصحى، وخاصة في الحوارات في ثنايا السرد معتبرة أن ثمة إشكالية في استخدام اللغة العربية، وأن هذه الإشكالية تدور بين الفصحى التي صارت لا تعبر عن هموم الناس، وبين العامية الأقرب إلى فهم الناس، وهي ترى في معرض مناقشتها لهذه المسألة أن هموم الناس لا تقرأ بالفصحى لأن الفصحى لغة الرقيب، رقيب السياسة ورقيب الذات، فما يفلح في الهرب من مقص الرقيب تشذّبه مقصات الذات(31).‏

وكأنَّ الكاتبة في هذا السجال تشير بشكل خفي إلى أن الفصحى هي لغة الرجال بكل تاريخ الرجولة اللغوي، وأن العاميّة التي كسرت وشرخت مثالياتهم تشير إلى الأنوثة وإن كانت عرجاء، وما علاقة الفواصل وعلامات الاستفهام باللغة إلاّ بكونها تعني صيحات النساء، وهذا يعني أن الفصحى هي القاعدة الأصل الدالة على الفحولة أو المؤشرة إليها، وأن العاميةّ هي الخروج المهمش أي المرأة، ولكنها موجودة رغم التهميش، بدليل أنّ الفصحى هي المعتمدة والمؤصلة والعامية ليست كذلك إذ لا يعتد بها، والمجتمع كله يتعامل بتناقض حاد، إذ يكتب بالفصحى، ويحكي بالعاميّة، فهل مثل هذه المواضعة اللغوية في المجتمع العربي شرخ من شروخاته الدالة على تقسيم جنسوي؟.‏

لقد تمثلت كتابة المرأة اللغة المحكية بمختلف لهجاتها ومختلف دلالاتها وانزياحاتها أيضاً نحو أثر جمالي تبدى في استخدام اللغة المحكية، وقد تميزت كتابة المرأة وهي تبني أنساقها الثقافية باجتراحها نسقاً ثقافياً لـه تماس وعلاقة بالمهمش والتفاصيل الكثيرة والدقيقة التي تهتم بها المرأة، سواء أكان ذلك بسبب من فضائها الخاص الذي يحتم عليها ارتباطاً عائلياً واجتماعياً بالأرضية التي تشكل حاضنة لهذا المكون للمسكوت عنه بكل تفصيلاته وتدرجاته وألوانه، بما شكل خصوصية في استخدام اللغة، وأول تمثلات هذه الخصوصية: الكتابة باللهجة المحكية الدارجة واعتمادها أسلوباً في الكتابة كما في رواية الميراث لسحر خليفة، أو استلال الجمل والتعبيرات الدالة من المحكية الجزائرية التي تنتظم في انزياح دلالي بأثر جمالي، ومن هذه المشاهد التي وظفت فيها اللغة المحكية الجزائرية المشهد الذي ذهب فيه خالد بن طوبال مرسلاً من قبل الوالد (سي الطاهر) الذي استشهد فيما بعد لزيارة أسرة حياة وعلى الباب الحديدي الأخضر كما يصفه: قابل "أما الزهرة" وبادرها بالتحية قائلاً لها:‏

ـ واشك أما الزهرة؟.. زاد بكاؤها وتحتضنني وتسألني بدورها‏

ـ واشك راك يا ولدي(32).‏

إن إبراز خصوصية اللغة في استخداماتها المحكية كان يشكل ضرورة لازمة خاصة في الحوار بين الشخصيات، ذلك أن هذه الخصوصية على علاقة ماسة بمعجم من الألوان والروائح والتفصيلات الدقيقة الخاص بالبيوت والحدائق والشوارع، وهي ذات صلة بتمييز المتحاورين ومستوياتهم الفكرية والتعليمية ومستوياتهم الحياتية الاجتماعية، فقد كانت هذه اللهجة المحكية بكل حمولاتها دالة على الموقع الاجتماعي، وعلى الموقع الجغرافي أيضاً من حيث الارتباط بنمط الحياة الريفي أو المديني، كما شكل هذا الاستخدام بكل خصوصيته معجماً للموروث الشفاهي، ذلك أن استخدام صيغ سردية مستمدة من التراث الشعبي وطرق الحكي الشفاهي مما يجعل النص مجتلى لاستخدامات متنوعة من اللهجات الاجتماعية التي تنتج تأثيراً وتأثراً متبادلاً بين الشفاهي والمكتوب، وتجعل النص ساحة لتفاعل صيغ لغوية تنحو إلى التخلص من حمولاتها الدلالية المسبقة والمستهلكة(33).‏

وتكاد رواية سحر خليفة "الميراث" أن تكون المثال الأبرز على هذه المزاوجة بين طرق الحكي الشفاهي والمكتوب، وخاصة أنها وردت في النص بمساحات كبيرة وبأنثيال سردي يتجاوز الحبكة السردية الأساسية في النص باتجاه تدفق سردي تلقائي حرٍ منثال، ومن أمثلته في الرواية، الحوار الذي دار بين زينة ونهلة التي لم تحضر حفلة عيد ميلاد فيوليت ابنة أم جريس، وهما لا تريدانها في الحفلة مما أذكى فيها حس الحزن والفجيعة، وبدأت حوارها مع زينة، وهذا الحوار رغم كبر مساحته السردية إلا أن إيراده سيعطي القصد المراد حينما نتحدث عن المحكي الشفاهي في سرد الكاتبة، الذي يشكل معجماً لغوياً بخصوصية دالة على تداوليته ومقروئيته المتحققة، التي تعني عدم الالتزام بجملٍ مركزية للسرد تراعي تسلسلها وتراتبها الزمني، وهذا يدخل في باب الاشتغال على مركزية الرواية ونقض هذه المركزية وتفكيكها بسرد تلقائي حرٍ لا تستوقفه الحبكة المركزية في الرواية، فها هي نهلة تهزّ رأسها يميناً وشمالاً وهي ما زالت تحملق: "ما تقولي شيء، مش هذا هو لبّ الموضوع أنا مش قلقانة بأم جريس وحكاياتها وقصصها عن جريس وأميركا والسانتاكلوز، وكريسماس تري، وكل الحواديت من هون وهناك حتى تثبت أنّها مهمة وأنها راقية، لا هي راقية ولا بنتها والله لو عملوا بدل العيد ألف وخمسمية عيد بتظلها أم جريس، سارة، سارة النارسة اللي كانت مثل الخدامات وتنام الليل بالمستشفى، على شو ها لسّت شايفة حالها؟ والله تحضّرنا.. هي أخرتها، هابي بيرث دي، ها؟ وبالله من كل عقلكم غنيتوا"(34).‏

وفي مقطع آخر من ذات الحوار الذي يبدو طويلاً ولكن تنوعه وعدم التزامه بوجهة سرد محددة، وامتداد حمولات لغته على سرديات زمنية متعددة وهو يحيل عليها واشتماله على التداعي الحر والتذكر وكذلك استنفاره الذكريات التي تحضر الماضي وتجعله في حاضر السرد كما لو كان مرهناً يجعله قطعة سردية مدهشة، ومرة أخرى تحدج نهلة زينة بنظرات الشك وتنطلق حاكية:‏

ـ "لا أنت فاهمة منيح كثير، بس عاملة حالك مش فاهمة، أنت فاهمة أنه مازن دايخ فيها هناك بيروح يسكر ويخمر ويأكل وينيّز عا الآخر، هناك بروح مثل السلطان، بيقعد على الصوفا ويتمدد يسمع فيروز وأم كلثوم وهي بتغني لـه على الأطلال، أي أطلال؟ أي بيروت؟ عامل حاله رجّال كبير وبيحكي كلام كله ألغاز، قاعد بلا شغلة ولا عملة وداير عامل لي جيفارا وقيس وليلى، هذا اللي نلته من عمري، هذا اللي ضيعت شبابي في الغربة عشان أناله، هذا اللي صرفت عليه من شقا عمري وعرق الكويت عشان ألقاه؟ هذا وهدول كلهم، كلهم عصروني مثل الليمون وراحوا لحالهم، وداروا الدنيا وداروا ظهورهم، حبّوا وكرهوا وعرفوا نسوان أكثر من عدد الشعر بلحاهم، صاروا مهندسين وما شاء الله، وأنا في الكويت زي البقرة أحلب وأعلم وأربي وهم دايرين ومش سائلين، كل واحد عنده عر ولاد ومرة وتنتين وأنا قاعدة هون زي التيسة أداري الرّجال المجلوط وأدلع جيفارا المبروط، عامل فدائي ومثقف وحامل هموم الناس والكون، هو همّه مش قادر عليه... تصوري تصوري حتى جريس اللي كان صايع واللي كان جرسون في إسرائيل صار وتصور... ساعة فلوريدا وساعة نيويورك، وديزني لاند وأيكوت سنتر.. والوالد طبعاً متضايق، والموسم زفت، وأمي مريضة وبدها عملية، والأهبل بده يصير صناعي ويصنّع ملبس وشوكولاتة، والعمر مر وسنين ضاعت ولقيتني ختياره بلا جوز ولا بيت ولا مين يناديني يا ماما، هاي آخرتها، سامعة شو بقول(35)".‏

إن الناظر في هذا النص من حوار نهلة وزينة، سيجد فيه اهتماماً بالحدسية وارتباطاً بها، فقبل ابتداء نهلة خطابها السردي حملقت في الفراغ أمامها معتمدة أحاسيسها الخاصة بموقف الذهاب إلى الحفلة دونها، ثم أعقبت ذلك بنظرات الشك، ثم انثالت بسردها أيضاً الذي يتوفر على أنساق لغوية دالة على التقاليد الاجتماعية كما في الحديث عن حفلة عيد الميلاد والغناء فيها الذي يعتبر طارئاً ومستهجناً على بيئة تنحدر من منبت ريفي، وهي في موقفها من هذا النسق المجتمعي استخدمت الكلمات المرتبطة بالعاطفة والإحساس خاصة في تأكيدها على فكرة أنها عملت من أجل العائلة، ومن أجل الأخوة والأهل، وخاصة فترة عملها في الكويت، وكانت مثل البقرة الحلوب التي جفّ ضرعها وجوبهت بالنكران، فخطابها اللغوي يحمل مدى التأثير العاطفي طلباً للتعاطف، وكأنها ترافع عن‏

قضيتها وتروم إلى التأثير وكسب التضامن، وهذا ينسجم مع ترسيمات الجندر في المجتمع العربي، فالمرأة حين ترد كسب التأييد والتعاطف تلجأ إلى الخطاب العاطفي المؤثر.‏

إن لهجة نهلة في هذا النص أيضاً قد بدت لهجة نسائية وخاصة بتعمدها الخلط بين الراهن والماضي، وبين الموقف من الأفكار الثورية والتقدمية التي فقدت مصداقيتها في الراهن، وكشفت عن عيوب منظريها وعيوب المجتمع الذي التفّ حول هؤلاء المنظرين أملاً وتوقاً ليجنوا الخيبة معاً، وضياع الملامح والأحلام، وهامشية دور المرأة في كل ذلك، فقد اقتصر على المداراة وامتصاص الخيبات التي لم تكن طرفاً فيها "وأنا قاعدة هون زي التيسة أداري الرّجال المجلوط، وادلع جيفارا المربوط(36)".‏

لقد كشف هذا النص أيضاً عن ترسيمات جندرية في المحتوى القيمي الذي يعد المرأة التي تقوم كل شيء في شبابها بعائلة ترعاها وتصونها وخاصة إذا تقدم بها السن، لتكتشف عيب وخواء هذه الفكرة التي لا تستند إلى معطى مادي عياني، وتنقضها وتنفيها من أساسه "طول عمري أسدد وأربي وأقول آمين، وأقول: يا الله بكره بلاقيهم لما احتاج، مين حاطط على رأسه خيمة، بكرة بمرض، بكرة بعجّز، بكرة بخرفن، ويمكن في كبري ألاقيهم، وهايني لا بكبري ولا بصغري ألاقي واحد يسندني(37)"، كما اشتمل النص على مفاتيح كلامية خاصة بخطاب المرأة المنطلق من الهامش، وهو خطاب الخاضع الذي لا حول لـه ولا قوة، "والله يلعنّي ويلعنهم، والله ياخدني وياخدهم، يلعن أبوها من عيشة(38)" ولغتها في مثل هذه المقاطع لغة العاجز الذي ينتظر حلاً من السماء، وليست لغة القوة التي تفرض مطالبها، في لغة مراوغة تلتمس الحظوة والقبول والتعاطف والتضامن، وهنا فإن هذا النص يساءل مساحة الثابت في الفكر المرجعي المنظم للمؤسسة الاجتماعية، والتي تعتبر اللغة أحد تمظهراتها باتجاه تحولات تناسب الراهن، وتناسب التغيرات الطارئة، والتي تخلخل الثوابت وتدفعها باتجاه التحولات المرغوبة التي تحمل لواءها الفئات المهمشة في المجتمع والمقصاة والمبعدة عن مركزية الثابت والمتحول في المجتمع.‏

المراجع‏

1 ـ ينظر: ميجان الرويلي، سعد البازعي، دليل الناقد الأدبي: 69.‏

2 ـ ينظر: عبد الله الغذامي، الخطيئة والتفكير من البنيوية، إلى التشريحية، النادي الأدبي، ط1، 1985: 30.‏

3 ـ ينظر: حسن حنفي، قراءة النص، مجلة ألف، مجلة البلاغة المقارنة، ع8 ، 1988: 76.‏

4 ـ ينظر: محمد علي الكردي، النقد البنيوي بين الأيديولوجيا والنظرية، فصول، م4، ع1، اكتوبر، 1983: 148.‏

5 ـ ينظر: صبري حافظ، خصوصية الرواية العربية، فصول، م17، ع1، 1998: 215.‏

6 ـ ينظر: ذياب شاهين، الشاعر واللغة، الصراع بين المحكي والمكتوب، الرافد، ع71، يوليو، 203: 78.‏

7 ـ ينظر: بول ريكور، إشكالية ثنائية المعنى، ترجمة فريال جبوري غزول، ألف، مجلة البلاغة المقارنة، ع8 ، ربيع 1988: 145.‏

8 ـ نفسه: 146.‏

9 ـ نفسه: 149.‏

10 ـ ينظر: فخري صالح، وهم البدايات، الخطاب الروائي في الأردن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1993: 239.‏

11 ـ نفسه: 239.‏

12 ـ ينظر: عيسى برهومة، اللغة والجنس: 71؛ 78.‏

13 ـ ينظر: من مقدمة الدكتور نهاد الموسى لكتاب اللغة والجنس؛ عيسى برهومة، اللغة والجنس: 3.‏

14 ـ نفسه: 78.‏

15 ـ محمد البربري، التذكير والتأنيث في اللغة العربية، ألف، مجلة البلاغة المقارنة، ع122: 1999، 19.‏

16 ـ ينظر: تزفتان تودروف، المبدأ الحواري: 171‏

17 ـ ينظر: محمد علي الكردي، النقد البنيوي، الأيديولوجيا والنظرية: 150.‏

18 ـ تنظر: جوليا كرستيفا، شعرية محطمة، ترجمة وائل بركات، نوافذ، النادي الأدبي الثقافي بجدة، ع15 ، 2001: 205.‏

19 ـ ينظر: بيتر ويدسون، رامان سلدن، النظريات النسوية: 25.‏

20 ـ تنظر: جوليا كرستيفا، شعرية محطمة، ترجمة وائل بركات، نوافذ، النادي الأدبي الثقافي بجدة، ع15، 2001: 175.‏

21 ـ ينظر، عيسى برهومة، اللغة والجنس: 15.‏

22 ـ ينظر: بيتر ويدسون، رامان سلدن، النظريات النسوية: 27.‏

23 ـ نفسه: 27.‏

24 ـ ينظر: وولفكانك أيزر، سيرورة القراءة، ترجمة فاطمة الذهبي، نوافذ، ع15، النادي الأدبي بجدة، 2001: 141.‏

25 ـ ينظر: رشيد الضعيف، خصوصية الرواية العربية: 429.‏

26 ـ ينظر: فخري صالح، المرأة قاصة: 239.‏

27 ـ بثينة شعبان، مئة عام من الرواية النسائية العربية، ط1، دمشق، 1999: 196.‏

28 ـ أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد: 91.‏

29 ـ تنظر: بثينة شعبان، مئة عام من الرواية النسائية: 223.‏

30 ـ تنظر: سحر خليفة، الميراث: 72.‏

31 ـ نفسه: 72.‏

32 ـ أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد: 112.‏

33 ـ ينظر: محمد برادة، عبد الله الغذامي، خصوصية الرواية العربية: 449، بتصرف.‏

34 ـ سحر خليفة، الميراث: 69.‏

35 ـ نفسه: 69؛ 70؛ 71.‏

36 ـ سحر خليفة، الميراث: 70.‏

37 ـ نفسه: 70.‏

38 ـ نفسه: 70.‏
 

تفوق دليل الناقد الأدبي: بمناسبة صدور طبعته الرابعة

26/10/2004

لفترة ليست بعيدة كانت المكتبة العربية تحتاج إلى قاموس مختص يفك كثير من اللبس الذى تتعرض له المصطلحات اللغوية والأدبية معا ، خاصة وقد شرعت دراسات عدّة فى خوض مجال الدرس النقدى التطبيقى والنظرى، وعليه بات لزاما عليها أن تلجأ إلى المصطلح الأدبى كى تخرج من أسر التأليف غير المُمَنْهَج لمعانى هذه المصطلحات ، ومحاولة الاجتهاد - الذىيخضع للصواب نادرا وللخطأ عامة - فى البحث عن معنى متسق للمصطلح خاصة مع صدور قواميس للمصطلح تعانى بعض الفقر اللغوى والمنهجى . إلى أن صدر كتاب " دليل الناقد الأدبى  " لأستاذى الأدب الإنجليزى د / ميجان الرويلى و د/ سعد البازعى . الذى يعد أول المعاجم التى تتجاوز النموذج المعلوماتى وصولا إلى نموذج أوسع تركيبا ورحابة فى المصطلح .

ومع أن " دليل الناقد الأدبى " ليس أول كتاب يقدم المصطلحات والتيارات النقدية المعاصرة إلى القارئ العربى ، إلا أنه يمثل إسهاما قيما - جديرا بالتقدير - ينضاف إلى تاريخ الحركة النقدية العربية بصورة بارزة تجعله فى مصاف الكتب الأولى والرائدة التى تخطو بالنقد العربى إلى مرتبة رفيعة .

والحقيقة التى تفرض نفسها فى هذا الدليل توخى الحرص الشديد الذى تبناه الباحثان فى العمل ، والذى يتسق معه إهدائهما لهذا الدليل المهم / الثرى فلقد جاء الإهداء " إلى الحركة النقدية فى العالم العربى " ، وهى حقيقة ينبغى الاعتراف بها ، فالحركة النقدية فى العالم العربى التى تعانى من الركود فى استخدام المصطلح ، سوف تفيد - بصورة لا جدال فيها - من هذا الدليل .

" دليل الناقد الأدبى " يستمد أهميته القصوى من أنه يمثل إضاءة لأكثر من خمسين تيارا ومصطلحا نقديا معاصرا ، منها ما هو متصل مباشرة بالنقد الأدبى الغربى " كالسيمياء " والدراسات الثقافية والسرديات والنظرية النقدية ، فإن منها ما هو بعيد عن ذلك النقد ، كالأدب الإسلامى ومنها ما يقع فى منطقة وسطى بجذور تمتد إلى الثقافتين العربية والإسلامية والغربية معا ، وقد أجاد الأستاذان ميجان الرويلى وسعد البازعى فى تهيئة المداخل الجديدة وكتابتها على السمات المنهجية الأساسية اتساقا مع أهداف " دليل الناقد الأدبى" وكتابتها على السمات المنهجية الأساسية للدليل كما تمثلت فى الطبعة الأولى، ومنها استقراء السياق العربى الإسلامى للتيار أو المنهج أو المصطلح والانطلاق من ذلك السياق بوصفه معيارا للتحليل والتقييم .

من أهم المصطلحات التى يقدمها الكتاب إفادة وجدية وجديدا ، مصطلح " العولمة الثقافية " ، حيث شاع مصطلح العولمة - فقط - فى الاقتصاد للدلالة على تعميم نظام السوق المفتوح ، أو الاقتصاد الحُر فى مختلف أرجاء العالم بمعنى أن ذلك النظام الاقتصادى الغربى أخذ فى تحويل العالم إلى سوق كبيرة مفتوحة ، فتعولمت الأنظمة الأخرى و أصبحت مشابهة للأسواق الغربية ، ومع أن هذا البعد الاقتصادى التأسيسى للمفهوم قد شاع فى تسعينيات القرن الماضى ، فإن ثمة من أشار إليه فى فترة أسبق ، ففى أواسط السبعينيات أشار الناقد الأمريكى فريدريك جيمسون إلى الرأسمالية بوصفها   " أول ثقافة عالمية حقيقية لم تتخل يوما عن مسعاها إلى امتصاص كل غريب عنها " ، ولا يزال هذا المفهوم متسيدا لدلالات العولمة ، وإن نافس الاقتصاد فى هذا مجال آخر هو الاتصالات التى أسهمت بقدر وافر فى " عولمة " بقاع الأرض سواء بكونها وسيلة حيوية لعولمة الأنظمة الاقتصادية ، أو من خلال ربط العالم فى شبكة وثيقة من الاتصالات جعلت العالم " يتعولم " مرة أخرى، ولكن هذه المرة من خلال المعلومات والأخبار . هذان الجانبان من العولمة   " الاقتصادى والاتصإلى " تركا أثرا بليغا على الثقافات الإنسانية فى عصرنا الحإلى ، فأمكن الحديث عن " عولمة ثقافية " أيضا ، ففى الجانب الثقافى من العولمة ؛ تبرز الأوجه الأساسية من الثقافة فى كل مكان ، فتأثير العولمة يمتد إلى اللغات وما تحمله من فكر وعلوم وآداب مثلما يمتد إلى الأشكال الملموسة من الثقافة كأنظمة الحياة العامة من قوانين وعمارة وعادات .. وما إليها ، ولعل أبرز مظاهر التأثير العولمى هيمنة اللغات الأوروبية وانتشارها خاصة الإنجليزية والفرنسية بما تحملانه من ثقافة متنوعة تجد طريقها إلى مختلف أنحاء العالم ، وتتسابق الشعوب إلى متابعتها من خلال تعلم هاتين اللغتين أولا وعبر ما تنتجانه فى مختلف أشكال ذلك النتاج من مطبوع والكترونى ومرئى ومسموع .

من الناحية التاريخية ليست العولمة ظاهرة جديدة تماما فى تاريخ البشرية ، فعلى طول التاريخ ظلت الشعوب والثقافات والحضارات تمارس تأثيرها فى غيرها ناشرة نماذجها الحضارية فى العالم المعروف عندئذ ، وبمعنى من المعانى عولمة تلك النماذج ، ففى الحضارة اليونانية حدث نوع من العولمة فرضته الحضارات السابقة ، كالحضارة الفرعونية وحضارات وادى الرافدين على ثقافة اليونان وصانعى حضارتها ، كما أن الرومان بدورهم عولموا العالم بنشر أنظمتهم السياسية والاقتصادية والثقافية ، بعد أن تبنوا معطيات الثقافة اليونانية ، وفيما بعد تمكن الإسلام وما تولّد عنه من حضارة عظيمة فى إكساب العالم بتعاليمه الذى لا يزال يحمل اسم " العالم الإسلامى " ، و حاولت الحضارة الصينية أن تمتد إلى جنوب وشرق أسيا ناشرة اللغة الصينية وآدابها وغير ذلك من العلوم وأنماط المعرفة والسلوك فى كوريا واليابان .

فى المرحلة التالية ؛ شهد العالم كما هو معروف هيمنة النموذج الحضارى الأوروبى ابتداء بالكشوف فى عصر النهضة وما أسفرت عنه من توسع اقتصادى واستعمارى تلا عصر النهضة و امتد حتى بلغ ذروته قبيل الحرب العالمية الثانية فى منتصف القرن العشرين ، وكان الاستعمار عبر القرون عملية عولمة من نوع ما ، أى بوصفه ربطا للمستعمرات على طول الكرة الأرضية وعرضها بمركز غربى واحد ، ومحاولة إعادة تشكيل تلك المستعمرات ، بما يمثله الكثير منها من إرث حضارى ضخم ومغاير لما فى الغرب ، من خلال معطيات الحضارة الأوروبية أو الغربية ، يرى أن عملية التشكيل تلك لم تكن دائما هدفا مقصودا أو مخططا له ، وإنما جاءت فى معظم الأحيان كناتج جزئى للهيمنة السياسية والاقتصادية ، وهذا ما يميز ما حدث فيما بعد الحرب العالمية الثانية بتطور العلوم التقنية وامتداد الاقتصاد الرأسمإلى فى اتجاهات جديدة ، وظهور الولايات المتحدة بوصفها قوة سياسية وعسكرية كبرى تحمل إرث الحضارة الأوروبية وتسمه بسيماها .

فى هذه المرحلة الأخيرة اتخذت العولمة صورتها المتسارعة والحادة التى تبلورت بما يصل إلى ما نشاهده اليوم ، والتى كان من نتائجها اكتساح الأنماط الفكرية والاجتماعية مختلف مجتمعات العالم مما يظهر بوضوح فى كل مجالات الحياة المحيطة. ومما لا شك فيه أن عملية العولمة الثقافية هذه ناتجة عن عملية المثاقفة التى تسعى إليها الشعوب ، ففى مطلع النهضة الحديثة للثقافة العربية مثلا ، خاض الكثير من المفكرين والأدباء معركة لتحقيق العولمة بالمعنى المُشار إليه . غير أن الشكوى التى تتردد فى الكثير من الثقافات غير الغربية فى عصرنا الحاضر ومنها الثقافة العربية تجاه عملية العولمة لا سيما فى الجانب الثقافى منها ناتجة عن قلق طبيعى على الخصائص المميزة لتلك الثقافات التى يخشى أن تذوب فى الثقافة المسيطرة ، ومن هنا تنشأ عملية مقاومة تلقائية حينا ، ومخطط لها دفاعا عن كيانها وشخصيتها الخاصة . مما يترك أثره على الأدب ضمن أشكال الثقافة الأخرى. وفى هذه الظروف تحتدم معركة بين القديم والحديث بوصف القديم يمثل الماضى أو الأصالة ، وبوصف الحديث يمثل الدخيل المختلف والذى يحمل تهديدا للأصيل ومن هنا تأخذ العولمة شكل رديف أو تعبير آخر عن الحداثة .

 

ولأن مصطلحا " الحداثة " و " ما بعد الحداثة " باتا متجذرين فى النقد العالمى ، فقد أفرد لهما الدليل جزءا مهما ، خاصة " ما بعد الحداثة " ذلك المصطلح الذى شاع منذ الخمسينيات ، ومنظرو ما بعد الحداثة يعرفونها على أنها مجموع الظروف والشروط المختلفة والمتعددة التى تختلط فيها المظاهر الاجتماعية بالمظاهر الثقافية ، فلا يمكن التمييز بين ما هو اجتماعى وما هو ثقافى ، فتنهار المسافة بين النظرية وموضوعها ، ويتعذر الفصل بين النظرية التأويلية والواقع الاجتماعى الذى تحاول النظرية إدراكه وتوصيفه ، ولهذا يرى منظرو ما بعد الحداثة أن جزءا كبيرا من مفهوم ما بعد الحداثة يعتمد على صعوبة الفصل بين البنية المعرفية وبين ما تنتجه هذه البنية من معرفة ، إذ إن هناك تداخلا مستمرا بين أشكال المعرفة وبين ما تسعى إلى دراسته ، كما أن موضوع المعرفة  يؤثر تأثيرا جوهريا فى أشكال المعرفة نفسها مثلما يؤثر فى منهجيتها وينطلق منها ، من هنا تكون أهم سمات ما بعد الحداثة أنها تفيد من مقولات ما بعد البنيوية فى أن المنهجية المتبعة فى درس مادة ما لا شك تشكل المادة ذاتها ، ومن ثم هنالك علاقة جوهرية متبادلة بين المنهجية وبين المعرفة ، لذلك عنى أصحاب ما بعد الحداثة بهذه العلاقة عناية شديدة .  ولعل أفضل السبل إلى فهم ما بعد الحداثة هو النظر إليها على أنها معارضة ورِدَّة فعل ضد الحداثة ومعطياتها ، جاءت بمشروعها لتخليص الإنسان من أوهامه وتحريره من قيوده وتفسيره للكون تفسيرا واعيا ، ورأت الحداثة أن مثل هذا المشروع لا يتم ما لم يقطع الإنسان صلته بالماضى ويهتم باللحظة الراهنة العابرة ؛ أى بالتجربة الإنسانية كما هى فى لحظتها الآنية

هذا غيض من فيض المصطلحات التى يعج بها الدليل ، فضلا عن فائدة الملحق الذى أضيف لإبراز العلاقة بين النقد العربى الحديث ونظيره الغربى ، وهو ما يعدّ تبلورا موسّعا نسبيا للانشغال بالسياق العربى فى إعداد مواد الدليل بوصفه تعريفا لمناهج ومفاهيم غربية فى بيئة مغايرة ، وهو ما يؤكد على صورته المفيدة لجانب من جوانب علاقة الشرق بالغرب ، لأن تلك العلاقة بعمقها الزمنى وتشعباتها النظرية والتطبيقية أضخم من أن بها ملحق سوى ملحق هذا الكتاب . وقد اعتمد الملحق على تقديم عرض للتيارات النقدية التى انعكست فى النشاط النقدى العربى الحديث بما ترافق مع ذلك من طموحات ، وهو ما يحتاج إلى المتابعة والتطوير والتوسيع .

إن دليل الناقد الأدبى يرقى بالفكر النقدى لكل من يرتاده من الباحثين فى مجالات الأدب والنقد أو من يبغى معلومات حول المناهج النقدية الحديثة ومفاهيمها ، خاصة وان الساحة النقدية العربية تموج بالكثير من الهشاشة فى فهم التيارات النقدية المعاصرة ، وعدم تتبع المصطلحات فى مظانها الأصلية بما يتضمنه ذلك من دلالات فلسفية ونقدية مهمة وسط رؤية تفسيرية وتقويمية بعيدا عن المعالجة الايديولوجية الفجة .