المكون اليهودي في الحضارة الغربية

 

المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية

2007-09-17 البيان

فيصل خرتش

مؤلف هذا الكتاب هو الناقد السعودي سعد البازعي أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعة الملك سعود بالرياض، من أعماله: دليل النقد الأدبي 2002، استقبال الآخر 2004، شرفات للرؤية 2005. حيث يسعى عبر كتابه الجديد «المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية» إلى إبراز الدور الذي لعبه اليهود في تاريخ الحضارة الغربية.

 

ابتداء من القرن السابع عشر وحتى اليوم، ويبز الكتاب ضمن هذا الإطار التأثير المتعاظم لدور الجماعات اليهودية في مختلف مناطق أوروبا وأميركا الشمالية على مستويات ثقافية مختلفة، متناولاً أعمال عدد من المفكرين والعلماء والمبدعين الذين تركوا أثراً بالغاً في تطور الحضارة الغربية حتى صار جزءاً من نسيجها في الوقت الذي عبرت أعمالهم عن هموم وتطلعات الجماعات اليهودية التي ينتمون إليها.

 

للمكوّن اليهودي في الحضارة الغربية بعداه الديني والدنيوي وقد جوبه طوال تاريخه بالكثير من الكراهية والرفض، إذا كان اليهود قد اتهموا بكل شرور الأرض وتعرضوا لصنوف العزل والتشريد والتعذيب، فإن المسيحية لم تستطع أبداً أن تنكر حضورهم الأساسي في التكوين الديني لأوروبا.

 

وحين دخل اليهود بكل قوّة إلى الثقافات الأوروبية في مرحلة ما بعد التنوير، فقد كان الشعور العام لدى مثقفي أوروبا هو الترحيب بهم أو الإعجاب بما قدموا على النحو الذي نلمس من الموقف تجاه فلاسفة يهود، مثل سبينوزا ومندلسون، ثم مبدعين من أمثال : الشاعر هاينه والروائي دزرائيلي.

 

أما في العصر الحديث فإن الحضور اليهودي ظل محورياً وبالغ التأثير، سواء كان المؤثر كارل ماركس أو سيغموند فرويد أو كافكا أو مارسيل بروست، أو ممن اختصروا ذلك الشعور العام بالترحيب والإعجاب بنيتشه. اليهود لم يأتوا بالتنوير ولكنهم ساعدوا على انتشاره، حين تضافرت جهودهم بجهود غيرهم في أوروبا في المسعى أو التوجه العلماني المتزايد للحضارة الغربية.

 

الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام، يتناول أولها الأبعاد التاريخية والنظرية، وينقسم إلى ثلاثة فصول الأول منها يرتكز على معلومات تاريخية تأسيسية للتعرف على الحضور اليهودي، ويثير الثاني مسائل نظرية خلافية.

 

أما الفصل الثالث فيواصل ما يطرحه الفصل الثاني بالانتقال إلى السمات الفكرية التي تشكلت بفعل عاملين، أولهما الشعور اليهودي بالاختلاف، وثانيهما الموقف أو الفعل الاستراتيجي الثقافي والفكري تجاه ثقافة الآخر الغربي/المسيحي.

 

وهو موقف اختار له عبارة المفكر الفرنسي جاك دريدا «التقويض» بوصفه موقفاً أقلويا يتواتر عند عدد كبير من المفكرين والكتاب اليهود، وقد قرن الكاتب التقويض بالاختلاف، وشرح فهمه لذلك الاقتران في ذلك الفصل، كما في الفصل الذي يتناول دريدا نفسه في نهاية الكتاب.

 

نجد الفصل الثالث من القسم الأول له طابع شمولي، إذ يتناول عدداً كبيراً من الكتاب الذين لم يفرد لهم فصولاً خاصة، فالمفكرون والكتاب المتناولون هنا بالغو الأهمية، مثل : كارل ماركس وكارل بوبر، وواضح أنه تناولهم هنا لسببين : أحدهم ما اتضح من حضور جزئي للمكوّن اليهودي في أعمال معظمهم، وهو نتيجة حتمية تؤكد أن المكوّن المشار إليه ليس حضوراً حتميا ومتساوياً في أعمال كل من يحمل خلفية يهودية، أما السبب الثاني، فقد قرر المؤلف الاختصار، لاسيما ممن تتضاءل السمات اليهودية في أعمالهم.

 

في القسم الثاني من الكتاب، المعنون «من التنوير إلى الخلاص»، يجري تناول أربعة من أهم الشخصيات التي أفرزها المكوّن اليهودي، وأسهمت بدورها وبشكل فاعل في صنعه، فسبينوزا ومندلسون أهم مفكرين صنعا المكوّن اليهودي في بداية تشكله في الحضارة الغربية، فسبينوزا مهم لإيضاح طبيعة المكوّن اليهودي بعد اندماج اليهود في السياق الحضاري الغربي، بوصفه أوّل اليهود الكبار في تاريخ الحضارة الغربية.

 

وهذا ما يميزه عن ابن ميمون الذي تجمع الآراء على أنه الفيلسوف اليهودي الأول والأهم، لكن في حقبة تاريخية غير غربية، فبقدر ما كان سبينوزا مندمجاً في الحضارة الغربية، كان ابن ميمون مندمجاً في الحقبة العربية الإسلامية، لقد فكر بالعربية حين طرح قضايا كانت الشاغل الأساسي لكثير من مفكري المسلمين.

 

أما مندلسون فكان أكثر اندماجاً وأكثر دلالة على حجم الاندماج اليهودي، على أنّ كلا الفيلسوفين يقدمان أنموذجاً مهماً لإشكاليات الهوية وطبيعة التفاعل مع السياق الغربي التي نجدها فيما تلا من عصور. أما الشخصيتان الأخريان، هاينه ودزرائيلي، فيأخذاننا إلى عالم الأدب، الشعر لهاينه والرواية لدزرائيلي، كتب الأول بالألمانية وكتب الثاني بالإنجليزية، على أن المهم هو القدرة التمثيلية لدى كل منهما في الإشارة إلى تنوع الحضور الثقافي اليهودي وتداخله في الوقت ذاته.

 

الفصلان الأخيران من هذا القسم يقدمان صورتين بانوراميتين للحضور اليهودي وهو يرتقي سلّم تأثيره الغربي الواسع إبان القرن التاسع عشر، ففي الفصل الثامن ترد مناقشة للكيفية التي نظر بها أعلام اليهود الأوروبيين في القرن التاسع عشر لحضورهم في الثقافة الأوروبية وما دار بين مفكري اليهود ومؤرخيهم من جدل حول الطرق الأنجع لتجاوز ما ينطوي عليه الحضور اليهودي من أزمات.

 

وفي هذا السياق يمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات: اتجاه إصلاحي يريد دعم التوجيهات التي تسهل الحضور اليهودي وتدعم اندماج اليهود في محيطهم المسيحي الأوروبي، واتجاه صهيوني يرى تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين لتأسيس وطن قومي بوصف ذلك حلاً لمشكلة الحضور اليهودي في الغرب واتجاه ثالث يقترح حلولاً تتوسط بين هذا وذاك.

 

في الفصل التاسع يتركز النقاش على الحضور اليهودي نفسه ولكن من الزاوية الأوروبية، كيف نظر عدد من مفكري أوروبا ومؤرخيها وكتابها من غير اليهود إلى الحضور اليهودي وكيفية التعامل معه. القسم الثالث يشتمل على ثلاثة فصول، يتناول كل منها جانباً بارزاً من المكوّن اليهودي من خلال شخصية أو عدة شخصيات، ففي الفصل العاشر يأتي فرويد بوصفه حضوراً هائلاً في المكون اليهودي، كما في المعرفة الإنسانية والغربية. وفي هذا السياق يبرز النقاش الصلة الوثيقة بين التحليل النفسي لدى فرويد وخلفيته اليهودية وواقعه بوصفه فرداً يعيش الانتماء الأقلوي إلى جماعة تشعر باضطهادها.

 

يصدق الحال على مدرسة فرانكفورت التي تركت أثراً عميقاً ومهماً في تطور الفكر الاجتماعي والنفسي والثقافي. ويبرز النقاش في الفصل الحادي عشر بتفصيل أكثر طبيعة النقد الذي وجهه بعض أعضاء المدرسة إلى التنوير الأوروبي، بوصفه صادراً عن إحساس بالانتماء اليهودي وما يواجهه من ضغوط. ثم ينتقل النقاش إلى أعمال المفكر تيودور أدورنو ليبرز علاقته بسمات التفكير والتناول الذي طغى على المكوّن اليهودي المعاصر، كما يتضح في مفهوم مثل الرؤية التقويضية والمتشظية لدى ذلك المفكر.

 

في الفصل الثاني عشر من الكتاب يأتي جاك دريدا بوصفه حاملاً لـ «جينات» المكوّن اليهودي مشيعاً لها بقوة وشراسة غير مسبوقة. فقد نبعت هذه الجينات من موقف يهودي أقلوي تتضح معالمه من أوجه الشبه بين التقويض بتقنياته واستراتيجياته التحليلية للنصوص من ناحية، وتوجيهات فكرية سابقة في المكوّن اليهودي نفسه، من ناحية أخرى، مثلما تتضح من مقولات دريدا نفسه وآراء مفكرين ونقاد آخرين إزاء أعماله وفيهم من ينتمي إلى الخلفية الثقافية والفكرية ذاتها.

 

الفصل الأخير يتوقف عند بعض أعمال الناقد الأميركي هارولد بلوم الذي يعد في طليعة النقاد الغربيين المعاصرين والذي يأتي تناوله من زاوية اتكائه على موروثه اليهودي متمثلاً بالقبالة، أو الموروث الصوفي الذي طوره المفسرون اليهود عبر قرون وسعى بلوم إلى إبرازه والاتكاء عليه في نظريته النقدية. وسعى بلوم إلى الإفادة من فرويد كي يكرس النزعة الفئوية لدى بعض مثقفي اليهود، تلك النزعة التي نجدها لدى بعض من النقاد الغربيين في القرن العشرين الذين يأتي بلوم بوصفه نموذجاً لهم سواء في تلك النزعة أم في غيرها.

 

هذه الأقسام بفصولها وبما تضم من أعلام وأفكار ومناهج تفكير هي ما يشكل المكوّن اليهودي الذي يتناوله الكتاب. وهذا في مجموعه يشكل الشواهد الدالة على وجد المكوّن ويؤكد أهمية وضرورة دارسته والتعرف عليه. لقد سبق لبنجامين دزرائيلي، أول يهودي يصل إلى رئاسة الوزراء في دولة غربية، ان قال: «إن اليهود مستعدون للتحالف حتى مع أعدائهم للانتقام من المسيحية».

  

*الكتاب:المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية

*الناشر:المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء 2007

*الصفحات:424 صفحة من القطع المتوسط

 

سعد البازعي يرصد «المكون اليهودي في الحضارة الغربية"شرفات للرؤية" كتاب يعالج قضايا العولمة والهوية

الحياة     - 18/09/07//

علي الدميني     

لا يمكن اختزال التعريف بهذا الكتاب (السفر) الذي أنجزه سعد البازعي بعنوان «المكون اليهودي في الحضارة الغربية» في أسطر مقالة، مثلما لا يتيسر لأي متابع تدوين مواطن اتفاقه معه، أو اختلافه أيضاً. ولا يتبقى لمستمتع بقراءته – مثلي – إلا دعوة سواه إلى قراءته ومجادلته أو نقضه إن شاء.

وباختصار يمكن الإشارة إلى أن المؤلف، ضمن أطروحته الناظمة لمتن الكتاب، ركز على دراسة المكون اليهودي في الحضارة الغربية منذ المراحل المبكرة لعصر التنوير، في منتصف القرن السابع عشر وحتى اليوم. وقد مهد لذلك بالتوقف أمام مراحل الشتات اليهودية الطويلة، منذ القرن السابع قبل الميلاد، وخلال مراحل السبي البابلي، والمرحلة الفارسية واليونانية والرومانية، حتى أزهى العصور التي عاشها اليهود في كنف الدولة العربية الإسلامية في شبه جزيرة «ليبريا» في الأندلس، حين جرى التعامل معهم كمواطنين من أهل الكتاب، فأبدعوا – خارج الفضاء السياسي والعقائدي - في الطب والعلوم والفنون، وساهموا في نقل نتاج الفلسفة المعربة من اليونانيين، ونقل إسهام بعض أبرز فلاسفة العرب العقلانيين كإبن رشد إلى أوروبا، عبر واحد من أبرز عقولهم في تلك المرحلة، هو موسى بن ميمون.

وفي هذا المهاد، عرض المؤلف للمآزق التاريخية التي تعرض لها اليهود، بدءاً من تبني العبرية (الكنعانية) التي أتت بها «التوراة» بدلاً من لغتهم الأصلية «الآرامية»، ثم مواجهة الحضارات الهلينية والعربية والإيطالية، وكذلك تعرضهم لمناوأة الحركات المسيحية باعتبارهم «قتلة المسيح»، ومأزق تأزم اللغة العبرية ذاتها بولادة لـ «اليديشية» في ألمانيا كلغة خليط، وآخرها اضطرارهم الى التأقلم مع الحضارة الأوروبية الحديثة، والتي أفادوا منها بخلاصهم من «الغيتو» خلال عصر «التنوير» القائم على شعارات العدل والمساواة والإخاء، إلا أنه لم يحقق لهم حلم الاندماج الكامل في تلك المجتمعات، فبقيت النظرة العدائية المستريبة تجاههم قائمة، حتى تتوجت بمحرقة «الهولوكوست».

وعلى رغم تلك التحديات والمواجهات التي تعرض لها اليهود، فقد حافظت الشخصية اليهودية على سمات النظر إلى الآخرين كـ «أغيار»، والاعتداد بصفات «الاختلاف» كشعب الله المختار، في الملبس (قبعة الرأس واللحية الطويلة)، وفي ممارسة الطقوس الدينية، وصاحَبها شعور بتفوق الشخصية اليهودية كذات تمتلك من الصفات العقلية ما لم يتوافر لغيرها. وكنتيجة لحياة اليهود في الشتات، فقد تسبب تشبثهم بخصيصة «الاختلاف»، في عيشهم أزمة هوية عميقة ومستمرة، أدت بهم دائماً إلى الانعزال، والعمل الثقافي على تقويض مكونات «ثقافة الآخر» حين تكون الظروف متاحة لذلك.

ولنا أن نتساءل: هل تعرض اليهود طوال تاريخهم الممتد إلى أكثر من تسعة آلاف عام، الى كل أشكال التشريد والاضطهاد، كنتيجة لإصرارهم على «اختلافهم» وتفوقهم وانعزالهم عن صيرورة التكامل العضوي مع المجتمعات المحيطة، أم أن القوى السياسية والاجتماعية المهيمنة على فضاء حياتهم كأقليات مشردة، هي التي دفعتهم إلى حياة «الغيتو»، و «التمترس» خلف تلك القناعات التي تلبست ثياب الاختلافية والتفوقية؟

لا يجيب كتاب البازعي عن هذا السؤال في شكل حاسم، وهو احتراز معرفي ولا ريب، ولكنه يورد في ثنايا مؤلَّفه الضخم، آراء متعددة تحمل وجهات نظر متباينة لكتّاب ينحدرون من الثقافة أو العرق أو الدين اليهودي أو من خارجه، فيتضمن الكتاب مثلاً رأي اسبينوزا الذي هاجم العقيدة اليهودية، فطرده الحاخامات منها، حتى اتخذ موقفاً نقدياً من تلك الأديان، مثلما اتخذه أيضاً ماركس، في ما بعد، فيقول اسبينوزا: «أما عن حياة (اليهود) الطويلة كأمة ضاعت دولتها، فليس فيها ما يدعو إلى الدهشة، إذ ان اليهود قد عاشوا بمعزل عن جميع الأمم، حتى جلبوا لأنفسهم، كراهية الجميع». ويقول أريك فروم - المتحدر من سلالة يهودية تعج بالأحبار - عن تلك الأقلية اليهودية أو سواها من الأقليات: «إن ما تلقاه تلك الأقليات من احتقار جعل لديها الميل العاطفي لإلحاق الهزيمة بقوى الظلام واللاعقلانية والخرافة».

إزاء هذين الرأييــــن المتعارضين، لا نزال بمواجهة تساؤل أهم عن ســــر المتميز اللافت للشخصيات المنـــحدرة من خلفيات يهودية متعددة، في كل المجالات العلمية والفلسفية والفنية والأدبية.

لا شك في أن هــــذا السؤال يقع في منطقة خارج ســـياق أطروحة كتاب البازعي، ولكنني أميل إلى أن أحـــد الأسباب التي يمكن أن نتلمس فيها بعض معالم إجابات معقولة، يقع في منطقتين، أولاهــــما لا تحتاج إلى عناء في البحث أو التـــــقصي، وتكمن في طبيعته البنيوية في اضطهاد الأقلــــيات، وحرمانها من حقها الطبيعي في الاعتراف بها، وجوداً وممارسة كجزء من مكونات المجتمع، ما يدفعها للبحث عن مجالات تحـــــقيق الذات وتميز الهوية، ويقع في أعلى قائمة ممكناتها المتاحة، استــــنهاض القدرات الذاتية في العمل الدؤوب على التعلم والتفكير، والتأمل والتحصيل، لإثبات وجود الذات، في فضاء لم يعد لها ســــواه. كما أن عمليات العزل التي تتعرض لها «الأقليات»، تفتح الباب واسعاً أمام الشخـــصيات المثقفة والمهتمة المنتــــمية إليها، لامتــــلاك رؤية نقدية عميقة، وشجـــاعة للمكون الديني والاجتماعي لـ «الأقلية» مثلما للمجتمع أيضاً، إذ لن يخسروا الكثير بمقاطعة الآخرين لهم.

أما الثانية وهي الأهم بالنسبة الى أطروحـــة كتاب البازعي، فتــــكمن في ظني عبر الحفر في مكــــونات عمــــيقة في الثقافة اليـــــهودية، لم أطلع بعد على ما يفيها حقها في الدراســـة، وإن كان قد ألمح إليها المؤلف في مواضــــع عدة من كتابه - من دون أن يعني ذلك اتــــفاقه معي في ما سأذهب إليه - ويمكنني أن أشير إليها كالآتي:

أورد المؤلف في صفحة 304 من كتابه، إشارة للباحثة اليهودية هندلمان عن مغايرة اليهودية للمسيحية حيال مسألة تفسير النص الديني، بالقول إنه «في التفاسير اليهودية تتعدد المعاني، وتهيمن الكناية بدلاً من المجاز، في حين يلعب المجاز دوراً مركزياً في «الهرمنيوطيقيا» (التأويلية والتفسيرية للغة النص) المسيحية نتيجة لمفهـــــوم التجسيد الذي جعل دلالة الكلمة واضحة، أي أن تجـــسّد «الإله» في المسيح، لم يترك مجالاً لتعدد التفاســـير، بينما يرى اليهود عكــــس ذلك تماماً، فهم يفصلون النص عن التفسير أو «الدلالة»، ويرون أن تعدد الدلالة والبـــحث عن ذلك التعدد اللانهائي عمل مقدس بحد ذاته». (وللتوضيح أشير هنا إلى الاختلاف بين التفسير اليهودي والمسيحي حول المسيح، وهل هو الروح القدس وابن الرب، وهل حدث ذلك على وجه المجاز لا الحقيقة الكنائية، باعتبار المسيح المبلغ عن الرب، وابن الروح للإرادة الربانية، وليس ذاتها العيانية).

ما ورد في إلماحات عدة، ومنها، ما نجده في صفحة 349، عند الإشارة إلى دريدا، يبدو كفهم علماني للنص المقدس (التوراة) يغاير الفهم المسيحي له حيث يرد: «في موروث التوراة والتلمود، يتكرس مبدأ الكتاب / التوراة، بدلاً من الإله»... و «أن تحب التوراة أكثر مما تحب الله»... المبدأ الذي يكرسه التراث التفسيري اليهودي، المتمثل بالمدراش والتلمود... وحفظ «التوراة» يأتي على حساب الاتصال المباشر بالإله، ويعني تكريس مبدأ غياب المقدس في مقابل حضور هذا العالم وتسييده».

ولعلي أفهم من ذلك أن النص (المقدس) عند اليهود، بقي مرجعاً أرضياً، وإمكاناً لتفاسير جديدة، تتجاوز ضباب تراكم التفاسير التي تعمل على حجب إمكان استنطاق النص الأصلي أو تأويله، مثلما حدث في المسيحية، وفي بعض المدارس الفقهية الإسلامية، وهذا مبحث يستحق الدراسة والتمحيص لمعرفة دوره في تقوية شعور «اليهود» بالاختلاف من جهة، ومقاومتهم، تبعاً لذلك، كل أشكال المحو والإلحاق من الجهة الأخرى، على رغم عصور التشرد والاضطهاد التي عانوا منها.

وبعد تجاوز مكونات العقل أو الثقافة اليهودية التاريخية، وهو ما ينبغي الإشارة إلى ضــــرورة تعميقه من جانب المؤلف أو غيره، ينســج البازعي أطروحته، المبنية على استقــــصاء تلك المكونات في نتاج عشرات الأسماء المنحدرة من المرجعية اليهودية (بعمــومية المعنى). وبشيء من التجاوز في القول والاختزال، يمكننا أن نتبين ثلاثة ملامح عامة اندرج ضمنها من اخــــتارهم المؤلف، للتعبير عن تأثير المكون اليهودي في الحضارة الغربية، وفق الآتي:

أ - شخصيات التزمت بانتمائها الى المكون اليهودي، ودافعت عنه في شكل علني، مثل الناقد الأميركي بلوم، ترافقه في ذلك أسماء التحقت بالمسيحية هرباً من قدرها اليهودي، ولكنها ما فتئت تدافع عن اليهود كأقلية، وعن مضمون ثقافتهم، مثلما قام به، رئيس الوزراء البريطاني (اليهودي الأصل الذي جذب الرساميل اليهودية لشراء قناة السويس) دزرائيلي، في أعماله الروائية.

ب - شخصيات خرجت عن اليهودية كدين، ولكنها لم تتحرر في نشاطها النظري وأطروحاتها المعرفية، من استلهام التراث اليهودي ومكوناته العميقة، في بناء هياكل نظرياتها، مثل «فرويد» في علم النفس التحليلي، و «أدورنو» في حلقة «فرانكفورت» و «جاك دريدا» في منهجه النقدي الأدبي، «التقويض».

ج – أسماء انتقدت العزلة والعقيدة اليــــهودية على السواء، وخرجت عليها وعلى سواها، وقدمت أطروحات ومناهج معرفية وفلسفية نقيضة، مثل «اسبينوزا»، و «كارل ماركس». ولكن المؤلف يطارد ما يتسلل في كتــــاباتها من مدافعة إنسانية عن حــــقوق الأقليات، ومنهم اليهود، ويوظفها كدليل على وجود شبهة المكون أو الثقافة اليهــــودية في منجزها، وهو ما يمكن مخالفة المـــؤلف الرأي فيه. وللحديث صلة.

 

سعودي يتساءل ..
هل حقاً أسهم اليهود ثقافيا أو إبداعيا في حضارة الغرب؟

جريدة الأنباط  لأربعاء 31/01/2007

 

صدر مؤخرا للناقد السعودي سعد البازعي "المكون اليهودي في الحضارة الغربية" عن المركز الثقافي العربي- بيروت، الدار البيضاء.

يفتش البازعي عن الوجه المضيء لليهود ويقدمه، وينزع إلى رؤية هؤلاء المفكرين من دون أن يفصلهم عن يهوديتهم، التي يصر على أن لها أكبر الأثر في ما تشهده الثقافة الغربية من خباب اسهامهم الواضح فيها، كنوع من إثبات الذات.

أسماء كثيرة تحضر في الكتاب: سبينوزا، فرويد، ماركس، ميندلسون، دريدا، إريك فروم، هوركمايمر، أدورنو، نادين غوردايمر، كافكا، باول تسيلان، فيليب روث، هاينه، دزرائيلي، هارود بلوم، وآخرون، علماء ومفكرون ونقاد وروائيون وشعراء.

يطرح البازعي - وفقا لأحمد زين بجريدة الحياة- رداً مباشراً على بعض المثقفين العرب، وفي مقدمهم الناقد جابر عصفور، «الذين يجرّدون الفكر ويعزلونه عن متغيرات السياق الثقافي والاجتماعي» بحسب الناقد السعودي ، انطلاقاً من قناعة أيديولوجية - خطابية، تدفعهم إلى عدم التعرض للمفكرين أو المثقفين اليهود من زاوية يهوديتهم، على اعتبار أن الفكر لا هوية له، واصفاً تلك القناعة بـ «رؤية تنويرية تقليدية ترسخت في الثقافة العربية منذ بشّر بها رسل التنوير الفرنسي».

يطمح المؤلف من خلال كتابه الواقع في 422 صفحة من القطع الكبير، إلى تحديد طبيعة التأثير الحضاري الذي تركه اليهود في تاريخ الغرب، وإلى الوصول إلى فهم أفضل للتشكيل الحضاري في محاولة للإجابة عن سؤالين مهمين ،ـالأول: هل هناك حقاً إسهام ثقافي فكري أو إبداعي، يمكن وصفه بـ «اليهودي»؟ والثاني: إن كان هذا الإسهام موجوداً فما حجمه؟ وما أهميته؟ ويرى أن هناك علاقة بين الإسهام الفكري والإبداعي من ناحية، والانتماء اليهودي من ناحية أخرى».

ويتمثل التأثير المباشر للمكون اليهودي في العصر الحديث من وجهة نظر المؤلف «في زيادة معدل العلمنة في الحضارة الغربية، ومقاومة التأثير الديني - الغيبي الذي ظل كامناً في المسيحية»، ولئن لم يأت اليهود بالتنوير، فهم ساعدوا على انتشاره.

ويلفت البازعي إلى الدور «الهدام» الذي لعبه المفكرون اليهود، ليس في المعنى السلبي إنما الإيجابي، بصفته خروجاً على الإجماع على نحو مبدع، فالمفكر المميز «بطبيعته خارج على الإجماع، ومن كونه «هادماً» لما توارثه الآخرون باستسلام وكسل ذهني، أو بالفرض والتسلط».

تتوزع مادة الكتاب في ثلاثة أقسام، يتناول أولها الأبعاد التاريخية والنظرية للتعرف على الحضور اليهودي، كما يتوقف عند السمات الفكرية التي تشكلت من جراء عاملين، «أولهما الشعور اليهودي بالاختلاف، وثانيهما الموقف أو الفعل الاستراتيجي الثقافي والفكري تجاه ثقافة الآخر الغربي – المسيحي».

وفي القسم الثاني يتوقف المؤلف عند أربع من أهم الشخصيات وهم: سبينوزا ومندلسون وهاينه ودزرائيلي، ويتضمّن هذا القسم أيضاً مناقشة للكيفية التي نظر بها أعلام اليهود الأوربيين في القرن 19الى حضورهم في الثقافة الأوروبية، ويعالج أيضاً الكيفية التي نظر بها عدد من مفكري أوروبا ومؤرخيها وكتابها من غير اليهود إلى الحضور اليهودي وكيفية التعامل معه.

ويكشف القسم الثالث الجانب الأبرز والأكثر تأثيراً في الحضارة المعاصرة، على اعتبار أن المكوّن اليهودي يبلغ في القرن العشرين قمة غير مسبوقة

 

من منتديات مجموعة الترجمة بجامعة السلطان قابوس

أحمد حسن المعيني

جهدٌ ضخم قام به الدكتور سعد البازعي قراءةً وبحثًا وتحليلا ليقدم لنا أطروحة أكاديمية فكرية رائعة ورصينة.


يُحاول (البازعي) تتبع الأثر الذي تركه اليهود من مفكرين ومبدعين في الحضارة الغربية، ووجود المكوّن اليهودي في أعمالهم، والذي تسمه سمتان رئيسيتان هما الشعور بالاختلاف والتميز، والتقويض (هدم الموجود وبناء غيره فكريا بأسلوب ثوري) إلى جانب الشعور بدور ريادي إصلاحي في العالم. ويحلل المؤلف أثر (سبينوزا) و(ماركس) والشاعر الألماني (هاينه) والروائي والسياسي البريطاني (بنجامين دزرائيلي) و(فرويد) و(جاك ديريدا) و(هارلد بلوم)، مبينًا المكوّن اليهودي في كل منهم وأثره في الحضارة الغربية


شخصيًا أرى أن المؤلف وُفق إلى درجةٍ ما مع من تناولهم باستثناء شخصية (بنجامين دزرائيلي) الروائية. نعم يبدو المكوّن اليهودي شديد الوضوح في رواياته، ولكن ما تأثير (دزرائيلي) في الأدب الإنجليزي أو الحضارة الغربية؟


كما أن (البازعي) -برأيي- يحتاج إلى إعادة نظر فيما يتعلق بتأثير الانتماء اليهودي في شخصية (فرويد)، فلا يبدو هناك كبير أثر سوى ما قاله عن نفسه بأن يهوديته فتحت له مجالا أكبر للنقد والتساؤل.


عمومًا..الكتاب وجبة دسمة ممتازة تستحق القراءة والتقدير. والبازعي يعرف جيدًا كيف يكتب البحث ويسنده بأكاديمية محترفة. وقد جاء الكتاب ضخمًا في حوالي 400 صفحة من القطع الكبير، إلا أن ذلك برأيي كان لتقوية الإطروحة، رغم أن فكرتها تتضح على نحوٍ كافٍ بعد القسم الثاني من الكتاب.

 

كتب الغذامي والبازعي والقصيبي وعبده خال تشهد إقبالاً

الحياة     - 05/03/07//

الرياض - عباس المدهش     

تشهد الإصدارات السعودية من روايات ودراسات وشعر، إقبالا لافتاً، بحسب دور النشر المشاركة في معرض الرياض الدولي للكتاب. فكتب عبدالله الغذامي وسعد البازعي وفاطمة الوهيبي وأحلام حادي، التي صدرت عن المركز الثقافي العربي، وروايات عبده خال وغازي القصيبي الصادرة عن دار الساقي، تلقى رواجاً جيداً في المعرض.

ولعل كتاب البازعي «المكون اليهودي في الحضارة الغربية»، الذي يعرضه المركز الثقافي العربي أكثر هذه الكتب مبيعاً، لما فيه من مادة إشكالية.

ويقول البازعي عن كتابه، إن الجديد هو «كيفية التناول وحجمه. فبحسب علمي هذه أول مرة يدرس الأشخاص وتدرس التيارات والأفكار بوصفها كلاً واحداً أو على قدر عال من التجانس، ليس في اللغة العربية وحدها وإنما حتى في اللغة الإنكليزية. الدكتور عبدالوهاب المسيري هو الرائد لا شك في ميدان البحث هذا وله إسهامات كبيرة ومهمة لتجلية جوانب من هذا المكون أفدت منها فائدة كبيرة، لكن قراءته لما أنجزه أو فعله اليهود تختلف في بعض وجوهها الأساسية عن قراءتي. وإن كان من إنجاز للكتاب فأرجو أن يكون في لفت النظر للكيفية التي استطاعت بها تلك الفئات أو الأقليات الإثنية أن تفعل كل ما فعلت ضمن السياق الحضاري الغربي، لتعزز من مكانتها على كل الأصعدة، وكذلك إلى أهمية دراسة الحضارة الغربية للتعرف عليها من الداخل بعيداً عن مجرد الإفادة منها أو هجائها».

 

القراءات المتنوعة تزود القارئ بنظرة بانورامية

عن جريدة المدينة - 18 يوليو 2007 -


الكاتب والناقد وعضو النادي الأدبي بجدة سحمي الهاجري يقول: تتنوع قراءاتي عادة بين كتب فكرية إضافة للروايات حيث أركز على قراءة معظم ما يصدر وقد قرأت أخيرا عدة كتب منها إصدار ملتقى جماعة حوار التابع للنادي الأدبي بجدة لعام 2003 تحت عنوان حركة السرد في الرواية النسائية فهو إصدار متميز وقيم كما إني قرأت كتاب صحف إبراهيم للدكتور صالح العجمي والذي يتناول صحف سيدنا إبراهيم عليه السلام حيث يناقش صحف إبراهيم من ناحية ثقافيه وفلسفية وكتاب عمرو والتشييع للدكتور حسن العلوي حيث يتكلم عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وموقف الشيعة منه رضي الله عنه وهو كتاب هام جدا إضافة إلى استقبال الآخر للدكتور سعد البازعي ويتكلم عنا نحن والاخر وكيفية استقبالنا لفكر الآخر وللدكتور سعد اصدار اخر لا يقل تميزا اسمه المكون اليهودي في الحضارة الغربية كتاب مهم جدا إضافة لبعض الروايات والتي صدرت أخيرا كرواية البحريات لأميمة الخميس وفتنه لأميرة القحطاني ورواية اختلاس لهاني نقشبندي ويعتمد اختياري على الكتب على إنها صدرت أخيرا وإنها تبحث في مواضيع متنوعة حيث تزود القارئ بنظرة بانورامية عن ما يجري في الساحة الثقافية وتطرقها لمواضيع شتى حيث يستطيع القارئ المتمعن أن يربط بين تقاطعاتها أيضا.

 

قراءة الظلال

13 أكتوبر 2007   البحرين

حسين مرهون:


الكتاب الثاني الذي نقدمه هنا عن دار النشر نفسها هو لفالتر أو والتر بنيامين. وهذا اسم على قدر كبير من الأهمية على مستوى عالمي، وهو يعد أحد المراجع المهمة في النقد والآداب ولا تكاد المتون النقدية الرئيسة التي صدرت بعد رحيله حتى الآن تخلو من استشهاد بالدراري التي استبنطها وقدمها. وللمفارقة لم يتم تقدير الرجل والنظر بجدية إلى أفكاره إلا بعد رحيله المأوساوي في السنة الثانية من الحرب العالمية الثانية. والمفارقة الثانية أن بنيامين انتحر بتاريخ 26 سبتمبر/ أيلول بينما قضى سعيد في 25 سبتمبر/ أيلول. والتاريخان قريبان جداً منا. وهما مناسبان تماماً لهذه الزاوية الأولى.


فالتر بنيامين يسمونه مرة بالناقد، ويطلقون عليه المفكر، ويصنفونه بالماركسي، ويرتبط اسمه بالنقد الجديد، ويضيفه البعض على اتباع مدرسة فرانكفورت، ويحضر في سياق الحديث عن الترجمة، وجعله كل من ميجان الرويلي وسعد البازعي من كُتاب النقد اليهودي في دليلهما المشترك، ثم أصّل البازعي وحده هذه الفكرة في آخر كتبه ‘’ المكون اليهودي في الحضارة الغربية ‘’ .2007 ومن هذه التصنيفات العديدة والمتنوعة تتجلى أهمية الرجل، الذي يتم استحضاره في الكتب التنظيرية لما بعد الحداثة وما بعد البنيوية، بوصف الأخير من الذين طرحوا أفكار قوية، وفي الوقت نفسه فإن نفس الكتابة عن يتسم بالفوضى الخلاقة - إن جازت التسمية -.


هذا البنيامين بقطع النظر عن زاوية النظر إليه يبقى علماً مهماً، إلا أن هذه الأهمية لم تتسلل إلى طاولات النقاد، ومناضد المترجمين العرب إلا لماماً. ومع ذلك فمن المفاجآت السارة قيام المترجم المصري أحمد حسان حديثاً بانتخاب مجموعة من مقالات هذا الناقد الألماني ونشرها في كتاب. وقد ألحق بهذه المنتخبات ترجمة مقدمة كتبها راينير روشليتز الذي نجهل من يكون تحديداً سوى أنه كتب مقدمة المجلد الأول من مقالات بنيامين بالفرنسية الصادرة العام .2000 وإجمالاً فإن حسان الذي نقل أزيد من أثر إلى العربية سابقاً، ومنها - على سبيل المثال - ‘’ مقدمة في نظرية الأدب ‘’ للماركسي الإنجليزي تيري إيجلتون ,1991 ومجموعة دراسات لعدد من النقاد والمفكرين المشهورين جمّعها في كتاب ‘’ مدخل إلى مابعد الحداثة ‘’ 1994 وغير ذلك. حسان قام هذه المرة وبذكاء شديد باصطفاء مقالات ودراسات نوعية كتبها بنيامين في مسيرته الفكرية، ونالت من الشهرة ما نالته، حتى أنه على رغم قلة الحفاوة العربية إلا أن المتتبع يتذكر استشهاد القلة العربية القليلة من النقاد به بالمقالات المضمنة في هذا الكتاب، والذي بإمكانه الآن العودة إليها كاملة من دون مجتزاءات ونتف.


الكتاب - كما تمت الإشارة - يجعل بين دفتيه بعض عيون ما كتب الألماني مثل: العمل الفني في عصر الاستنساخ الميكانيكي. باريس: عاصمة القرن التاسع عشر. محاورات مع بريخت. مهمة لمترجم. المؤلف بوصفه منتجاً. تاريخ موجز للفوتوغرافيا وغير ذلك. إذاً أحد عشرة دراسة ومقالاً هي مجموع ما يتضمنه هذا الكتاب الضروري، علاوة على مقدمة باذخة تشتمل على العديد من التفصيلات والدقائق حول حياة ومسارات الرجل الفكرية بما فيهاالرواسب التي خلطت حابل الميتافيزيقيات بنابل الماديات، وآثاره وأثره، مع شروحات للمقالات بما تمثله في سياق صيرورة تطور الرجل. وختاماً لمن لم يعرف فالتر سيكون مفيداً قطف هذه الكلمات مما ورد في المقدمة لإدراك مكامن أهميته ‘’ ولما كانت نصوص بنيامين ثرية بالصيغ المدهشة، وتقبل الاستشهاد بها على نحو رائع، فإنها أفادت ولا زالت تفيد في الدفاع عن العديد من القضايا الفلسفية، والدينية، والسياسية، والجمالية، والفنية، والأدبية (..) [ و] أصبح منذ ستينات [القرن الماضي] معترفاً به بوصفه حافزاً لأشد الأبحاث تنوعاً، وتم اعتباره رمزاً لكل أنواع المقاومة.


*
زاوية نرنو منها إلى عرض الإصدارات الجديدة في النقد والأدب والعلوم الإنسانية على مستوى دور النشر العربية، مما يعد إضافة حقيقية، من خلال دار نشر معينة، معرفين بجديدها، ومقدمين له.

 

" البازعي " من قراءة القصيدة إلى "ثقافة النقد "

علي الدميني   



حين نطالع الغلاف الخلفي لكتاب الدكتور سعد البازعي الصادر مؤخراً بعنوان " المكون اليهودي في الحضارة الغربية" ، لا بد أن تستوقفنا الإشارة إلى أن من مؤلفات الكاتب،" شرفات للرؤية ( حول العولمة والهوية والتفاعل الثقافي )، وكتابه "استقبال الآخر "( الغرب في النقد العربي الحديث )، وكتاب " دليل الناقد الأدبي "(مع د. ميجان الرويلي )، ولعل في هذا الاستدعاء المحدد ما يشير إلى مغادرة المؤلف فضاءً ألفناه فيه حين كان واحداً من أبرز رموز الاشتغال على النقد الأدبي التطبيقي في بيئة الثقافة السعودية والعربية، منذ عام 84م ( إلى جانب السريحي والغذامي ) ، أنجز خلاله العديد من الكتب من أبرزها " ثقافة الصحراء " و " إحالات القصيدة".


ولعل المتابعين لساحتنا الأدبية في المملكة، يتذكرون بأن حراكها الساخن منذ منتصف الثمانينات قد أبرز على السطح شكلا من أشكال الحوار أو الصراع الثقافي بين العديد من الأطراف ، ومنها ما برز جليا بين البازعي و الغذامي ، حول المدارس والمناهج النقدية الغربية الحديثة، التي شغل التعريف بها حيزاً كبيراً من كتاب الغذامي الشهير " الخطيئة والتكفير " ، حيث كان البازعي يشير في العديد من حواراته إلى عدم دقة ما ترجمه أو تبناه الغذامي منها، بل وذهب إلى أن الغذامي مصدر خلط في ما طرحه من مناهج أو مدارس نقدية أدبية غربية ، وخاصة فيما يتعلق بأسس التقويض (بحسب البازعي) ، أو (التشريح بحسب الغذامي).


ولقد أفادت ساحتنا الثقافية – بالرغم من كل المعارك الدامية - من جدل الحوار حول الشعر الحديث وحول النظرية النقدية ، بشكل لم يكن متوقعاً، إذ حُسمت مسألة مشروعية حضور قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر في ساحتنا الأدبية، مثلما غدت عناوين مصطلحات النقد الأدبي، مادة مشاعة بين كل الأوساط المشجعة والمناوئة على السواء. وقد أسفر ذلك المهاد التأسيسي للاشتغال على النقد التطبيقي ، وللحوار حول النظريات الأدبية الحديثة الذي استمر لأكثر من عقد من الزمن عن إعلان الغذامي عن موت النقد الأدبي، واتجاهه إلى ما أسماه ب"النقد الثقافي " ، فأنجز فيه مؤلفات مهمة مثل ( ثقافة الوهم، والمشاكلة والاختلاف، وتأنيث القصيدة، والنقد الثقافي ، وثقافة الصورة ، وغيرها ) ، فيما ذهب البازعي إلى العمل على إغناء وتعميق معرفتنا بالنظرية النقدية ومدارسها، من خلال ما يمكن تسميته ب "ثقافة النقد"، وذلك بالاتكاء على عدته المؤهلة للاطلاع على أسس تلك النظريات في مضانها الأصلية والاشتراك مع الدكتور ميجان الرويلي – المتخصص الآخر - في إصدار كتاب" دليل الناقد الأدبي " الذي غدا في عالمنا العربي، واحدا من المصادر المهمة في حقل المصطلح النقدي الغربي الحديث ، مع التركيز على "البنيوية " و"التفكيكية" كعنوانين رئيسيين كانا مجال انشغال تطبيقي طويل للغذامي على نتاج ساحتنا الإبداعية، وخاصة في حقل الشعر.



كان البازعي منذ البداية مهموماً بالدراسات "عبر الحضارية " ، ولذا اختار لأطروحته لنيل الدكتوراه، حقلاً لصيقاً بذلك الانهمام، فأنجزها في عام 1984م عن "الاستشراق"، كأبرز حقول الدراسات المقارنة فيما يتعلق بالأنا والآخر ، وبوصف "الاستشراق " و تحديداً بحسب تعبيره" ظاهرة تتمخض عن تحيزات ثقافية غربية تجاه العرب والمسلمين". وقد استهل البازعي نشاطه الثقافي بعد عودته إلى أرض الوطن بمحاضرة في " النادي الأدبي بالرياض "عن الاستشراق والمركزية الغربية ، فلاقت وقتها اهتماما لافتا ، جعلت أستاذنا "محمد العلي " يحتفي بها، وبما تنطوي عليه من إشارات على ولادة باحث سعودي جاد.

بيد أن ساحتنا الثقافية في ا لمملكة خلال تلك المرحلة ، وفي حقل الشعر تحديدا ، امتلكت جاذبية سحرية وموضوعية استطاعت معها لفت انتباه الأكاديميين والباحثين، والفقهاء وطلاب العلم ، ليضعوا أصابعهم في نيرانها، فانشغل المهتمون الجدد بهذا الفضاء ، حيث كان من أبرزهم السريحي ، و الغذامي، والبازعي، فقاموا بدور تاريخي في سياق تقديم فعل أدبي مزدوج، استهدف إشاعة مفاهيم النظرية النقدية الحديثة عبر الاشتغال على دلالات و جماليات استقبال المتلقي للنص الشعري الجديد .



كان الانشغال النظري في طبيعته الأدبية حاضراً في عمل هؤلاء النقاد، وكان كمينه جاهزاً لاجتذابهم صوبه مرة أخرى، بيد أنني استطيع القول بجرأة أن الحياة الثقافية كانت مهيأة لإحالتهم إلى كائنات أليفة ومألوفة لو استسلموا إلى الدوران في عجلة النقد التطبيقي، والمتابعة اليومية للإبداع الأدبي . ولذا لا بد من شكر الحراك الثقافي ذاته الذي دفعهم إلى القيام بعملية انقلاب على الموقع الذي وضعناهم فيه، فغادرونا محملين بأسئلة المرحلة الآنية والمستقبلية التي خبروها في معترك ذلك الفضاء ، وانتقلوا من مجال النقد التطبيقي اليومي ، إلى العمل على إشكالات الثقافة في كافة أبعادها ، المعرفية ، والاجتماعية ، والفكرية.

غادر قطبا النقد الأدبي التطبيقي ساحتنا الأدبية في المملكة ، وفق خطين يتكاملان ولا يتعارضان، رغم جذور التعارض الشخصاني بينهما ، ومضى كل منهما لاستثمار قدراته في المجال الذي اختاره ( النقد الثقافي أو ثقافة النقد )، تاركين الباب مفتوحا لرموز أخرى لمتابعة العمل النقدي اليومي ، ولأسماء جديدة يحفزها الحضور والغياب على جدل الحوار والمتابعة النقدية في الحقل الإبداعي.



ولعل من أهم ما اكتسبه القارئ اليوم من تحولات بعض النقاد صوب البعد النظري والثقافي، ، ما نشهده اليوم من تأثيرات عميقة أسهمت في تهيئة القارئ للتعاطي بجدية مع أسماء أخرى لم يكن يجيد الإصغاء إليها ، مثل إبراهيم البليهي ، و نجيب الخنيزي و محمد آل محمود ، وعبد الله القفاري، وغيرهم من عشرات الكتاب اليوم، الذين تحتفي بهم مساحات استكمال عدة " ثقافة النقد" ، وتشرق بهم ساحة " النقد الثقافي " في مختلف فضاءات حياتنا الثقافية والفكرية والاجتماعية .

وحيث أن كتابتي هنا تأتي كصدى لاستمتاعي بقراءة كتاب الدكتور البازعي عن " المكون اليهودي في الحضارة الغربية" ، فإنني أجد أنه من المهم القول، بأنه ما كان لمؤلفه، أن ينجز هذا الجهد الضخم من البحث المتأني في جذور تلك المكونات ، التي شملت مرحلة أمتدت من أوائل القرن السابع عشر وحتى اليوم، لو لم يتوفر على اطلاع دءوب على الثقافة الغربية عبر مدى زمني يتجاوز الثلاثين عاماً ... مستثمراً في ذلك تراكم رحلة طويلة في الدراسة في أمريكا، وفي متابعة أهم منجزات الحقل الأدبي والفكري ، نظرية ، وإبداعاً، حيث انشغل بطبيعة النقد المقارن لتمظهرات إشكالات ثقافية تتجاوز في مدى تأثير عملها، ثقافة الغرب إلى ثقافة العالم العربي والإسلامي، مثل " العولمة ، والهوية ، والتفاعل الثقافي.

 
إن هذا الكتاب المتميز في شمولية أبعاده البحثية واستقصائه للمكونات الدينية والثقافية، ولفكر التنوير والحداثة، وما بعد الحداثة، ولدور المكون اليهودي فيها ( أعلاما وثقافة ،قرأ وراجع فيها المؤلف أكثر من ثلاثمائة مصدر) لا يقدم محتواه بسهولة للمتابع العادي مثلي، وإنما يموضع مكانه ضمن دائرة النخب المختصة القادرة على مراجعة النصوص الأصلية في مضانها، من جهة، والمؤهلة لمحاورة أطروحة الكتاب المركزية من الجهة الأخرى.


وقبل أن أنهي هذه الكتابة، سأقف هنا أمام أهم سؤال مركزي يمكن أن يطرحه قارئ الكتاب، وهو:

 
هل كان البازعي محايداً وموضوعياً أم منحازاً، في سياق مقاربته للمكون اليهودي في الحضارة الغربية ؟


أعتقد أنه كان منحازاً رغم وقفاته الموضوعية الكثيرة ، حيث استثمر في بناء أطروحة هذا الكتاب كل أدوات تقويضية "جاك دريدا" الفتاكة ، من الهامش إلى الملحق إلى "الأثر " المنزلق دائماً" والتي تعمل ك "العثة " التي تتسل إلى النص الأصلي فتحجبه أو تقضي عليه، وخاصة في الأجزاء التي تعرض فيها إلى "سبينوزا" أو " ماركس". وقد كان المؤلف واضحاً في انحيازه حين أشار إلى " أن مفاهيم ، مثل الموضوعية والحيادية ، مفاهيم لم يعد الفكر المعاصر يراها صحيحة، أو مفيدة ، بل ينظر إليها في الأغلب الأعم ، بوصفها من مخلفات التنوير الأوربي ص 22"، كما أكد على " أنني أكتفي بالقول إن الاهتمام بالتحيز كان بالتأكيد وراء انشغالي بالحضور اليهودي في الحضارة الغربية".


وحيث لم يعد الحيز ممكناً ، للتعريف بأهم مرتكزات الكتاب الرئيسية ،أو الحوار مع بعض أطروحاته ، فإنني اكتفي بهذه التحية الاحتفائية بالكتاب وبمؤلفه، آملاً متابعة الحديث عنه ، في الحلقة القادمة.

نقلاً عن منبر الحوار والإبداع

 

كتاب "المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية": سطوة المحددات الإثنية

عن موقع الأوان  

مروان عبد الرزاق


هل هناك إسهام ثقافي، فكري، إبداعي، يمكن وصفه (باليهودي)؟ وبأي معنى؟ وإذا كان هذا الإسهام موجودا، فما هو حجمه، وما هي أهميته في الحضارة الغربية ؟

مقاربة الإجابة على هذه الأسئلة تشكّل موضوع كتاب "المكوّن اليهودي في الحضارة الغربية" لمؤلفه د.سعد البازعي، أستاذ الأدب الإنكليزي والمقارن بجامعة الملك سعود بالرياض، وله العديد من الأبحاث والكتب منها : "شرفات للرؤية، حول العولمة والهوية والتفاعل الثقافي"، و"استقبال الآخر، الغرب في النقد العربي الحديث"، "ودليل الناقد الأدبي".

يعتقد المؤلف أن الوصول إلى فهم أفضل لتركيبة الحضارة الغربية، بما تحتويه من ثقافات مختلفة، وبوصفها الحضارة المعاصرة والمهيمنة على العالم، لا يتم بدون فهم الإسهامات الفكرية والثقافية للأقليات، أوالإثنيات التي تعيش ضمن المجتمعات الغربية، ومنها اليهود.

وتأتي أهمية الحضور اليهودي، من أنه يقع في صلب التكوين الحضاري الغربي. فمن اليهود في نهاية المطاف جاءت التوراة والإنجيل، أي المسيحية. وأدى هذا إلى اجتماع " قوة الصلة مع قوة الكراهية، قوة التقارب مع قوة التباعد" في علاقة المسيحيين باليهود في الغرب.

ويمتد هذا الحضور إلى القرن الرابع الميلادي، منذ تنصّر الدولة الرومانية، ودخول الإمبراطور قسطنطين (272 – 335م) الدين المسيحي. وترافق مع هذا الحضور الصراع مع اليهود طوال العصور الوسطى، وكذلك عصر النهضة، بسبب الخلاف الديني، وعدم توافق اليهود دينياً وثقافياً مع الحضارة الغربية، واتهام اليهود بتهمة تحريف العهد القديم على نحو يخفي مشروعية المسيح. إلى أن جاء عصر التنوير، فبدأ وضع اليهود يتحسن وخاصة منذ القرن الثامن عشر، ومجيء الثورتين الفرنسية (1789م ) والأميركية (1776م )، حيث ُمنح اليهود حق المواطنة كاملة.

وللتعرف على هذا الحضور، يوضح المؤلف أدواته المفاهيمية التي يستخدمها وهي: مفهوم الإثنية، ومفهوم المكوّن اليهودي.

فالإثنية "تعبر عن فئة اجتماعية واقعة ضمن تشكيل ثقافي واجتماعي، تُمنح وضعاً خاصاً تأسيساً على سمات معقدة ومتنوعة، تشتمل غالباً على خصائص دينية ولغوية وعرقية وجسدية". فالسمات الإثنية سمات ثقافية واجتماعية في المقام الأول، وهي غير العرقية. ومفهوم الإثنية يصدق إلى حد أكبر بكثير على اليهود في فترة ما بعد تلاشي الغيتوات، أو فترة ما بعد الخلاص الممتدة منذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، وحتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث بدأ اليهود بالذوبان ضمن المجتمعات الغربية.

ولأن مفهوم الإثنية ودلالاته غير كافٍ لفهم التركيبة المعقدة للمفكرين والكتّاب اليهود الذين يضعهم المؤلف موضع الدرس والتحليل، في علاقاتهم بالمحيط الاجتماعي والثقافي، لذلك يستخدم مفهوم "المكون اليهودي" الذي يتشكل من البعد الإثني، أي الموروث الثقافي والاجتماعي، والأعمال التي تركها هؤلاء، وما يقولون عن أنفسهم. بالإضافة إلى ما يقوله عنهم من عرفوهم سواءً على المستوى الشخصي، أو على مستوى التحليل والدراسة.

ويرصد المؤلف مأزق الانتماء اليهودي، منذ بداية الشتات في القرن الخامس ( ق.م ) وعدم امتلاكهم تاريخا مشتركا، ولغة مشتركة، وبروز مقولة "شعب الله المختار" كمرتكز للهوية اليهودية. وقد عبر عن هذا المأزق العديد من المثقفين اليهود، سواءً برفض الهوية اليهودية، أو عدم الاهتمام بها، أو تقديسها.

وأدت حركة التنوير الأوروبية إلى انقسام اليهود إلى اتجاهات ثلاث: الأول، دعا إلى اندماجهم في المجتمع الأوروبي مع إمكانية تنصرهم، والثاني ترافقت دعوته للاندماج مع المحافظة على التراث اليهودي الخاص. وعرف هذا الاتجاه بالإصلاحي أو التنويري (الهاسكالاه Haskala) والذي سعى إلى المواءمة بين أسلوب حياة وطقوس المسيحيين واليهود. والثالث، عبرت عنه الحركة الصهيونية ودعوتها لرحيل اليهود جميعاً إلى فلسطين.

ويبحث المؤلف في أعمال أكثر من خمسة عشر مفكراً ومثقفاً من أصل اليهودي، ينتمون إلى النموذج الأول والثاني، ويوضح آثار "المكوّن اليهودي" في شخصياتهم وأعمالهم التي تركت وما تزال آثاراً مهمة ليس في الثقافة الغربية فقط، بل في العالم كله.

ويأتي في مقدمة الذين يبرز عندهم المكوّن اليهودي الفيلسوف مندلسون (1729– 1786) والذي حمل هموم اليهود في أوروبا ودعاهم للاندماج، وتبنى الفكر الليبرالي التنويري، ودعا إلى علمنة الحياة الثقافية والسياسية الأوروبية بفصل الدين عن الدولة، إلا أنه حصر العقلانية في أسس الدين اليهودي. وبنجامين دزرائيلي (1804 – 1880) الذي حافظ على يهوديته بالرغم من تنصره، وكان مرتبطاً بمؤسسة روتشيلد اليهودية، وأبرز في أعماله الروائية اليهودي باعتباره الإنسان الاستثنائي الفائق الذكاء.

والنموذج الأكثر ارتباطاً بخلفيته اليهودية، هو هارولد بلوم، والذي يعتبر من النقاد البارزين في النصف الثاني من القرن العشرين، والذي أبزر الموروث الثقافي اليهودي بأشكاله المختلفة وخاصة القبّالة (وهي طريقة خاصة للتصوف اليهودي)، واعتبرها أصل الإبداع الشعري. ويرى بأن النقد ذا الأصول والهوية الصوفية اليهودية هو الخيار، أو البديل الأفضل والوحيد للنقد الغربي الحديث. وكان يكره الناقد الأميركي إليوت الذي هيمن على النقد في النصف الأول من القرن العشرين. لان مواقف إليوت كانت تتضمن نوعا من العداء لليهود.

ويرى المؤلف أن المثقفين اليهود، باستثناء المفكرين الكبار مثل سبينوزا وماركس لم ينتجوا الفلسفة، إنما كانت إسهاماتهم على هامش الفلسفة والفكر الأوربي. ولذلك فهو يبحث مطولاً عن يهودية سبينوزا وماركس وفرويد وأصحاب مدرسة فرانكفورت، وجاك دريدا.

ورغم أن سبينوزا وماركس من أكثر العلمانيين تطرفاً، حيث انتقد الاثنان الأديان كلها، بما فيها الدين اليهودي، ووضعا الأسس للنقد التاريخي للكتاب المقدس، وهو نقد يقوم على أسس دنيوية أو علمانية / تاريخية ثقافية. واعتبر سبينوزا أن الكتاب المقدس ليس سوى أدب شرقي، ودعا إلى نظام أخلاقي سلوكي قائم على الفلسفة الحلولية (جعل الإله والطبيعة كيانا واحدا)، وسخر من اليهودية بأشكال مختلفة، وتم طرده من الجماعة اليهودية، ووصفه بالخائن حسب المؤرخ اليهودي هيرمان كوهين، إلا أن المؤلف يرى يهودية سبينوزا في كونه عاش في بيئة حاخامية، وباعتباره رمزاً للخلاص بمعناه الديني والدنيوي!

وكذلك يهودية ماركس باعتباره مسكوناً بهاجس الإصلاح الرسولي، الذي يأخذ على عاتقه مهمة إصلاح البشرية جمعاء، وهذه سمة لليهود! وذلك لدعوته إلى إقامة المجتمع الاشتراكي والشيوعي، وأيضاً في مناقشته لمسألة الاغتراب الإنساني، حيث يُبرز المؤلف اليهود باعتبارهم النموذج للإنسان الذي يعاني الاغتراب والاستلاب. رغم أن ماركس لم يتعرض لليهود في كتابه ولو بكلمة واحدة.

ويرى المؤلف في الفكر السبينوزي والماركسي توجها تقويضيا، ويعتبر التقويض سمة للفكر اليهودي، أي إبراز التناقضات وخلخلة المفاهيم الأساسية في الثقافة، ابتداءً من الدين ومروراً بالدولة والقومية. ويتكرر المنهج ذاته عند دراسته لأعمال فرويد ومدرسة فرانكفورت، وجاك دريدا.

حيث يفسر - على سبيل المثال – مقولة دريدا، "لا شيء خارج النص"، بأنها مستمدة من مقولة "لا شيء خارج التوراة" التي يعتمد عليها "المدراش " اليهودي (وهي الطريقة التي اتبعها حاخامات اليهود لتفسير التوراة). ومن المفيد ذكره بأن المراجع الأساسية التي يعتمد عليها المؤلف من أجل دعم رأيه، هي على الأغلب لمؤرخين يهود (ومنهم صهاينة)، مثل جورج شتاينر، وسوزان هاندلمان وغيرهما.

وفي النهاية يخلص المؤلف إلى الخيوط الناظمة للمكّون اليهودي كما وجدها عند المفكرين اليهود. منها ما يخص اليهود مثل التصوف اليهودي بشكله القبّالي، والاهتمام بالموضوعات ذات الصلة باليهود، وتوظيف استراتيجيات نصية تفسيرية مشتقة من التراث. ومنها مكّونات أخرى، يجعلها خاصة باليهود، في حين أنها ليست كذلك، مثل الشعور الطاغي بالاختلاف وهو موجود عند كل الأقليات، وليس اليهود فقط، مثل الآشوريين في سوريا والعراق. وكذلك الميل إلى فرويد وعقدة أوديب، والميل إلى لنزعات الثورية، والنزعة المشيائية الرسولية، وهذه موجودة عند كل المجتمعات. لأنه في هذه الحالة، أي إذا كانت هذه النزعات أو الصفات خاصة باليهود، فان البشرية كلها تصبح يهودا، أو متأثرة باليهود. وأن الثورات الرأسمالية الأوربية، والثورة الروسية/1917/ التي ضمت في صفوفها أعدادا كبيرة من اليهود، والثورات في العالم المتخلف في القرن العشرين، كلها تتسم باليهودية، وهذا بعيد عن الواقع والرؤية الموضوعية. في الوقت الذي لا يملك فيه اليهود سوى التوراة المستمدة من الحضارات القديمة كاليونانية والمصرية والبابلية. ولم يؤسسوا في كل تاريخهم أية حضارة، و لم يحملوا معهم إلى البلاد التي سكنوها سوى التوراة والتفاسير المدراشية التلمودية. ولذلك لم نجد عند اليهود موروث ثقافيا فلسفيا وعلميا وإبداعيا.

وفرويد (1856-1939) برأي العديد من الدارسين الأورابيين، ومنهم الألماني اليهودي بيتر غي، كان أكثر إيمانا بالعلم واستقلاليته، من إيمانه الديني اليهودي الذي لم يعره أي اهتمام. حيث وصف فرويد نفسه بأنه لاديني، أو "يهودي بلا اله". وعقدة أوديب ليست خاصة باليهود. كما أنها ليست نتيجة دراسة فرويد للتوراة. إنما هي نتاج أبحاث طويلة في التحليل النفسي، أجراها فرويد وغيره على عينات بشرية من كل الأجناس والأعراق.

والنزعة المشيائية الرسولية موجودة لدى كل المجتمعات ودياناتها وطقوسها، وعبر كل العصور، ابتداء من الحضارات القديمة وحتى الآن.

إضافة إلى ذلك فإن الحضارة الغربية الحديثة لم تبدأ نهضتها إلا عندما تخلصت من سيطرة الكتاب المقدس بجزأيه التوراة والإنجيل، وتم فصل الدين عن الدولة، وضمن عصر الأنوار الأوروبي، وهو نتاج أوروبي وليس يهوديا، وما هيأه من شروط للإبداع الثقافي والعلمي، استطاع عدد من المثقفين من الأصل اليهودي أن يبدعوا ويؤسسوا مدارس ثقافية وإبداعية كبرى مثل سبينوزا وماركس وفرو يد وغيرهم. والأساس لإبداعهم الفكري ليس وجودهم ضمن عصر الأنوار فقط، إنما أيضا تخليهم عن التقوقع أو التخندق الديني. ومن أراد أن يبدع مستلهما أفكاره من النص الديني فقط، فإنه يبقي على الهامش مثل مند لسون ودزرائيلي وبلوم، الذين يمكن أن نجد عندهم الموروث اليهودي. وهذا يفسر لنا لماذا لم يبدع اليهود الذين عاشوا في البلدان المتخلفة، حيث عجزت هذه البلدان عن توفير المناخ الملائم للتطور الفكري والعلمي فبقيت مع أقلياتها ومن ضمنهم اليهود يتغنون بكتبهم المقدسة التي يحسبونها تضم كل شيء. فبقوا وما زالوا خارج الحضارة والتاريخ.

وكما كان اليهود منبوذين على المستوى الشعبي، كانوا منبوذين أيضا عند المفكرين الأوربيين مثل الإنكليزي ماثيو آرنولد (1822-1888) الذي اعتبر أن العبرانية تعبير عن النزوع إلى الماضي وتقديس الأفكار القديمة، وأن سبينوزا ابن أوروبا الحديثة وليس من بني إسرائيل. والفرنسي إرنست رينان (1823-1829): الذي رأى أن العرق السامي يتسم بعدم القدرة على إنتاج الفلسفة. فالإسهام العربي صدى للإسهام اليوناني والإسهام اليهودي صدى للإسهام العربي. إلا أنه شّبه سبينوزا بعيسى وسقراط.

ورغم أن المثقفين الأوربيين غير متفقين جميعا على قيمة الأثر اليهودي في حضارتهم. إلا أنهم معجبين بسبينوزا وغيره من أعمدة الأنوار الأوربية، وليس بوصفه نتاج اليهودية. غير أن المؤلف د. سعد البازعي يستنتج مغالطة تعتمد على مقدمة خاطئة، وهي أن سبينوزا يهودي، وكل مُعجب به، فهو بالضرورة مُعجب باليهود وآثارهم. ومثل هذه المقدمات الخاطئة، اعتباره أن الماركسية والتحليل النفسي الفرويدي من مصادر الفكر اليهودي ومنهما تشكلت أدوات التحليل الرئيسة التي سخرها أصحاب مدرسة فرانكفورت (تأسست عام /1930/) لفهم الظاهرة الفاشية وأسباب ظهورها، لاسيما وأن اليهود كانوا من أكثر الفئات تضررا منها.

فاليهود لم يؤسسوا كلاً بشريا متجانسا. إنما كانوا جماعات غير متجانسة، ليس لها تاريخ واحد، إنما تواريخ ومجتمعات مختلفة، حسب رأي د. عبد الوهاب المسيري، وإن لم نر واقع اليهود هذا فإننا سنقع في الخطاب الصهيوني الذي يشيع وحدة وهمية لليهود، وحضارة قديمة تم تدميرها على يد البابليين، رغم أن كل المكتشفات الأثرية حتى الآن لم تشر من قريب أو بعيد إلى وجود هذه الحضارة. ويقترب من الموضوعية باستنتاجه بأن المفكرين مثل ماركس وسبينوزا وفرويد، ليسوا يهوداً بقدر كونهم أوروبيين أو غربيين، وأن يهوديتهم وإن بقيت، لم تكن فاعلة في تشكيل إسهاماتهم الفكرية والإبداعية. وأنهم نتاج حركة الأنوار الأوروبية لاالتوراة. وكانوا علمانيين، وإيمانهم باستقلالية العلم أقوى من أي انتماء إثني يهودي.

وفي الخاتمة يخشى المؤلف من "سوء الفهم"، لأن الكتاب غير مُعد – برأيه – لمدح اليهود. في حين أن الكتاب مشغول بطريقة منهجية تعتمد على لا حيادية الفكر – كما جاء في مقدمة الكتاب - وبالتالي كل من هو من أصل عرقي يهودي، أو تربى ضمن عائلة يهودية، لا بد من أن يؤثر ذلك في أعماله الفكرية. فجاء الكتاب ليمدح اليهود، ويرسخ أفكار المؤرخين اليهود في الثقافة العربية، حول عبقرية اليهود وتفوقهم على "الأغيار"، وأنه لولا الإسهامات اليهودية الكبيرة، لما كانت الحضارة الغربية كما هي عليه الآن.

والكتاب يعبر عن صورة واضحة لإشكالية المفكر العربي حين يتناول المسألة اليهودية وقدرته على الاقتراب من الموضوعية، أو الابتعاد عنها. وهذه الإشكالية تتوضح بالرفض المطلق لمقولة حيادية الفكر والعلم. حيث إن السؤال عن نظرية فرنسية أو إنكليزية أو أميركية "هو نوع من الأسئلة الأيديولوجية التي تنتهي إلى تزييف العلم" حسب رأي الناقد د. جابر عصفور. وهذا أدى بالبازعي، إلى التطرف في إعطاء الأهمية للظروف الاجتماعية والبيئية وأثرها على المفكر والفكر الذي ينتجه. حيث وضع د. البازعي مقدمته التي تؤكد تحيز الفكر والعلم، كما عبر عنها بعض أعضاء مدرسة فرانكفورت مثل هوركهايمر وأدورنو، وراح يبحث عن يهودية من رفض اليهودية وعصبيتها، مما جعله في النهاية يعتمد على المؤرخين اليهود بالدرجة الأولى. وهؤلاء ليسوا بعيدين عن الحركة الصهيونية التي تعمل على تشويه الواقع والحقائق لتبرر اغتصابها لفلسطين، وباعتبارهم "شعب الله المختار". واختزل بذلك المكوّن اليهودي إلى سمات عرقية تتعلق بالولادة من أب وأم يهوديين، بدلا من السمات الثقافية والاجتماعية التي أرادها المؤلف لهذا المكوّن. رغم أن مقولة لا حيادية الفكر تحمل جانبا من الصحة إذا تم تطبيقها في مجالات محددة كالأدب مثلا إلا أنها في بالوقت نفسه، لا تؤدي إلى نتائج مطلقة.

من جانب آخر، فإن النتائج التي توصل إليها البازعي تتفق مع التيار الإسلامي الأصولي الذي يحارب العلمانية ورموزها مثل سبينوزا وماركس وفرويد باعتبارهم مفكرين يهود. وهذه نتيجة التطرف في الاعتماد على مقولة لا حيادية الفكر والعلم.