لقاء مع جريدة الشرق الأوسط

البازعي: موقف من يسمون أنفسهم «النقّاد الإسلاميين» غير جدير بالمناقشة

جريدة الشروق الأوسط   

سعد البازعي: لدي إشكالية في الحسم الفكري لكنني لست معنياً بالتمذهب
في حوار حول كتابه «استقبال الآخر» الناقد السعودي لـ«الشرق الأوسط»: مشكلتنا مع من يعتقد أن ما قيل في القرن الثاني يصلح لكل زمان ومكان

حوار: سعد المحارب


استقبال الآخر.. الغرب في النقد العربي الحديث» كتاب جديد للناقد السعودي سعد البازعي يناقش فيه استقبال النقّاد العرب لمناهج النقد الغربي، قاصداً بالاستقبال هنا اتخاذ الغرب قبلة، وتلقي ما يصدر عنه بكثير من الانبهار والإعجاب على حساب المساءلة والنقد.
ولأن هذا الطرح يتجاوز النقد الأدبي بوصفه علماً متخصصاً إلى الثقافة بعمومها، تجري هذه المناقشة مع البازعي حول ما قدّمه في كتابه وما يدعو إليه، مع محاولة وضعه كمفكر في سياق أكثر وضوحاً وفهم منطلقات مشروعه الذي تراكمت فيه الدعوات إلى التعامل بحذر مع الآخر الغربي.. فإلى الحوار..
*
ذكرت في كتابك أن موقف الكثير من المثقفين العرب من الثقافة الغربية لم يخرج عن الإعجاب، وعدت للتأكيد في موضع آخر أن ما يمكن استقباله من الآخر يتضمن ما يوجب الرفض والقبول. ألا تعتقد انك كنت ستبدو أكثر عدالة لو أشرت إلى آخرين تبنوا مواقف العداء والمفارقة للآخر. لماذا فقط تركز انتقادك حول الموقف الانبهاري من الثقافة الغربية المعبّر عنه باستقبال الآخر، ولم يكن انتقادك حاضراً لمن تبنوا «استدبار» الآخر؟
ـ الذين اتخذوا موقفاً انبهارياً من الغرب في الكتاب لم يكونوا قابلين بكل ما طرحه الغرب، وإنما غلب على موقفهم هذا القبول، وفي الجانب الآخر ذكرت أمثلة لمن اتخذوا مواقف سلبية من الثقافة الغربية، وهؤلاء أيضاً لم يكن لديهم رفض مطلق وإنما غلب على موقفهم السلبية، وفي نهاية الكتاب قدّمت نموذج شكري عيّاد بوصفه من النقّاد العرب الذين قبلوا بالثقافة الغربية لكنه أصرّ على تأصيل هذه الثقافة وتبيئتها.
أما الموقف الذي تشير إليه في سؤالك وهو الموقف السلبي المطلق القائم على أنه لا يوجد في الثقافة الغربية ما يمكن الاستفادة منه، مثل موقف من يسمون أنفسهم «النقّاد الإسلاميين» وأصحاب الأدب الإسلامي، فقد استثنيته منذ البداية لأنه موقف غير جدير بالمناقشة، مثله في ذلك مثل موقف القبول المطلق.
*
تقول في الكتاب «... ما يزال بيننا من يظن أن هناك ثقافة إنسانية صالحة لكل زمان ومكان...» في إطار حديثك عن محدودية المشترك الإنساني، إذا كان هذا الكلام موجهاً لأصحاب الموقف الليبرالي فلا اعتقد أنهم قالوا إن ثقافتهم صالحة لكل زمان ومكان، ثم ألا ترى أن هذا الكلام أصلح لان يوجه لأصحاب الطرح الإسلامي القائل بصلاحية ثقافته لكل زمان ومكان؟
ـ دعني ابدأ من الشق الأخير، أنا أفرّق بين الدين وبين فهمه، فانا اعتقد أن القرآن والسنة ليست ثقافة إنسانية وإنما هي متجاوزة، ولكن المقولات التي تمثل اجتهادات في فهم النص المقدّس كما في التفسير والفقه هي ثقافة إنسانية لا اعتقد أنها صالحة لكل زمان ومكان، لسبب بسيط وهو أننا إذا قبلنا صلاحيتها الدائمة والممتدة نجعل منها معادلاً للقرآن والسنة. ومشكلتنا اليوم تكمن في أن بيننا من يعتقد أن كلاماً بشرياً قيل في القرن الثاني أو السابع الهجري يصلح لكل زمان ومكان، ولكن على كل حال كان حديثي في الكتاب حول الثقافة الغربية ولم أكن أقصد أصحاب الطرح الإسلامي، إلا أنني الآن أقوله وأعنيه لأنه ينطبق عليهم أيضاً.
أما الشق الأول، نعم لم يقل الليبراليون هذا، لكن مواقفهم تنبئ عنه، فعندما يأخذ أحدهم كلاماً لفيلسوف غربي في القرن السابع عشر الميلادي ويرى أن أفكاره صالحة إلى الآن، مثلما تجد لدى حسن حنفي الذي ترجم احد كتب (سبينوزا)، تدرك انه يتعامل مع مقولات الثقافة الغربية على أنها كلام فوق مستوى النقد والمساءلة بحسبانه مشتركا إنسانيا لا يجوز المساس به، والأمر نفسه ينطبق على كلام مفكرين فرنسيين وألمان يرون أن ما يصلح لمجتمعاتهم يصلح للهند أو لمصر أو للسعودية.
*
في عبارة أخرى تقول «... إن الحضور الصامت، وربما غير المحسوس، للنقد الغربي في تركيبة الخطاب النقدي لدى سيد قطب مؤشر قوي على أن ذلك النقد الغربي... أقوى من أن يقاوم بمجرد إعلان الابتعاد عنه، أو تفادي ذكر رموزه...»، اعتقد أنني لو استبدلت اسم سيد قطب بسعد البازعي لصحت العبارة...
ـ (مقاطعاً) صحيح أنا لا أضع نفسي خارج هذا السياق، أنا واثق أنني متأثر بالثقافة الغربية وأنا منذ أكثر من ثلاثين سنة بدأت الدراسة الجامعية في حقل الأدب الإنجليزي، وأنا اليوم أدرسه، وإنما اعتقد أن موقفي مختلف باعتباري أحاول تبني موقف واعٍ مما أتلقى عن موقف آخر يعتقد أن مجرد رفضه للنقد الغربي يعني تخلصه منه، أنا أدرك أنني لم أتخلص من النقد الغربي بمجرد دعوتي إلى تبيئته، وإنما أكثر من ذلك هناك بعض التأثيرات الغربية التي أراها صالحة ولا أريد التخلص منها.
*
نعم ولكن هذا يطرح إشكالية مركزية تجاه موضوع كتابك تتلخص في أن كثيراً من الأعمال الأدبية العربية الحديثة تقع ضمن دائرة فنون إما تأثرت بنظيرها الغربي أو أنها نشأت هناك - كما في قصيدة النثر ـ، وبالتالي فكيف يمكن نقد هذا الأدب من دون استحضار المنهج النقدي من ذات الحضارة التي أنتجت هذا الفن أو طورته؟
ـ أنا لا أدعو إلى نبذ المناهج النقدية الغربية، وإنما أدعو إلى غربلتها بحيث تلائم الأدب العربي، أما ما تشير إليه من الأعمال الأدبية فهناك مستويات للتأثر، فمثلاً رواية نجيب محفوظ متأثرة بشكل رواية الأديب الروسي (ديستويفسكي)، لكنها مختلفة من حيث المضامين، بل حتى الشكل تم تعديله بدرجة ما ليناسب الطابع المصري المحلي.
ولذا حين نطبق المنهج النقدي الغربي المستخدم في قراءة روايات (ديستويفسكي) على روايات محفوظ نظل نبحث عما يشبه الأول، غافلين بسبب المنهج عن التميز المحلي للروائي الثاني.
أما إذا كانت الرواية لكاتب عربي ولكنها لا تأخذ بأي عنصر من الثقافة العربية، مثل روايات بعض الأدباء العرب الذين كتبوا رواياتهم بالفرنسية - أو حتى بالعربية ولكن بقالب غربي صرف - فالسؤال هنا من حيث المبدأ هل هذه الروايات عربية، ولذا فإن تطبيق المنهج الغربي عليها مقبول لأنها رواية غربية.
عموما هذا السؤال في صميم المشكلة ودعوة للتفكير، ليس المهم أن أقدّم إجابة نهائية، ولكن المهم أن نستشعر أننا أمام المعضلة المطروحة في سؤالك، ما يقلقني أن كثيرين لا يشعرون بوجود المشكلة أصلاً.
*
وصفت «عالمية الفكر» بالمفهوم الواهي، هل يعني هذا أنه لا توجد قيم إنسانية مشتركة، ولا يتوفر عقل إنساني عام، فإن كان كذلك فكيف - مثلاً ـ لقيم «الخير والحق والجمال» عند أفلاطون أن تتجاوز الثقافة اليونانية إلى الرومانية المسيحية والإسلامية والغربية، ألسنا هنا أمام قيم فكرية عالمية؟
ـ لا شك في وجود القيم الإنسانية المشتركة، لكن ما قصدته بغياب عالمية الفكر ليس غياب القيم المشتركة، وإنما غياب الفلسفات المشتركة التي تحقق هذه القيم، فصحيح أن هذه القيم عند أفلاطون هي مشترك إنساني تجاوز الحضارة اليونانية إلى العديد من الحضارات الأخرى، ولكن الفلسفة التي أنتجها أفلاطون من تطوير هذه القيم ليست مناسبة للجميع، بدليل أن أرسطو المنتمي إلى ذات الحضارة كانت له اعتراضاته على مثالية أفلاطون.
فانا إذن أتحدث عن الأنظمة الفلسفية الفكرية التي يطورها المفكرون من هذه القيم الأساسية، واختلف مع القائلين إن تلك الأنظمة عالمية وصالحة لكل زمان ومكان.
*
انتقدت طه حسين في استحضاره ديكارت واعتبرت انه «... كسر السياق الثقافي حين استدعى نسقا فكريا يتخطى رموز الثقافة العربية، الذين كانوا من رموز العقلانية فيها كالجاحظ والكندي وابن رشد...»، فإلى أي حد تعتقد باستقلالية هؤلاء الثلاثة عن استقبال الآخر، وهذا يطرح أمامي إشكالية الاستقبال، فانا أرى أن قصة استقبال الآخر هي قصة الإنسان عموماً، فكما استقبل طه حسين ديكارت، استقبل الغربيون ابن رشد، واستقبل ابن رشد أرسطو، ومن هنا فكأنك تنتقد ما هو طبيعي؟
ـ الاعتراض عندي ليس على الاستقبال بالمفهوم الأساسي، ولكن اعتراضي على الاستقبال بالمعنى الفقهي، أي اتخاذ الثقافة الغربية قبلة والتعامل مع منتجها بشيء من التقديس.
وأود أن أشير هنا إلى أن أوروبا حين استقبلت ابن رشد، كانت تستقبل فيلسوفاً من حضارة متفوقة تحتاج إليه، ولكن السؤال المهم كيف استقبلته، لقد استقبلت ابن رشد الذي يناسبها هي، بمعنى أن الأوروبيين قاموا بتبيئة فكر ابن رشد، وإذا عدنا إلى كتاب المؤرخ الفرنسي آرنست رينان عن الرشد والرشدية، سنجد أنه يأخذ من ابن رشد ما يلائم فرنسا في القرن التاسع عشر، لأنه يريد أن ينمّي روحاً ليبرالية مضادة للفكر الديني الدوغمائي السائد في فرنسا في تلك الفترة، لكنه لم يأت إلى ابن رشد مندهشاً ومردداً لمقولاته البعيدة وغير الملائمة للبيئة الفرنسية، مثلما يفعل بعضنا مع مقولات ميشيل فوكو ورولان بارت وسارتر.
فانا أدعو إلى قراءة الثقافة الغربية ولكن بذات قوية ناقدة ومتسائلة، وليس على طريقة بعض ليبراليي العالم الثالث الذين - ولأسباب محلية غالباً - يريدون أن يصدموا بالطرح الغربي واقعهم الثقافي الذي لا يرضون عنه.
*
لم يكن من المريح - في رأيي على الأقل ـ تكرار وصف «اليهودي» قبل اسم الفيلسوف الهولندي سبينوزا، لأنه لم يكن متديناً بل كان علمانياً عقلانياً وكان من أكثر الفلاسفة عدوانية للفكر الديني، فكان هذا الوصف له غير موضوعي؟
ـ اليهودية هنا انتماء عرقي وثقافي وديني، ثم إن معظم مثقفي أوروبا يصفونه بهذا الوصف، إلى ذلك بالتأكيد أنا لا اقصد أن أفكاره تمثل الدين اليهودي، وإنما هي إشارة إلى مكون ثقافي أساسي لديه يشمل الجوانب الثلاثة التي ذكرتها.
*
من المعين على فهم الطرح الفكري إدراك في أي سياق تأتي، والحقيقة أن سياقك الفكري ظل محيراً وغير محسوم، وهذا الكتاب يعيد طرح السؤال من أي منطلق يتخذ البازعي هذا الموقف تجاه الثقافة الغربية، هل هو منطلق إسلامي يعتبر فيه الثقافة الغربية مؤثراً سلبياً على عقيدة الأمة وتراثها، أم منطلق قومي يعتبر أن تبني الثقافة الغربية هزيمة للهوية العربية، أم منطلق تيار يساري يرى أن حلوله أكثر كفاءة من تلك التي تطرحها الليبرالية الغربية؟
ـ الحقيقة أن لدي إشكالية واضحة في مسألة الحسم الفكري وأنا أعي ذلك، وسبق أن طرح الكثيرون هذا السؤال على المستوى النقدي بأن أشار البعض إلى أن البازعي ليس له منهج محدد في النقد، ولكنني لست منشغلاً بالتمذهب ضمن منهج نقدي أو فكري محدد، ثم إن كثيراً من النقّاد والمفكرين لم يكن لهم منهج محدد من المناهج المعروفة مثل ادوارد سعيد، وأنا اعتقد أن هذا نوع من الأصالة من خلال أن يأبى المفكر أن تتم قولبته، مثلما يدل على روح متسائلة وباحثة عن الحقيقة أينما وجدت في يمين أو يسار، وكل هذا لا يمنع من أن لديّ اتجاهاً عاماً تفصح عنه كتبي ومحاضراتي.
*
ما هي ابرز ملامح هذا الاتجاه العام حسب رأيك؟
ـ لعل من ابرز ملامحه إيماني بأن الفكر منحاز بمعنى أن كل ثقافة منحازة لظروفها بما يتعذّر معه أن تكون صالحة لكل زمان ومكان، كما أن لديّ توجها يمينيا محافظا حيث اعتقد انه من الضروري البعد عن العدمية، كما أنني ضد الشكلانية والانشغال بالشكل الأدبي من دون الاهتمام بالدلالات الاجتماعية والفكرية التي يحملها النص الأدبي.
*
بالعودة إلى الكتاب أنت تسجل فيه موقفاً من حالة الهيمنة الغربية، وسؤالي هل هذا الموقف موقف مبدئي بمعنى انك ضد الهيمنة بقطع النظر عن المُهيمن، وهذا الموقف يمكن سحبه على الهيمنة القائمة والسالفة ـ والمرغوبة ـ، أم انه موقف سياسي من المهيمن لأنه (الآخر) وليس (نحن)؟
ـ لا أنا ضد الهيمنة من حيث المبدأ، أنا حريص على التعدد وحرية الاختلاف، أما نحن العرب والمسلمين فاستبعد أن وصولنا لموقع الصدارة سيجعلنا نمارس الهيمنة، وأنا ادلل على هذا بالأندلس بوصفها تجربة تاريخية لا مجرد وعد حالم
.