لقاء مع الإسبوعية

الناقد سعد البازعي لـ الأسبوعية:الصحافة ليست المدينة الفاضلة

الأسبوعية  

Article Image

 

إن الطرح الفكري والمنتج الإبداعي يتجلى ويأخذ تشكيله النهائي على يد النقاد تصويبا ومتابعة, بضوابطهم العلمية ونهجهم الأكاديمي. ويقف الدكتور سعد البازعي أستاذ الأدب الإنكليزي والنقد المقارن في جامعة الملك سعود في الرياض كواحد من هؤلاء النقاد الذين أخذوا على عاتقهم تبعة التحليل والتركيب الذهني والفكري محاولة منهم للانضمام كما كنا إلى الركب الحضاري وتقريب الفجوة ما بيننا وبين الآداب الأخرى بكل ما أتاحت لهم ثقافتهم الواسعة, ترجمة ومقارنة ونشرا. فبعد ما صدر للدكتور البازعي من إصدارات أثرت المكتبة النقدية العربية مثل إحالات القصيدة، وثقافة الصحراء، ومقارنات أدبية, صدر له أخيرا كتاب مهم في موضوعه وتوقيته بعنوان استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث.


«الأسبوعية» التقت مفكرنا البازعي بعد عودته من معرض الكتاب من فرانكفورت وكان هذا اللقاء: ٭ د. سعد هل تجد أن الحركة النقدية في المملكة تساير وتوازي الحركة السريعة للمنتج الإبداعي؟

هناك شكوى في كثير من الأقطار العربية من أن النقد لا يوازي العملية الإبداعية، يجب أن نعرف أن العملية النقدية هي عملية تالية, كما أنها لا تستطيع أن تواكب النتاج الإبداعي لسبب واضح أن عملية التطوير والتفسير والتحليل تتطلب وقتا للتأمل والناقد بحاجة إلى مسافة زمنية ليستطيع أن يسبر أغوار العمل الأدبي وأهميته, هذا إن تحدثنا عن النقد الأكاديمي - النقد الذي يتابع الإبداع على مستوى البحث المعمق - لكن هناك في نفس الوقت فرع آخر من النشاط النقدي هو الأقرب والأقدر على متابعة العملية الإبداعية, بهذا أشير إلى ما يمكن أن نسميه: مراجعات نقدية والتي تعنى بها عادة الصحافة الأدبية فتقدم تحليلات وقراءات لها طابع السرعة وفي الغالب أهميتها تكون مرحلية لأنها تهدف إلى فرز المنتج الإبداعي ومساعدة المتلقي على التعامل مع الكم السريع والكبير من الإنتاج الإبداعي. إذاً النقد الأكاديمي غير قادر بطبيعته وليس مطالبا في اعتقادي أن يكون سريعا في متابعة الإبداع, بينما الجانب الآخر -نقد المراجعات -هو الذي يتوقع منه أن يقدم هذا النوع من النشاط, وهو الجانب الذي لم ينضج بعد, بتقديري, مع أننا في حاجة ماسة إليه. لو تساءلنا عن مسؤولية تأخر نضجه لتوزعت بين المؤسسة الصحفية بأقسامها الثقافية والمشتغلين في هذا الحقل من النقاد, والمؤسسات الصحفية لا تولي هذا النشاط أهمية كبيرة ويتضح ذلك في ضعف الدعم الذي تقدمه للناشطين في هذا المجال تاركة لهم المجال كما لو كان الأمر جهدا فرديا أو عملا تطوعيا, بخلاف ما عليه الأمر في الدول المتقدمة. والأمل في هذا النوع من النقد أما النقد الأكاديمي فمن الصعب جدا على الجامعات أن تعمل كالصحافة.

٭ ألا ترون معي أن نقد المراجعات المتروك للقاصي والداني أنشأ نوعا من المهاترات النقدية والسلوكيات البعيدة عن النقد عامة؟

هنا تأتي المسؤولية الفردية كجزء من المشكلة التي تعود للأفراد أنفسهم. إن إحجام الطاقات المؤهلة عن الخوض في النقد الصحفي من شأنه أن يضعف النتاج النقدي المقدم لكن من ناحية أخرى يصعب التخيل أن تكون الساحة هي ساحة أكاديمية فقط وتخلو من المشاكل والمهاترات, ومن ثم فالأعمال الأدبية نفسها ليست على المستوى المطلوب. الساحة تفرز ما له قيمة متواضعة وهذا بشكل ملحوظ، نعم يجب أن تؤدي الصحافة دورا إشرافيا و فرزيا ـ وهي مهمة النقد المعروفة ـ ولكن..بالضرورة ستكون الطبيعة الإنسانية حاضرة بكل سقطاتها، من الصعب أن نتخيل أن الصحافة العربية المدينة الفاضلة أو جزيرة تسكنها القيم الرفيعة والإنتاج
--------------------------------------------------------------------------------
العظيم في وقت نرى الثقافة تعاني الكثير من المشاكل سواء على المستوى الاجتماعي والسياسي, ومن الخطأ بمكان اعتبار أن المثقف والناقد هو في عزلة عن مجتمعه, وإن كنا نريد من هذا الناقد والأديب أن يكون رائدا وقياديا لأنه في الغالب يمثل النخبة من هذا المجتمع.

٭ هل أفهم من كلامك أنك راض عما تفرزه الساحة النقدية والفكرية اليوم؟ خصوصا أنك على اطلاع واسع على ما يقدم في العالم من نتاج فكري؟

لا..أنا لست راضيا لكنني رجل واقعي وذو صلة وثيقة بما تنتجه الصحف الأوروبية بحكم تخصصي في الأدب الإنكليزي وأعرف تماما المستوى الموجود هناك ومقارنته بما يطرح هنا, وأعرف في نهاية الأمر أنني جزء من الوطن العربي مهما حاولت التحرر من ضوابطه المرجعية. وكانت لي مساهمات نقدية في الغرب نشرت هناك, الفارق ربما أن الصحافة هنا لا تطالبك بالمستوى الرفيع الذي تطالبك به الصحف هناك حيث لا ينشرون ما هو عادي مهما كان الاسم رفيعا! وأعرف أيضا كم من المقالات التي تنشر هنا مليئة بالأخطاء والمغالطات العلمية واللغوية والطرحية حتى كدت أشعر بأن المشكلة هنا مشكلة محرر كما هي مشكلة كاتب! إذ لا يقوم بدوره المطلوب منه من غربلة وحيادية، وليس أمامنا أخيرا سوى إلقاء اللوم على المؤسسة التى تدعمه، لهذا ولكل هذا يجب أن أكون واقعيا قبالة كل هذه المشاكل التي تواجهنا فلا ينبغي أن نقبل بهذا الواقع ولكن لا ينبغي أيضا أن نكون مثاليين, لأن المثالية من شأنها أن تعمي عن الأسلوب الأفضل للخروج من هذا المأزق, وسنظل «طوباويين» نحلم بأن نعدو ونحرق المسافات دون أن نتحرك, الناتج الفكري مسألة مخاض يحتاج إلى وقت, ومسؤولية التأخر تقع على الجميع, مثقفين وأفراد ومؤسسات.

٭ في المملكة كوادر فكرية ونقدية مهمة, ولكن لا نكاد نسمع إلا بحفنة من الأسماء تطرح بشكل مبالغ كلما أشرنا إلى النقد السعودي, في رأيك ما«الخلطة السرية» لكي تصبح نجما في عالم الفكر؟

حضور هؤلاء لا يعني بالضرورة تميزهم عن غيرهم, لكن الشهرة الإعلامية هي كما نعلم تخضع لشروط بعضها لا علاقة له بالقيمة النقدية أو الأكاديمية هذا ليس عندنا بالضبط بل في كل أنحاء العالم, هناك من يصنع الشهرة نتيجة مواقفه المثيرة ورغبته ورغبة المحيط الثقافي في أن يكون هذا الشخص على طريقة المتنبي «يملأ الدنيا ويشغل الناس» وكأن إشغال الناس هو قمة السلم في العطاء النقدي, وعندما تنظر إلى النقد في المملكة تجد أن هنالك أسماء لا يختلف أحد في قيمتها, ولكن العقلية الشعبية عقلية بسيطة تطرب للخصومات وتبتهج بمن يحب الركل والهجوم. المشكلة المشتركة تأتي من بعض من يمارسون النقد الأدبي ووسط ثقافي متدن ومن ساحة قابلة لتلقف الإثارة والاحتفاء بها وتجاهل كل من لا يحب إثارة الغبار, أو ممن يقدم أطروحات تتسم بمظهر الجدة مع أنها احترقت في أماكنها الأصلية ولم يبق منها لدينا في ساحتنا إلا هذا البريق . يوجد لدينا أسماء لامعة وجديرة نقديا أشير مثلا إلى معجب العدواني، وحسين بافقيه، وعلي الدميني، ومحمد العباس، وعلي الشدوي وغيرهم الكثير من الأسماء التي لم تحظ بالشهرة لأنها لم تثر الغبار و تنثر الشتائم.

 
٭ما قولك في إدوارد سعيد كنموذج وحيد - إن لم أكن مخطئا - وصل للعالمية من النقاد العرب على كثرتهم, دون إثارة الغبار على حد تعبيرك , وبكل هدوء؟


مفهوم العالمية ملتبس و قابل لأكثر من معنى, ينبغي التفريق بين الانتشار وبين القيمة الإنسانية المشتركة التي تجعل أعمالا أو أشخاصا أو منتجات ثقافية ذات قابلية على المستوى الإنساني. بعض الروايات التي تتصدر قائمة المبيعات في العالم هي للروائي ستيفن كينج الذي يتقاضى 15 مليون دولار عن رواية واحدة, ويطبع ملايين النسخ, هل هذا يعني أنه أفضل من دانييل ستيل الروائي الأقل منه انتشارا؟ حتما لا, الانتشار شيء والقيمة شيء آخر، وإن كانت العالمية تعني الانتشار فإنها ترتبط بالثقافة الشعبية وهيمنة لغة من اللغات كالإنكليزية، ما يجعل للعمل قيمة أفضل, أي أن فرصة الانتشار لمن يكتب بالإنكليزي أكبر حتما ممن يكتب بالعربية أو السواحلية! إدوارد سعيد كنموذج هو عالمي بالمعنيين, أعتقد أن عالميته ليست مردها كلها لقيمة ما يقدمه وهو بالمجمل قيم ولكن لكتابته بالإنكليزية دور مهم كما لا أغفل أنه فلسطيني عربي يكاد يكون الوحيد الذي اقتحم الفكر الغربي وطرح قضايا كبيرة! كما أن ثقافته غربية أكثر من الغربيين، فهو منافس لهم بثقافتهم, فهو قادر على المنافسة والإبداع ولكن ضمن السياق الغربي, فكما هو معلوم أن أدواره مهتمة بالثقافة الغربية أكثر بكثير من اهتمامه بالفكر العربي حتى لا يكاد يكون عربي الثقافة «وعلى فكرة نموذج إدوارد سعيد تمثل عندي التباس الهوية على أعلى مستوى» ولأننا ضعفاء ومهزومين فنؤكد انتماءه لنا خصوصا أنه طرح حقيقة قضايا مناضلة, ولكنني أرى أن هناك من النقاد العرب من يستحق العالمية مثل عبدالله العروي، وشكري العياد. إذاً لو أطلقنا العالمية كصفة جوهرية لنجعلها مرادفا للقيمة الإبداعية التي تجعل عملا ما أو كاتبا ما له من المواصفات ما يجعله مهما على المستوى عبر الثقافة - العابر لها - إن فهمنا الأمر بهذا الشكل تسقط العالمية عن الكثير من المنتشرين.


٭ بمناسبة ذكر الترجمة واللغة الإنكليزية, ثمة إشكالية عميقة في ترجمة فعل الترجمة! فإن كان يراها بعض الناس أنها نوع من خيانة النص الأصيل يراها بعضهم الآخر إثراء وفتح أفق جديد للنص الأم, ما رأي البازعي في ذلك وقد أمضى مرحلته المبكرة في الترجمة؟ وهل تلحظون معي تقصير مفكرينا إزاء الترجمة العكسية من العربي للإنكليزي واللغات الأخرى وهي حاجة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى؟


الترجمة كما ينبغي أن تكون في نماذجها الرفيعة كما هي سائدة حالات مختلفة أولا: الترجمة ضرورة حضارية لا غنى عنها, وبنظرة للتاريخ نجد أن هناك نماذج كثيرة تؤكد أن من الترجمة ما يفوق النص الأصلي أو يوازيه -كترجمة أحمد رامي لرباعيات الخيام - والأمثلة أكثر من أن تحصى في الآداب الأوروبية, في نفس الوقت عندما ننظر إلى وضع الترجمة في العالم العربي سنجدها


--------------------------------------------------------------------------------
الأكثر امتهانا والأقل أهمية سواء على مستوى نظرة المؤسساتية أو على مستوى ممارسة الفرد. إن هذا الوضع يعكس صورة قاتمة للثقافة العربية لحاجتها المستمرة والعميقة للمنتج الأجنبي, وطالما أن الترجمة لا تنجز بالكم والكيف المطلوبين فسيظل وضع الثقافة العربية مترديا لا سيما أن الكثير من المتلقين العرب يعتمدون على الترجمة في الاتصال مع الثقافات الأخرى, لا يعني هذا أن الترجمة الرفيعة غير موجودة لكنها قليلة, ما الذي تتوقعه من الترجمة دون حفظ حقوق المترجم؟ فكم وصلتنا ترجمات مسروقة ومغلوطة طبعت في الوطن العربي حتى إنني أعرف ترجمات لم يتورع مترجمها من القفز صفحات من العمل الأصلي دون أن يترجمها, دون مبرر أفهمه, ربما لضيق وقته أو لجهله بإحالة النص. لو كانت الحقوق محفوظة فسترى نماذج مهمة ومسؤولة أمام الجهة التي أصدرت الكتاب, والخطر في رأيي أن الخيانة في الترجمة تكون أفدح في ترجمة الفكر والعلم عنها في الإبداع. نعم نحن مقصرون في الترجمة العكسية , لا يمكن أن تتحدث عن الثقافة العربية دون أن تتحدث عن نقص! ومن هذا النقص ما ننقله من ثقافتنا للآخر, لا أعرف دورية عربية معنية بنقل الثقافة العربية للخارج بلغة أجنبية! بينما رأيت في إحدى مكتبات الولايات المتحدة دورية متخصصة فقط بنتاج محي الدين ابن عربي, سمعت أخيرا أن البابطين أنشأ مركزا للترجمة في بيروت, وهو جهد مشكور علينا أن نسانده مثقفون وأفراد ومؤسسات تردف نشاطه. لأن اليد الواحدة كما تعلم لا تصفق, نحتاج الكثير, معرض فرانكفورت الأخير كان حضور العربي كضيف شرف وكان غياب المترجمات فاجعة مخجلة, لا بد لنرقى بثقافتنا من العمل المؤسساتي وتشكيل اللجنات لترجمة العديد من الأعمال المستحقة.


٭ ما الهم الذي يشغلك، وما المنجز الذي تبحث عنه من خلال مشروعك الفكري؟

الهم الرئيس الذي يشغلني على المستوى الثقافي وأحاول إنجازه في أعمال ذات طابع نقدي أو فكري هو: علاقتنا الثقافية مع الآخر, كيفية فهمنا للآخر ومدى استيعابنا للطرح الحضاري القادم من مكان الآخر غربا أو شرقا, هناك أكثر من مشروع لتحقيق ذلك, كتاب «استقبال الآخر» جزء من هذا المشروع, جزء آخر يتجه إلى الحضارة الغربية عينها ويحاول قراءتها من الداخل مستعينا بخلفيات عربية وغربية انطلاقا من أطروحات أساسية تقول إن الفكر متحيز بطبيعته وبالضرورة لسياقه الثقافي, وهذا التحيز لا يعني غياب المشتركات الإنسانية, ولكنه يفرض علينا وعيا مضاعفا بوجوب الاختلاف بحيث لا ينصب جهدنا فقط على البحث عما هو متشابه وقابل للنقل, وآخر مشروع لدي هو ما أسميته: المكون اليهودي في الثقافة المعاصرة, وهو بحث موسع عن كينونة اليهود وشعورهم بالاضطهاد وانعكاس ذلك على نتاجهم وفرضه على نسيج ثقافي مغاير بدءا من سبينوزا لفرويد أوائل القرن العشرين ودريدا في نهاية القرن , هذه الأطروحة يواجهها بعض المثقفين العرب بكثير من الشك وعدم الارتياح لأنهم يجدون فيها نوعا من القطيعة مع الفكر الإنساني, ولعل موقفهم لا يخلو من الصواب, لكنني أزعم أن الحاجة إلى معرفة الأشياء كما هي أهم من بعض الحاجات العلمية. إنني بدراستي هذه لا أدعم أي نوع من أنواع القطيعة, ما أتمناه هو نوع من الاتصال الحضاري الأكثر وعيا. الغربيون اليوم يمارسون هذا النوع من النقد الذاتي فحريٌّ بنا أن نمارس شيئا من هذا النقد لأنفسنا وللآخر.