لقاء مع مجلة دارين

حوار مع الدكتور سعد البازعي حول قضايا الترجمة وشجونها

مجلة دارين، نادي المنطقة الشرقية الأدبي  ع16، 2007

 

·         أصبح الحديث عن ضعف حركة الترجمة أو مراوحتها مكانها في عالمنا العربي أمراً مكروراً، كما يقال، لكثرة ترداده ، وكثيراً ما يتم إرجاع ذلك إلى عدم وجود مؤسسات تعنى بالترجمة وشؤونها. السؤال هنا هو لماذا يظل الفرد منتظراً دون جدوى مجيء هذه المؤسسة التي لا تأتي أبداً؟ لماذا لا يتحول هو ذاته إلى نوع من المؤسسة "الفردانية" كما تحقق ذلك لدى عدد من المترجمين العرب من أمثال: عبد الرحمن بدوي وجورج طرابيشي وسواهم؟

·      في كتاب إدوارد سعيد: (سياسات الاستلاب) مقالة جاءت تحت عنوان: (الأدب المحظور) تحدث فيها عن ضرب من الحظر والتجاهل المتعمد للأدب المكتوب باللغة العربية فيما يتصل بترجمته ونقله إلى اللغات الأوربية الرئيسية. هل تعتقد بوجود مثل هذا الحظر والتجاهل المتعمد؟ وإلام ترجع ذلك؟

·     لنقترب من بعض الأمثلة النموذجية في سياق المثاقفة مع الآخر. الترجمة هي الوسيط الذي نقل كتاباً هائلاً مثل:" ألف ليلة وليلة" إلى الآخر الغربي فأحدث في خطابه السردي اهتزازاً لا يزال رجع صداه يسري حتى اليوم، لماذا لم نعثر حتى الآن على كتاب غربي يحدث فينا مثل تلك الرجّة؟

·     ترجمة المصطلحات تبقى أحد أهم المشكلات التي يواجهها المترجم. فهناك اختلاف وتباين كبير في ترجمة المصطلحات ( النقدية على وجه الخصوص) بين المشتغلين بالنقد والترجمة لدرجة تصل إلى التشظي والتشتت والالتباس؛ ولا شك أنك قد عانيت شخصياً من هذه المسألة من خلال ( دليل الناقد الأدبي) الذي أصبح مرجعاً مهماً لا غنى عنه للمهتمين بالنقد والثقافة النقدية. هل من سبيل لحل هذه الإشكالية؟ وهل هي سمة مميزة للثقافة العربية أم أنها موجودة أيضا لدى الثقافات الأخرى؟

·     هل يمكن الحديث عن وجود حركة ترجمة محلية فاعلة ومؤثرة؟ ما المعوقات التي تقف في طريق نموها وازدهارها؟ وباعتبارك أستاذاً في أحد أعرق جامعات بلادنا هل من دور للجامعات والمؤسسات الأكاديمية في إنعاش حركة الترجمة؟

·     في الثمانينيات كنا نقرأ لك نصوص شعرية مترجمة شكلت نماذج فاتنة للاقتراب من شعرية الآخر والتناسج معه لغة وجماليات وأساليب، هل توقف هذا الجهد الإبداعي لصالح الدرس النقدي والتحليلي؟ وهل تضئ تجربتك في هذا الصدد؟ وهل تلمس عزلة ما لنصوصنا عن نصوص الآخر؟

·     هل تعتقد أن الترجمة هي ارتكاب خيانة ما، وهل ترى أن الترجمة العاثرة وخاصة الترجمات الشعبية: " النقل بتصرف" قد أعاقت وصول نصوص عالمية بكل طاقتها الجمالية إلى ثقافتنا؟

·     هنالك حالة من الفوضى شبه المطلقة في حركة الترجمة إلى اللغة العربية من لغات العالم المختلفة؛ فبعض الأعمال تتم ترجمتها أكثر من مرة ومن قبل أكثر من مترجم، وبعض الأعمال الأخرى المهمة لا تحظى بأي جهد يقدمها للقارئ العربي المتعطش مطلقاً؟ كيف السبيل للخروج من هذه المعضلة في رأيك؟

·     من المقولات المكرسة والراسخة أن النص المترجم لا بد أن يكون أقل مستوى وإبداعا وتأثيرا من النص الأصلي بالضرورة. هل تقول أنت بوجهة النظر هذه على إطلاقها أم أن لك رأياً آخر؟

·     هنالك نظرة غير معلنة مفادها أن المترجم مبدع من الدرجة الثانية في أحسن الأحوال. فهو لا يأتي بجديد من عنده بل يتكئ على نص موجود أصيل وما نصه أو ترجمته سوى ظل لذلك النص الأصيل المتسامي؟ ما وجهة نظرك حول هذه المسألة تحديداً؟

·     كانت الترجمة دائماً أحد أعمدة نهوض عدد من الأمم التي عاشت أزمات قومية وسياسية كبرى: (اليابان، أو كوريا الجنوبية، أو فيتنام، أو ألمانيا ودول المعسكر الشرقي السابق) ألا يؤدي عزوفنا كعرب عن الترجمة وتفعيل دورها المفترض إلى ازدياد عزلتنا الثقافية والمفاهيمية وتقوقعنا الروحي عن بقية قاطني هذا الكوكب؟

·     يتراجع الآن موقع اللغة العربية في الوسائل الإعلامية كالإعلانات والدعايات ويستعاض غالباً بالإنجليزية التي تبدو كعنصر جذب تجاري وتسويقي للمنتجات وهي أيضاً تتراجع في حقل تعريب البرمجيات التقنية، وفي فضاء التقنية الهائلة التي تكدسها البشرية حاضرا. هل يفضي هذا إلى دلالات ما؟

·     ماهي الاستبصارات التي تقدمها النظريات الحديثة حول موقف المترجم من النص لا باعتباره نظاماً لغوياً مكتفياً بذاته، كما نادت: الحداثة "الألسنية"، بقدر ما هو تجسيد لتراكم زمني لعدد من النظم المعرفية والحضارية فيما اصطلح عليه بنظرةٍ: "مابعد- حداثية"؟

·     هل ترى في مشروع بروتا (PROTA) الذي تقوده الدكتورة الأمريكية الفلسطينية سلمى الجيوسي - والذي كان من آخر نتاجاته موسوعة الأدب السعودي بالانجليزية - وعداً بتنامي ترجمة الأدب العربي إلى لغات أخرى أم هو مجرد صيحة في واد؟

·     بعد هذا الرحلة من التواصل مع الآخر هل تلخص لنا عدة أو عتاد المترجم الأصيل القادر على إحداث أثر راسخ في المتلقي العربي؟

 


 

 

1.   لا أعتقد أننا سنأتي بجديد حين نطالب بأن تكون الترجمة عملاً فردياً، فهي كذلك، كانت ومازالت. لكن الاعتقاد بأن المؤسسة ستحقق للترجمة ما لا يحققه الجهد الفردي هو الذي يدفع بنا إلى المطالبة بجهد مؤسسي، لاسيما أن الجهدين غير متعارضين، فالجهد سيستمر لكننا نود أن نرى الجهد المؤسسي إلى جانبه يرفده وربما يطوره. المشكلة في نهاية الأمر هي مشكلة كتاب وثقافة تسعى إلى أن تنتج ثم تسوق، وهذه مشكلة في عالم كالعالم العربي يحتاج فيه ذلك الجهد، مثلما يحتاج الطفل المعاق، إلى عناية خاصة وكبيرة.

بالإضافة إلى ذلك أن بعض الجهود الفردية، ومنها بعض من ذكرت، يعتريها الكثير من النقص سواء كان في غياب الدقة أو عدم المنهجية، والعمل المؤسسي بوصفه عمل جماعي ومنظم قادر على تجاوز تلك العيوب. هذا مع أن الجهد المؤسسي له مشاكله أيضاً، فهو مهدد بالبيروقراطية والأيديولوجية، فليس ثمة حلول مثالية أو سهلة، لكننا بحاجة إلى كل الوسائل الممكنة مع العمل على تحسينها.

2.   لا أستبعد وجود الموقف العدائي تجاه الثقافة العربية الجادة، لكن لنتذكر أن لدينا إحصائيات تقول إن ما يترجم من الأدب العربي في مناطق غير عربية (أوروبا بالدرجة الأولى) يفوق ما يترجمه العرب أنفسهم من ذلك الأدب، بمعنى أن ما يترجم لنا أكثر مما نترجم نحن.

3.   عند الحديث عن كتاب مثل "ألف ليلة وليلة" ينبغي أن نتذكر الظروف التاريخية التي رافقت ترجمته فقد نقل في القرن الثامن عشر وكانت الكتب التي تترجم من خارج اللغات الأوروبية قليلة جداً قياساً إلى ما يترجم الآن. ولكن حتى في حالة "ألف ليلة وليلة" لا ينبغي أن ننسى أن "الرجة" التي حدثت كانت بالتدريج فهي لم تحدث فيما أعلم بين يوم وليلة، وإنما اقتضت عدة عقود، بين نقله إلى الفرنسية في أوائل الثامن عشر ونقله إلى الإنجليزية بعد ذلك.

أما لماذا لا نجد كتباً تحدث فينا تأثيراً قوياً فلا أدري عن مدى صحة هذا الاعتقاد. ألم يكن لبعض الترجمات تأثيراً قوياً، "مائة عام من العزلة" مثلاً، أو روايات كويلهو التي قرأها المئات.  قد لا يكون التأثير مشابها لما حدث حين ترجمت "الف ليلة وليلة" لكن لنعد مرة أخرى إلى الظروف التاريخية والثقافية.

     4. أعتقد أن مشكلة توحيد المصطلح لن تحل قريباً إن حلت، فليس من سلطة تستطيع أن تفرض ذلك والنقاد والباحثون سيظلون مختلفين في قراءتهم لتلك المصطلحات. جزء من المشكلة هي أننا نترجم وكل يعتقد بأن ترجمته أو ترجمة زميله أو تلك التي أنتجت في سياقه الثقافي أصح أو أدق. أما الجزء الآخر فهي غياب المرجعيات الثقافية العربية ذات الطابع المؤسسي المؤثر. كان يفترض مثلاً أن تقوم بذلك الدور المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لكنها لم تفعل رغم جهودها. وكانت محاولتنا، الدكتور الرويلي وأنا، هي في دعم ذلك التوجه ببث المصطلحات وتبرير أسباب اختيارنا لترجمة معينة على أساس أن الاقناع سيعين على التوحيد، لكنه لم يفعل كما كنا نؤمل، علماً بأن دارسين كثيرين أخبرونا باعتمادهم على الدليل. ربما أننا بالفعل نحتاج وقتاً طويلاً.

 

5.   في جامعة الملك سعود مركز للترجمة يشجع أعضاء هيئة التدريس على الإنجاز في هذا المجال، لكن الإنجاز ما يزال متواضعاً من حيث الكم (أما الكيف فيصعب الحكم عليه دون مراجعة كافية). ويبدو أن أحد أسباب ضعف الترجمة في الجامعات هي أن عضو هيئة التدريس مهما ترجم من الأعمال فإن عملاً واحداً مترجماً يحتسب له في الترقية من درجة إلى أخرى، ولو كان العمل موسوعياً ومن عدة مجلدات مثلاً فإنه في حساب الترقيات يعادل أصغر بحث يقدمه الأستاذ نفسه. أليس هذا كافياً لإحباط الجهد الترجمي.

وإذا كان هذا هو حال الجامعات التي تجمع أكبر عدد من العارفين باللغات والثقافات الأجنبية في بلادنا فلك أن تتوقع حال الترجمة خارجها. إنها حال شديدة التواضع بكل أسف، وإن لم يمنع هذا من أن نحيي بعض الجهود المميزة في هذا الاتجاه سواء داخل الجامعات أم خارجها، ومن تلك الجهود تلك التي أدت إلى ما يعد أضخم عمل مترجم في تاريخ المملكة ومن أضخمها في العالم العربي، أقصد ترجمة الكثير من مواد "الموسوعة العربية العالمية" التي تضمنت آلاف الصفحات التي ترجمت بطريقة علمية ودقيقة إلى حد غي مألوف في بيئتنا العربية.

هذه الأوضاع سواء السلبية أو الإيجابية تؤكد الحاجة إلى مزيد من الدعم للترجمة وفي ظل غياب مراكز أو مؤسسات تقدم ذلك الدعم سنظل ننتظر الجهد الفردي بما يعانيه من عقبات.

 

 

6.   الدرس النقدي والبحث في مجالات الفكر كانت وما تزال مسؤولة عن تعطل الكثير من الجهد الذي اتجه ذات يوم إلى مناطق تعني لي الكثير، ومنها الترجمة. وأحسبني في الترجمة، كما في بعض القراءات النقدية الأكثر حميمية، كنت أعوض عن ما اقترفته بإلجام الطموحات الإبداعية، ولربما أنني وجهت تلك الطموحات وجهة صحيحة، أي أنني اكتشفت عندئذٍ أنني مترجم وقارئ أفضل مما أنا منتج للإبداع. لكن أحس أحياناً أنني فقدت الكثير بالتخلي عن الترجمة وأرجو أن أستعيد تلك العلاقة الجميلة لاسيما مع النصوص الشعرية التي تأسرني بين حين وآخر، كما أرجو أن أتمكن من جمع بعض تلك الأعمال في كتيب ينشر، خاصة وأنكم تجدون في بعضها ما يستحق الاهتمام.

7.   بالنسبة لكون الترجمة خيانة سأتفق مع من يقول بأنها قد تكون خيانة مطلوبة بل ورائعة، هذا إذا كان المقصود بالخيانة التصرف في النص الذي يحتاج إلى تصرف مثل النصوص الشعرية وبعض الأدبية. لكن المشكلة في عالمنا العربي هي أن هناك ترجمات تمارس الخيانة بمعناها الرديء أي الخيانة بسبب جهل المترجم أو لا مبالاته وهنا تكمن الكارثة. 

أما ما يتعلق بالنتائج المترتبة على هذا النوع الأخير والذي ينشر أحياناً تحت مسمى "نقل بتصرف" أعتقد أنها كانت سيئة جداً، وما زال هناك قراء يعانون من سوء فهم كثير من الأطروحات الفكرية والأعمال الأدبية والعلمية نتيجة أخطاء المترجمين.

8.   حالة الفوضى المترتبة على الترجمة قد يخفف منها مأسسة الترجمة، وهي في نهاية المطاف مرتبطة بالوضع الثقافي العام، لأن القارئ الواعي عامل مهم في ترشيد ذلك النشاط وتوجيهه الوجهة الصحيحة بعدم الإقبال على الترجمات الهابطة ونقد ما يفد منها.

9.   موقع الترجمة أو العمل المترجم إزاء النص الأصلي موقع نسبي ومتغير حسب مستوى الترجمة. هناك ترجمات تفوق النص الأصلي، وهناك أخرى توازيه في الأهمية، وبالطبع فهناك أكثر من ذلك مما يقل عنه. لكن الترجمة، كما ينبغي أن تكون، عمل إبداعي، تماماً كأي جهد خلاق.

10. السؤال يحمل إجابته. فمما لا شك فيه أن إهمال الترجمة أو إضعافها يأتي على حساب المستوى الحضاري العام. لكن من المهم أن نلاحظ أن الكيف في الترجمة ليس أقل أهمية من الكم، ولا ينبغي أن ننشغل بكم نترجم بعيداً عن مستوى ما نترجم. فالترجمة الرديئة أكثر ضرراً من عدم الترجمة. ثم إن هناك مسألة أخرى، هي ماذا نترجم، فقد نترجم ألف كتاب في موضوعات تافهة وبشكل جيد، لكنها ليست ذات فائدة. إذاً هناك اعتبارات عدة حين نتحدث عن الترجمة ليس الكم إلا أحدها، مع أن الأكثرية يبدون مشغولين به من خلال الإحصائيات.

11. ما يشير إليه السؤال معضلة تتعلق باللغة العربية أساساً وبوضع الثقافة العربية التي لا تنفصل عن لغتها.  نعم هناك اكتساح لغوي نعيشه بسبب استسهال اللغات الأخرى وإقبال الناس على المفردات الإنجليزية. والمؤشر واضح في سوق اللغة: تواضع الحضور الثقافي العربي وهيمنة الآخر. ومع أن هذا يكاد يكون وضعاً عالمياً، فحتى فرنسا تشهد تزايداً في حضور اللغة الإنجليزية، فإنه لا ينبغي أن يقلل من أهمية الجهد المضاد، أقصد تعزيز مكانة اللغة العربية بشتى الوسائل.

12. يصعب في هذا الحيز استعراض عدد كبير من المعطيات النظرية الحديثة في مجال الترجمة، لكن من تلك مقولات تتعلق بأن النص الأصلي يظل متعذراً على النقل الكامل من لغة إلى أخرى، وأن حسب المترجم هو إعادة صياغة النص بوعي كافٍ بأن النص الأصلي ينتمي إلى سياق مختلف يجعل من المتعذر انتزاعه منه بالاعتقاد بأن ترجمة كاملة قد تمت. وهذا لا يتعلق بالنص الإبداعي فحسب وإنما ينسحب على كافة أنواع النصوص وإن كان في النص الإبداعي أظهر وأكثر تأثيراً. فقد أكد غير باحث في كتاب بعنوان "قابلية الثقافات للترجمة" هذه المسألة ومنهم الناقد الأمريكي الشهير ج. هللس ملر الذي تحدث عن إمكانية ترجمة النظريات بمعنى استعارتها من ثقافة إلى أخرى، وتوصل إلى أنه حتى تلك المنتجة في الإطار الغربي، مثل فرنسا، يستحيل نقلها كما هي إلى اللغة الإنجليزية وأن الممكن هو نقل صيغة معدلة قليلاً أو كثيراً لتلك النظرية. والمعروف أن مفهوم الترجمة بمعناه الواسع أو الفلسفي يتجاوز مسألة نقل المفردات والجمل من لغة إلى أخرى ليشمل كثيراً من عمليات إنتاج المعرفة ومنها عملية التفكير نفسها التي تعد عملية ترجمة في نهاية المطاف، ترجمة الأفكار والانطباعات والأحاسيس إلى لغة مفهومة.

13. مشروع بروتا مشروع رائد ومميز بكل تأكيد وهو مشروع يستحق الدعم على الرغم من بعض الأخطاء التي لا يخلو منها عمل. وفي تقديري أن توفر مشاريع أخرى من هذا النوع والمستوى في حقول مختلفة وليس حقل الأدب سيؤدي إلى الدفع بعملية نقل الثقافة العربية بشكل عملي. لكننا في الوقت الراهن بحاجة إلى مشاريع مقابلة أو معاكسة، إلى "بروتات" كثيرة تنقل من اللغات الأخرى إلى العربية.

في الوقت الحاضر لا أعرف مشاريع تشبه مشروع بروتا، ولذا فهو ما يزال صيحة في وادٍ.

14. يعجبني التعبير بعتاد فالمترجم مقبل على معركة بالفعل، ولعل أول عتاده في المعركة ثقافة عريضة ورؤية منفتحة في التعامل مع الثقافات الأخرى. كما يحتاج إلى وعي بالدور الحضاري الخطير الذي يقوم به وأن ينطلق من ذلك الوعي. بعد ذلك تأتي اللغتان المترجم منها والمترجم إليها، وفي هذه الحالة لا ينبغي الاكتفاء بأقل من الدراية الممتازة بكلتا اللغتين، فلا يكفي أن يحمل معه مورداً من هنا وأكسفورداً من هناك ويظن أن ذلك كافٍ للترجمة. ومن تلك الدراية معرفة بالحقل الذي يعمل المترجم فيه، فمهما عرف المترجم اللغتين فإن ضعف معرفته بالحقل كافٍ لجعل عمله نوعاً من العبث.

غير أن هذا كله يحتاج إلى تعزيز بمرتكزات نظرية كالتي أشرت إليها قبل قليل، ومنها أن النقل الكامل قد يستحيل لاسيما في الأعمال الإبداعية والفكرية، وأن المترجم هو في النهاية مفسر لما يقرأ.