لقاء مع مجلة الإعلام والإتصال

مع مجلة الإعلام والاتصال

·  من أعمال وكتب بارزة فى ميدان " النقد الأدبى " إلى عمل يندرج تحت مظلــة  " الأعمال الفكرية " .. ما الذى أغراك بولوج هذا الإتجاه الفكرى .. وألم تخش من حالة الجدل التى عادةً ما تُثار حول الأعمال الفكرية ؟

·  لنكن أكثر تحديداً فيما يتعلق بالمصطلحات ..  ماذا قصدت فى كتـابك هنا بمفهوم " اليهودى " ، وما معنى " المكون " فى هذا السياق ؟

·  أكدت غير مرة أن هذا الكتاب بعيد عن " الأدلجة " مع أن " الموضوعية " مفهوم مثالى ولكل كاتب أو مفكر انحيازاته .. فما هى انحيازاتك فى هذا الكتاب : هل هى لمجرد التعريف أو إلقاء الضوء على هؤلاء " اليهود المبدعين " أم لدفعنا للإعجاب بهم أم لانتقادهم أم لماذا ؟ وما الذى خرجت به أو لاحظته بقوة أثناء بحثك الدءوب عن هؤلاء اليهود ؟

·  بصراحة .. علام تراهن فى هذا الكتاب ، على القارئ العربى أم على القارئ الغربى خصوصاً وأن الكتاب يتميز بقدر وافر من الشمولية ؟

·  لم تتعرض فى الكتاب لذكر عقول يهودية بارزة مثل " آينشتين – نادين غورديمر – غوستاف ميللر " ،( ويمكن أن نضيف إليهم : " إريك فروم – وإميل دوركايم ، وهما من أبرز مؤسسى علم الإجتماع " ) وهؤلاء - ربما جميعاً – من المعروف عنهم عدم بروز " المكون اليهودى " لديهم .. ألا يُعد ذلك متسقاً مع وجهة النظر الأخرى – والتى تهاجمها أنت شخصياً - ومفادها أن الفكر أو الإبداع عموماً لا دين له ؟

·  من المعروف  وجود علاقة مميزة بينك وبين المفكر المصرى د.عبد الوهاب المسيرى .. فكرياً وانسانياً.. فما هى أبعاد اختلافك معه فى منهج كتابك هذا فيما يتعلق بتأثير يهودية الشخص فى انتاجه الفكرى والإبداعى ؟

·  مفهوم " الجماعة الوظيفية " لليهود فى التشكيل الحضارى والإستيطانى الغربى من أبرز أطروحات د. المسيرى فى تفسيره للظاهرة اليهودية والصهيونية .. فإلى أى مدى تتفق مع هذا الطرح ؟

·  سيجموند فرويد ( والذى أفردت له فصل خاص بالقسم الثالث من الكتاب) قال فى نقده لفكرة الدولة اليهودية : إدعاء العودة إلى أرض الميعاد هو حيلة لجأ إليها يهود موسى لكى يخففوا من حدة المشاعر التى يواجهها المستعمرون من جانب السكان الأصليين .. ما تعليقكم على ذلك ؟

·  فى كتابه " المسألة اليهودية " قال كارل ماركس : يجب ألا نبحث عن سر اليهودى فى دينه ، بل نبحث عن سر الدين فى اليهودى الواقعى ، أى لا ننطلق من الدين لتفسير التاريخ اليهودى بل نعنى المحافظة على الدين أو القومية اليهودية انطلاقا من اليهودى الواقعى أى من دور اليهودى الإقتصادى و الإجتماعى .. إلى أى مدى تتفق أو تختلف مع هذه المقولة فى ضوء كتابك ؟

·  أفردت فصلاً خاصاً بالكتاب لمدرسة فرانكفورت لأن روادها جميعأ – باستثناء هابرماس- من اليهود ، وقد عارضت تلك المدرسة فكرة ماركس عن " تمجيد التاريخ " والتى تقابل فكرة هيجل عن " تمجيد الدولة " ، ولم يكن غريباً اتهام نوم بوتومور لمدرسة فرانكفورت بـ " النهج غير التاريخى " الذى جعلها تميل إلى معالجة " الظواهر الآنية " والسريعة الزوال ، وهذا النهج المغاير هو الذى جعل تلك المدرسة تمهد لـ " النقد الثقافى " .. فهل اسقاط هذا  النهج " غير التاريخى " على مدرسة فرانكفورت له علاقة بتركيبة رواد هذه المدرسة باعتبارهم يهوداً ؟

·  شعرت وأنا أقرأ الكتاب أن لـ " جاك دريدا " وضع خاص داخله .. فإلى أى مدى أثّرت يهودية دريدا (وتعرضه للمعاناة منذ قدومه من بلد المولد – الجزائر – إلى فرنسا) على بروز " التفكيكية " فـى فكره حيث " الإهتمام بالهامش أكثر من النص " ؟ .. هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى .. لماذا يحظى جاك دريدا بهذه المكانة الكبيرة و الملحوظة لدى معظم النقاد العرب ؟

·  على ذكر " التفكيكية " .. ما هو سوء الفهم الذى تولد عند الناقد د. عبد الله الغذامى فى تناوله لـ " التفكيكية " كما تراه أنت ؟

·  الأدب هو مرآة أى مجتمع ولذا خرجت أعمال أدبية أوربية كثيرة - فى فترات سابقة بالقرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين – تُظهر اليهودى بصورة  أقل ما توصف بأنها " مقززة " ( وهنا لا يمكن أن ننسى شخصية شايلوك فى رائعة شكسبير " تاجر البندقية " ) .. فكيف تفسر تغير تلك النظرة السلبية تماماً من الأوربيين تجاه اليهود إلى ذلك الإعجاب الملحوظ فيما بعد ؟

·  يحضرنى هنا أيضاً ذلك التباين الواضح فى تناول تشارلز ديكنز لشخصية اليهودى فهو فى " أوليفر تويست " تعرض لطبقة من المجرمين اليهود على رأسهم شخصية ( Fagin ) ، ولكن فى رواية تالية له هى (  Ourmatual Friend ) صور فيها اليهودى الدمث الذى يدين بالعرفان لعنصره .. كيف تفسر ذلك ؟

·  فى عام 1820 م كتب الأديب الإنجليزى السير والتر سكوت رواية " إيفانهو " والتى   رغم انحيازه فيها لشخصية اليهودى ، إلا أنه أظهر عدداً كبيراً من الصفات التى التصقت باليهودى مثل : حب المال- البخل-الجبن وكذلك النفاق والبراعة فى الإفلات من الأخطار بالإضافة إلى الحنث بالوعود والغدر .. وبعد ما يزيد على قرن ونصف قرن من الزمان كتب الأديب المصرى فتحى غانم فى عام 1986 م روايته المعروفة " أحمد وداود " أشار فيها إلى نفس الصفات التى وردت عن اليهودى عند والتر سكوت وهو الأمر الذى يشير إلى أن الشخصية اليهودية " شخصية ثابتة " .. فهل تميل إلى هذا الرأى أم أنه من قبيل المبالغة ؟

·  هناك عدد من " اليهود المبدعين " الذين تطرقت إليهم فى الكتاب كانت لهم مواقف معلنة ومؤيدة لدولة " إسرائيل " .. ألا يُعد هؤلاء بهذا المعنى ظهراء للصهيونية بعنصريتها واستعلائها واستيطانها لأرضنا العربية ؟

·  لا شك أن اليهود يمثلون أشهر أقلية على مستوى العالم حيث انتشروا داخل مجتمعات عديدة على مدى التاريخ ..  من وجهة نظرك ، ما أبرز أوجه التشابه - وكذلك الإختلاف -  ما بين تلك " الأقلية اليهودية " وبين الأقليات الأخرى التى تعيش بين ظهرانينا فى العالم العربى ؟

·  لماذا غاب عن الكتاب ذكر المستشرق اليهودى المجرى إجنتس جولد تسيهر (1850-1921) وهو واحد من أكبر مؤسسى الدراسات الإسلامية الحديثة فى أوربا والتى انعكست عليه يهوديته فى كونه أهم وأخطر مستشرق حاول التشكيك فى الأحاديث النبوية الشريفة ؟

1. وأخيراً .. أنا متفاجئ كذلك بعدم تعرضك للحديث عن شخصية يهودية شهيرة ومثيرة للجدل وهى شخصية نعوم تشومسكى ( المشهور بـ " اليهودى الكاره لنفسه ") وذلك ليس فقط لأنه صاحب أهم إسهام فى مجال اللغويات النظرية فى القرن العشرين بنظرية " النحو الترددى "، ولكن أيضاً لأنه اكبر منتقد للدولة العبرية وللسياسة الأمريكية المؤيدة لها على طول الخط ؟

 

 

 

 

الإجابات:

 

1ـ لا أعتقد أنه يمكن الفصل في بعض كتبي الأخيرة على الأقل بين ما هو نقد أدبي صرف وما هو فكر أو اشتغال بالجوانب النظرية. فهاتان منطقتان شديدتا التداخل والعبور من أي منهما إلى الأخرى سريع وغير محسوس غالباً، لاسيما حين يتأسس النقد الأدبي على قناعات نظرية ولا ينحصر في تطبيقات أو ممارسات انطباعية أو شكلانية. ولو عاد القارئ إلى كتبي منذ ثقافة الصحراء سيجد طموحاً إلى الطرح النظري سواء في مفهوم ثقافة الصحراء نفسه أو في محاولة دراسة الأدب من حيث هو متصل بالسياقات الاجتماعية والثقافية.

       يصدق ذلك على المكون اليهودي فهو مزيج من البحث الفكري/النظري والدراسة الأدبية (في الكتاب ثلاثة فصول حول الأدب والنقد). أما ما يتعلق بما يمكن أن تثيره الأعمال الفكرية من جدل فهو بالطبع مطلوب وبإلحاح شريطة ألا يكون نوعاً من إثارة الغبار مما يظنه البعض إثارة فكرية وهو لا يعدو أن يكون لفتاً للأنظار.

 

 

2ـ تشير صفة "اليهودي"، كما استعملتها، إلى انتماء إثني بمعنى أن الإنسان الموسوم باليهودية ليس بالضرورة يهودياً بالمعنى العرقي أو الديني فحسب وإنما بمعنى يشمل الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي تتضمن البعدين العرقي والديني بوصفهما جزءاً من الموروث. فمعظم اليهود الذين تناولتهم في كتاب "المكون اليهودي" من اللادينيين، كما أن انتمائهم العرقي ليس مطروحاً لأن المعنى العرقي لم يعد في الحقيقة مرجعية يعول عليها، وإنما هم يهود بمعنى انتماء الفرد أو استشعاره لهوية إثنية تشمل كل معطيات الهوية بما في ذلك الموروث الديني والانتماء العرقى على ما فيه من ضبابية.  

       أما المقصود بـ "المكون" في عبارة "المكون اليهودي" فتشير إلى مجموع ما أسهم به الأشخاص ذوي الانتماء اليهودي في تشكل الحضارة الغربية، وليس المقصود بكلمة "إسهام" إضفاء قيمة على ما فعله أولئك فالحكم على قيمته مسألة أخرى، إنما قصدت ما قدموه مجرداً من القيمة.

 

3ـ أردت من الانحياز أن أؤكد مسألة أعتقد أنها تشمل ما ينتجه الإنسان في مجالات الفكر والإبداع بشكل عام، وبالطبع فذلك يشمل أطروحات كتاب "المكون اليهودي". لكن التحيز المقصود ليس تعمد القراءة الخاطئة أو الإسقاط، وإنما هو ما يحدث تلقائياً أي نتيجة لإنسانيتنا وما ينبع من مخزوننا الثقافي وهويتنا، فلابد لكل ذلك أن ينعكس على قراءتنا وتفسيرنا للظواهر. هذا هو المعنى الذي قصدت، لأن قراءتي لليهود لا يمكن إلا أن تتأثر بانتمائي العربي الإسلامي تماماً مثلما أن قراءة أمريكية أو فرنسية ستختلف باختلاف الموروث الثقافي وعوامل الخطاب والظروف السياسية والاجتماعية التي تسم الحياة والإرث الثقافي في أمريكا وفرنسا.

 

4ـ لقد ألف الكتاب وفي الذهن قارئ عربي، لكني أعتقد أنه لو ترجم فسيجد القارئ الغربي فيه ما يهمه أيضاً، فالكتاب لا يقدم معلومات فحسب، مع أن الكثير من هذه ليست متيسرة دون بحث، وإنما هناك اشتغال معرفي تفسيري على نصوص فلسفية وأدبية وفكرية مختلفة.

 

5ـ أولا لم أقصد أن أقدم كتاباً يشمل جميع أعلام اليهود فهذا فضلاً عن استحالته عملياً بالنسبة لي، فإنه لم يكن الهدف. ثانياً أوضحت أنني لست معنياً بكثير من النتاج الفكري والعلمي إما لأنه يخرج عن صلب الأطروحة أو لأنه لا يضيف جديداً، بمعنى أنه ممثل بإنتاج آخر. لكن من الأسماء التي يشير إليها السؤال ما هو موجود وبتفصيل، مثل إريك فروم، وبعضها أشرت إليه عرضاً مثل آينشتاين ودوركايم.

       أما مسألة أن الإبداع لا دين له فعبارة قد تصدق على العلوم البحتة، لكنها بالتأكيد لا تنطبق على مجمل الإنتاج في العلوم الإنسانية أو في الإبداع الفني والأدبي. وفي اعتقادي أنك لو بحثت حتى في بعض الإنتاج الذي يوصف بالعلمية لوجدت تحيزات أو أسباب إثنية وراءه. فليس كل العلوم بالحيادية التي يظنها البعض.

 

6ـ أولاً ينبغي التأكيد على أنني أدين بالكثير لعبد الوهاب المسيري، ومن ذلك تطوير اهتمامي بدراسة المكون اليهودي. أما الاختلاف فهو في مدى الأهمية  التي يراها كل منا للانتماء اليهودي في تشكيل الفكر والإبداع الذي أنتجه اليهود أو ذوي الأصل اليهودي. يرى المسيري أن تلك الأهمية ضئيلة وغير مهمة من ثم في تفسير المنتج الثقافي اليهودي، في حين أراها كبيرة وعلى قدر عالٍ من الأهمية التفسيرية.

 

7ـ هذه من المسائل التي نتفق عليها، والحق أن مفهوم الجماعات الوظيفية من المفاهيم الأساسية في دراسة اليهود على مستويات عديدة، لكن أهميته تتضاءل في دراسة الفكر والإبداع لأنه مفهوم سوسيولوجي/اقتصادي/سياسي في المقام الأول وذو دور محدود من ثم في فهم العطاء الفردي الذي شغلت به. ومع ذلك فإنه لا يخلو ن قيمة تفسيرية في تناول بعض أنواع النتاج الفكري أو جوانب من ذلك النتاج.

 

8ـ لفرويد مواقف مناهضة للصهيونية وتفسر من ثم ما يقوله هنا، فعقلانيته ونزعته النقدية الشديدة تدفعه لفضح بعض الأساطير التي قامت عليها الصهيونية. لكن فرويد قال كلاماً كثيراً وفي فترات مختلفة بعضها يناقض بعض، فقد كانت له مواقف تؤيد إسرائيل أيضاً.

 

9. كلام ماركس منسجم مع مقولاته الفلسفية والاقتصادية الكبرى فلا غرابة في جعله البنية التحتية هي الأساس في فهم الثقافة والتاريخ والمجتمع بدلاً من العكس. وفي تقديري أن فكراً كثيراً أنتج بعد ماركس منه فكر ماركسي عدل الكثير من هذه المقولات. أما وجهة نظري فهي أن ما يقوله ماركس ليس صحيحاً تماماً، فالدين يساعد أيضاً على معرفة اليهود وغير اليهود ممن يؤمنون به لكن المبالغة في إعطائه قيمة تفسيرية هو المشكلة. وهو ما نقع فيه في العالم العربي الإسلامي حين نخلط بين الإسلام وواقع المسلمين فنتحدث عن مجتمعات إسلامية كما لو كان الإسلام مطبقاً حقاً وبأكمله بحيث يمكن من دراسة الإسلام فهم واقع المسلمين. فلدراسة ذلك الواقع نحتاج إلى مفاهيم وأدوات علمية تساعدنا على تحليل وتفسير ظواهر كثيرة غير دينية بل ومنافية للدين.

 

10 ـ تشير إلى مسألة معقدة وتحتاج إلى بعض التأمل الذي لا يتسع له هذا المكان. لكني سأشير إلى مسألتين: الأولى أنه ليس كل ما يصدر عن مدرسة فرانكفورت أو غيرها من الفئات أو حتى من الأفراد اليهود هو بالضرورة ناتج عن كونهم يهوداً. هذا من حيث المبدأ. أما المسألة الثانية فهي أن مدرسة فرانكفورت لم تحصر نفسها في الآني والسريع الزوال، فمن نقد التنوير إلى نقد الحضارة المعاصرة تمتد قضاياً كبرى تناولها مفكرو تلك المدرسة، ومنهم من يوصف بالانتماء الماركسي مثل ماركوز.

 

11. من الطبيعي في تصوري أن يتجه فكر دريدا إلى الهامش وهو الذي عانى طوال حياته من التهميش والهامشية على المستوى الإثني، كما على المستوى الفردي في شبابه على الأقل. والهامش هو ما سبق لفرويد أن عالجه تحت مسمى اللاوعي، أي ذلك الجانب من حياتنا الذي يغيب عن وعينا واهتمامنا بينما هو يفعل الأفاعيل.

       أما إعجاب النقاد العرب بدريدا فينقسم إلى قسمين، قسم يصدر عن وعي بما يقوله دريدا ومضامينه البعيدة وبالتالي هو مدرك لأهمية أفكار ذلك المفكر وقد يكون متقبلاً لتلك الأفكار، وجانب يسعى وراء الجديد ويأخذه بريق المصطلحات تحت مسمى المواكبة الفكرية دون فهم أو استيعاب كافٍ. وقد عرضت في كتاب "استقبال الآخر" نماذج لسوء الفهم الذي أشير إليه وأسماء بعض النقاد الذين يصدق عليهم ذلك.

 

12ـ يعود السبب الرئيس وراء تغير صورة اليهودي إلى عوامل عدة، منها: اندماج اليهود في المجتمعات الغربية ومشاركتهم المتزايدة في التشكل الحضاري الغربي بنبوغ الكثير من أفرادهم في مختلف المجالات، كما أن منها التطور الحضاري نفسه وابتعاد الكثير من الناس في المجتمعات الغربية عن التحيزات الفجة تجاه الآخرين. لكني أعتقد أن لليهود أنفسهم دوراً كبيراً في ذلك بتزايد نفوذهم على كل المستويات واستفادتهم مما تعرضوا له من مآس في شن حملة علاقات عامة ضخمة لا زلنا نرى آثارها ومظاهرها تحت شعارات "معاداة السامية" والاهتمام بالهولوكوست إلى غير ذلك مما يجعل من الصعب توجيه أي نقد لليهود.

 

13ـ في اعتقادي أن الصور النمطية على الرغم من جمودها المعروف تتمتع أحياناً بشيء من التعددية ضمن السياق الواحد أو الصور المتجانسة في مرجعيتها. أقول ذلك من واقع دراستي في رسالة الدكتوراه لصورة العربي المسلم في الآداب الأوروبية،حيث تبين لي أن تلك الصور تتوزع إلى نوعين: نوع شديد السلبية وآخر حالم ورومانسي، الأول نابع من العداء الديني والثاني من القصص والحكايات التي ينشرها الرحالة والكتاب. ولا أستبعد أن الشيء نفسه حدث في تصورات اليهود على ما بين تصوراتهم الأدبية وبين تصورات المسلمين من اختلاف.

 

14ـ لا أعتقد أن الأعمال الأدبية أياً كانت تمثل انعكاساً أميناً للواقع، وإلا فأين يذهب الخيال والميل العاطفي وأين تذهب الصور النمطية والحاجة إلى الإثارة. صحيح أن هذا لا يلغي دور الأدب في تقديم صور مهمة لدراسة الواقع لكنه ليس المصدر الأساس هنا. ومع ذلك فإن بعض الصفات المشار إليها هي مما يقره الكثير من اليهود خاصة حب المال والإفلات من الأخطار. ففي تاريخ الجماعات اليهودية كانت هناك وظيفة الإقراض التي لعبت دوراً حيوياً في تمكينهم من البقاء وممارسة التأثير لحماية أنفسهم، مثلما كانت هناك النزعة الطبيعية لجماعات مستضعفة لتعلم كيفية الإفلات من المآزق. فنحن نتحدث عن جماعة لها وظيفتها كما يقول المسيري ولكل وظيفة شروط، وهو ما تعرفه جماعات أخرى وليس اليهود وحدهم.

 

15ـ نعم هناك الكثير من مناصري الصهيونية من اليهود، بل إن القاعدة هي مناصرة إسرائيل وليس العكس، حتى المتحفظين على السياسات الإسرائيلية مثل تشومسكي يؤيدون حقها في البقاء ويدافعون عنها إذا اقتضت الضرورة. أما بالنسبة لدراستي للمكون اليهودي فلم يكن هذا الجانب هو الأهم نتيجة للتركيز على الجوانب الفكرية الإبداعية في الدراسة.

 

16ـ يشير السؤال إلى قضية هي موضع بحثي حالياً، فمازلت بصدد التعرف على وجوه الشبه والاختلاف التي تشير إليها، ولذا فأخشى أنني لا أملك إجابة شافية، فيما عدا المسائل المتعلقة باتقاء شرور الأكثرية وتبني وظائف أو أدوار اجتماعية تساعد على البقاء. فقد يكون في هذه بعض التشابه، لكني أعود وأحذر من المبالغة في التحدث عن أوجه شبه، فللأقليات وجوه تفردها أو اختلافها التي لا ينبغي أن تضيع في زحمة المقارنة.

 

17ـ جولتسيهر أو غولدتسيهر ليس الوحيد من الشخصيات اليهودية المهمة التي غابت عن الكتاب، فهناك غيره كثير. وللتوضيح أقول إنني لم أسع إلى تغطية كافة جوانب الإسهام اليهودي في الحضارة الغربية، وثانياً إن إسهام غولدتسيهر لم يكن متصلاً مباشرة بالسياق الحضاري الغربي وإنما بسياق حضاري آخر هو السياق العربي الإسلامي. هذا لا يفصله بالطبع عن الحضارة الغربية لكنه يقلل من أهميته لبحثي مقارنة بمفكرين أو باحثين يهود درسوا اللغات أو العلوم الأوروبية أو الفكر الأوروبي.

 

18ـ لا مبرر للمفاجأة في غياب تشومسكي، لسبب رئيسي هو أن معرفتي بأعماله لا توازي معرفتي بأعمال مفكرين وعلماء آخرين، ولسبب آخر هو أن ما أعرفه من تلك الأعمال لا يبرر القول بأن خلفيته اليهودية تركت أثراً عليها، كما في حال نظريته في النحو التحويلي مثلاً وهي إسهامه الأكبر في دراسة اللغة. يضاف إلى ذلك أنني لم أتعرض لآخرين كبار في الفكر الغربي على الرغم من كونهم يهوداً: إميل دوركايم، إدموند هوسرل، ماكس فيبر وغيرهم في مختلف فروع المعرفة. لكنني أشرت في مقدمة الكتاب إلى عدم اعتقادي بأن كل يهودي أو كل منتج فكري أو إبداعي متأثر بالضرورة وبنفس القدر بالخلفية اليهودية.