لقاء مع جريدة الحياة

سعد البازعي: النهضة العربية ضحية افلاس نخب تقدمية تحولت أداة قمع نعيش بين قوتين غوغائيتين والرؤية الحضارية ضاعت ... وقد نواجه كوارث

ابراهيم العريس     الحياة     - 22/05/06

 

«الحياة» تحاور الفكر العربي: أين نحن في العالم؟ متى ينتهي الانحدار؟ أي دور للمثقف؟ ...

 

يقول الناقد والمفكر السعودي الدكتور سعد البازعي في الحوارات التي تجرى معه، ان ما يلاحظه في الساحة النقدية العربية انما هو غياب الممارسة والتنظير النقدي الخلاق. صحيح انه لا يبحث عادة عن «نظرية نقدية عربية» لأن «النظريات في الأساس جهد انساني عام، لكن في كل ثقافة يفترض ان ينشط تنظير وممارسة نقدية نابعة من الخصوصية الثقافية». والحال ان ما يقوله البازعي حول الجهود المتعلقة بالنقد الأدبي والثقافي العربيين يمكن ان ينطبق أيضاً على الفكر السياسي العربي.

الدكتور سعد البازعي يُعتبر، منذ ربع قرن، واحداً من أبرز المفكرين السعوديين. وهو من اوائل الذين ارتبطت باسمهم مسألة الحداثة التي اثارت، وربما لا تزال تثير، سجالات واسعة في المملكة العربية السعودية، وإن كف خصومها عن اعتبارها رجساً من عمل الشيطان.

ظهر البازعي في الحياة الثقافية السعودية، منذ عاد من الولايات المتحدة حاصلاً على الدكتوراه عن اطروحة في النقد الأدبي تتعلق بالآخر، نظرتنا اليه ونظرته الينا. وهو اشتغل في هذا السياق على افكار فوكو وادوارد سعيد، وعاد الى قرون ماضية ليبحث عن جذور تلك النظرات المتبادلة.

اليوم صار البازعي، ضمن التغييرات البارزة التي شهدتها الخريطة الثقافية السعودية منذ تسلم الوزير اياد مدني مقدرات الشؤون الثقافية في هذا البلد، رئيساً لنادي الرياض الأدبي. وهو أمر أثار سرور كثيرين من الأدباء والمفكرين، لكنه اثار أيضاً حذراً لدى آخرين. ومعروف ان للبازعي سجالاته وخصوماته حتى داخل الصف الحداثي الذي ينتمي اليه، وسجالاته مع المفكر الناقد عبدالله الغذامي، معروفة في السعودية وخارجها.

إذاً، كان من المنطقي ان تحاور «الحياة» البازعي، في اطار سلسلة حوارات تحاول ان تطاول شتى الشؤون والقضايا المتعلقة بالواقع والمستقبل العربيين، في ضوء تجارب الماضي القريب، على الأقل. ويأتي هذا الحوار بعد حوارات أجرتها «الحياة» مع سمير أمين وجورج طرابيشي وبرهان غليون وطاهر لبيب ومحمد الرميحي وعلي أومليل ووجيه كوثراني وعبدالمنعم سعيد وابراهيم البليهي وسعد الدين ابراهيم وعبدالله الغذامي وطيب تيزيني ومحمود عبدالفضيل وعلي حرب ومحمد جمال الباروت. حوارات تتوخى وضع القارئ في الصورة الراهنة لخريطة الفكر العربي: كيف يفكر بالحاضر؟ كيف يربطه بالمستقبل، وكيف يحدد المسؤوليات التي انتجت ما يمكن اعتباره انهياراً يعيشه العالم العربي منذ عقود طويلة من السنين.

البازعي يشتغل في شكل خاص، ومنذ دراسته الأساسية «استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث»، على مسألة العلاقة مع الآخر. ولما كانت هذه العلاقة هي التي تشكل محور الهموم العربية في هذا الزمن، لا سيما منذ طُرحت بقوة إثر الاحداث التي شهدت توتر العلاقات بين اجزاء عريضة من العالمين العربي والاسلامي، كان طبيعياً ان تطل أسئلة «الحياة» على البازعي انطلاقاً من هذه الناحية.

أنت اهتممت منذ نهاية دراساتك الجامعية، تحديداً في اطروحة الدكتوراه، بالآخر، بموقفه منا وبموقفنا منه. كان ذلك قبل ربع قرن. اليوم يبدو الآخر في أحيان كثيرة في صورة العدو. لا نكتفي بأن نختلف معه بل نحمّله مسؤولية مصائبنا. نحاربه. نقيم معه صراع حضارات... هل ترى ان دراستنا للآخر لم تكن مجدية على الاطلاق بالنسبة الى مجتمعاتنا؟

 

- طبعاً أوافقك الرأي على ان هناك فئات عريضة في مجتمعاتنا العربية تنظر الى الآخر نظرة تتراوح بين الحذر السلبي والعداء المطلق. وأعتقد بأن هذا يعود الى ظروف وليس فقط الى المنجز الثقافي الفكري. هناك ظروف سياسية واقتصادية كثيرة غلّبت هذه الرؤية العدوانية على رؤية اكثر مرونة وتسامحاً، بالتالي قدرة على قراءة الآخر بطريقة مختلفة. في الوقت ذاته احس بأن المشروع النهضوي العربي (او مشروع الحداثة اذا اردت) كان ايضاً مسؤولاً الى حد ما عن هذه الظاهرة. في نهاية الأمر، ربما تعود المشكلة الى غياب المناخ الحقيقي للحوار، والقدرة على طرح وجهات نظر حقيقية معبرة في شكل دقيق وصريح عن موقف واضح منفتح، ومركّب ازاء الآخر. لذا طغت الغوغائية على الساحة الثقافية وعلى الرؤية الفكرية للمجتمعات العربية والاسلامية في شكل عام، ما ادى الى هذا النزوع العدواني والحاد في طرحه، بحيث صارت صعبة قراءة الآخر بطريقة تسمح لنا بالتعامل في شكل اكثر ايجابية وقدرة على البناء. هناك ايضاً طغيان لرؤية سطحية في التعامل مع الآخر، ومع العالم. هي الرؤية التي تقول ان من الممكن تجزئة الآخر بسهولة، وتقسيمه الى ما نحتاج اليه منه والى ما لا نحتاج اليه. انها رؤية تبسيطية لأن واقع الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بل والسياسية ايضاً، يقول العكس. يقول ان المسألة اكثر تعقيداً مما تبدو. في النهاية كل هذا يخلق ذلك الموقف العدواني تجاه الآخر.

في امكاننا ايضاً ان نضع كل هذا جانباً، لنقول ان الآخر نفسه لم يساعدنا كثيراً في التعامل معه بطريقة معقولة ومسؤولة. ينبغي ان نفرق ايضاً في الأمور، طالما ان الآخر كيان مركّب، وليس هناك آخر واحد. هناك آخر يطغى على صورة يفترض انها تضم آخرين، ولنقل، على سبيل المثال، ان الآخر الاميركي – الرسمي، كان غالباً على مقدار من العدوانية والشراسة، لا يقل عن عنف المواقف المناهضة له. كل هذا لا يساعد في تلمس موقف وسط، يكون اكثر مرونة واعتدالاً. ولنلاحظ في هذه المعادلة ان الأوروبي يكاد أن يكون مغيباً، وان الأوروبيين يعانون من الآخر الأميركي نفسه. المسألة تبقى في النهاية بين قوتين غوغائيتين وشرستين، كل منهما تريد اقتلاع الآخر بطريقة اضاعت الرؤية الحضارية الوسط التي كان يمكن ان تنتج شيئاً، لكنها ضاعت في معمعة الصراع. اليوم، لا اعرف الى أين سيقودنا هذا كله، لكنني اتمسك ببعض التفاؤل الذي لولاه لعجزتُ، وغيري، عن فعل أي شيء... في هذا الاطار وغيره.

 

... ديموقراطية الأكثرية

 

> بين هذه الغوغائية وتلك، هناك اعداد كبيرة من مثقفين ومفكرين وتقنيين عرب، اقتربوا من هذا الآخر كثيراً. درسوا في معاهده... بل ان بعضهم صار من ذوي مسؤوليات سلطوية وادارية عنده. هؤلاء أَلم يتسن لهم اداء دور ما؟ هل قاموا بدور واخفقوا؟ ولماذا اذا كان هذا صحيحاً؟

- بعض الاخفاق يعود الى طبيعة المرحلة التاريخية والحضارية التي نعيش. ان احراق المراحل امر صعب. اوروبا كي تصل الى رؤية مركّبة عقلانية للآخر، سواء كان هذا الآخر عربياً – مسلماً، أو من الشرق الأقصى، احتاجت فترة طويلة نقلتها من رؤية العصور الوسطى، الى رؤية عصر النهضة التي أتت مركّبة. وبين الزمنين مرت فترة مخاض علّمت اوروبا كيف تتعامل مع الآخر في شكل مسؤول. لا اقول اننا في حاجة الى قرون كي نصل الى هذا، لكنني اعتقد ايضاً بأن من الصعب استعجال الأمور طالما ان الظروف السياسية والاقتصادية لا تساعدنا على التطور في هذا الاتجاه. وأنا ألوم هذه الظروف، وكذلك صراع القوى في الشرق الاوسط في شكل عام والمجتمعات العربية في شكل خاص، حيث تُحتكر السلطات – غالباً – على كل المستويات. حتى السلطات الثقافية تكون احياناً مسؤولة، ما لا يسمح حتى للرؤى الأكثر اعتدالاً انفتاحاً ومسؤولية، بالتعامل مع المختلِف، مع الرأي المخالف بالطرق المناسبة. انطلاقاً من هذا أخشى ان تؤدي التجارب الديموقراطية التي نعيش اليوم بداياتها، الى تفاقم سوء هذا الوضع، نظراً الى ان الديموقراطية هي في جوهرها قوة رأي الأكثرية. فإذا كانت الاكثرية من هذا النوع ترانا مقبلين على كوارث حقيقية.

> تحدثت عن النهضة. وفي عالمنا العربي شهدنا ما يمكن ان نسميه نهضة تنويرية استمرت طيلة القرن التاسع عشر، وربما حتى منتصف القرن العشرين، قبل ان تطغى الانقلابات العسكرية وتريف المدن. خلال تلك المرحلة كان الآخر مقبولاً، بل كان طرفاً بعيداً يُنظر اليه على انه مالك التقدم والتكنولوجيا اللذين نحتاج اليهما... كيف يمكننا ان نقارن بين نظرة النهضويين الى الآخر، ونظرة مجتمعاتنا العربية الراهنة اليه؟ هل نفترض ان النهضة العربية اخفقت في نشر نظرة عقلانية الى الآخر؟

 

- لا أعـتقد بأنـها اخـفقت نهائياً. فقط ضمُرت ولم تحـقـق كل النجاح الذي كان مأمولاً لها. وهنا، بدلاً من لوم المجتمعات كلها، انظر الى النخب، خصوصاً الماركسية واليسارية المتطرفة، كيف كانت نظرتها الى الآخر، هي المتنورة العقلانية؟ هل عـرفت كيف تقـبل محـاورة الآخر؟ كانت كلها تقدمية ودنت من السلطة في احيان كثيرة. وكانت في بعض توجهاتها، خلفية فكرية لانقلابات عسكرية حملت لواء التقدم ووصفت بأنها تقدمية. وثمة مثقفون عرب وقفوا الى جانبها، فكيف كانت نظرتها الى الآخر، سواء كان محلياً أو عالمياً؟ نظرت اليه ايضاً من موقع العداء وعدم قبول الاختلاف، واتضح في النهاية انها اكثر افلاساً مما ظُن في البداية. واستشرى ذلك حين رفضت الآخر الأجنبي والآخر المحلي ايضاً، وتحولت الى اداة قمع متكاملة، وكانت الضحية النهضة العربية الحقيقية. لكن كل هذه الصدمات الكبيرة لا يبرر القول ان المشروع النهضوي فشل تماماً. ترنح وتراجع، لكنه لا يزال في الأفق. وأعتقد بأننا ان لم نؤمن بوجوده لن نستطيع ان نفعل شيئاً لأن عدم الايمان به معناه الاستسلام التام لقوى الظلام المخيف.

بين الأمنيات والواقع

 

> هل تعبر عن أمنياتك أم تصور واقعاً؟

 

- ربما اعبر عن امنيتي اكثر مما اصور الواقع، لكنني اعتقد بأن الرغبة والأمنية تصنعان الواقع. انا لا أؤمن برؤية ثقافية تلغي مَن حولها، لأن مثل معركة الالغاء يمكن ان يؤدي الى نوع من الدونكيشوتية، خصوصاً اذا بالغ المرء في تهميش الواقع والاستسلام لتراجعاته، بدلاً من التمسك بقيم معينة والعمل من خلالها. المهم ان في امكاننا دائماً ان نرى بعض ضوء يأتي من هنا، وبعض انجازات تُحقق هناك. وهذه، مهما كانت ضئيلة تكفي لإبقاء الشعلة متقدة، على رغم الصعوبات التي احب ان اسميها تحديات.

> عام 1967 اصابت الأنظمة والجيوش العربية، وربما المجتمعات العربية ايضاً، هزيمة كبرى طاولت حتى الأمل، وفضحت ذلك «العصر الذهبي» الانقلابي الذي هلّل له مثقفون بوصفه «زمن مد قومي». أدى ذلك الى استعادة الفكر العربي موقفه النقدي فقامت نهضة فكرية ثانية... هذه النهضة التي يرى كثر انها بدأت مع عبدالله العروي وصادق جلال العظم وغيرهما، هل احدثت – في رأيك – خلخلة ما في الأمور، أم أن رداءة الواقع قضت عليها بسرعة كما يرى البعض؟

- اعتقد بأنها تمكنت من إحداث خلخلة ما، بيد ان الخلخلة لا تعني السيطرة والهيمنة. ربما تعني اكثر قليلاً من مجرد طرح الأسئلة. مع هذا فإن الاسئلة لا تزال حية، بل معاصرة لنا: خذ مثلاً كتب عبدالله العروبي، اكتشفت في السعودية أخيراً لمناسبة معرض الكتاب في الرياض، وهذا في حد ذاته انجاز كبير. ان وصول مثل هذه الأفكار الى مجتمعات محافظة، يُحسب للنهضة الثانية التي ذكرتها، ومن اهم سمات النهضة التي تتحدث عنها مساءلة الذات والنقد الذاتي. لذلك انا استبشر، حتى حين اقرأ لمفكرين عرب معاصرين ينقدون التنوير نفسه، ويطرحون اسئلتهم على مرجعياته.

> مثل من؟

- أول اسمين يخطران على بالي هنا هما المغربيان عبدالله العروي ومجد عابد الجابري... إضافة الى مواطنهما كمال عبداللطيف. ان مثل هذا التوجه يؤسس لمرحلة مختلفة، وقد تكون مختلفة حتى عن مرحلة العروي والجابري. العروي مثلاً، لديه قناعات قد نتحفظ عنها. ومهما يكن، فإن هذا النوع من الفكر يمضي بالأسئلة وبالخلخلة الى مناطق اهم وأعمق من ذي قبل. واذا استمر الفكر العربي في هذا الاتجاه يسائل نفسه وينقد نفسه باستمرار – من دون ان يكتفي بنقد الآخر، او الرد على نقد الآخر له – سيكون حقق انجازاً كبيراً، ففي هذا حماية لأنفسنا من الوقوع في فخ القناعات الجاهزة و «النهائية».

استبشِر بهذا النوع من الأسئلة القلقة اكثر بكثير مما استبشر بمن لديه اجابات وحلول جاهزة، سواء في هذا الاتجاه او ذاك.

انجازات واخفاقات

> هناك مفكرون ومثقفون عرب من هذه الأجيال وصلوا الى سلطة ما في العالم العربي، وكانوا اصحاب مشاريع فكرية وربما سياسية ايضاً. في رأيك ما الذي حال بينهم وبين تحقيق رؤاهم التقدمية والتنويرية، بحيث ان ما يسمى اشكالية السلطة في العالم العربي، لا تزال كما هي دون تطوير. لماذا لم يحقق اصحاب المشاريع الفكرية مشاريعهم حين صاروا في سلطة القرار؟

 

- أي جواب عن هذا السؤال سيتسم بمقدار لا بأس به من التعميم. مع هذا سأجازف وأقول يجب ان ننظر الى التجارب العربية في اختلافها من دون ان نعتقد بأنها متساوية متشابهة في كل الظروف. مثلاً قد يصل مثقف او مفكر الى السلطة، لكن هذا لا يعني انه هو مَن يملك القرار. وبالتأكيد يصل مثقفون الى السلطة في قطاع ثقافي او فكري معين، ولكن هل يعني هذا انهم احرار في التصرف وفي تبديل السياسات؟

وأنا استمع الى السؤال خطرت في بالي انجازات كثيرة، وكذلك اخفاقات اكثر وأحلام اجهضت. وكل هذا ناتج من الحجم الحقيقي لقدرة الفرد على احداث تغيير جذري شامل في كيانات اجتماعية، لا تقبل التغيير بسهولة. ان الفرد الذي يصل الى السلطة سرعان ما يكتشف ان ليس في الامكان احسن مما كان، وهو بهذا يضع نفسه امام الآخرين وقد تلبس بواقع الأمر، فيصبح مدافعاً مستميتاً عن واقع لا يريد ان يتغير، ومبرراً لكل انواع الجمود. المشكلة الأهم تكمن في ان الذين يسعون الى التغيير لا يدركون ان الخطوات الاولى تقوم في تأسيس مؤسسات هي التي تصنع التغيير، فالأمر هنا ليس شطارة فردية. كان ينبغي منذ البداية بناء دولة المؤسسات، لا مؤسسات الدولة فقط. كان ينبغي للرهان ان يكون على هذه المؤسسات التي قد تحتاج الى 10 أو 20 سنة، حتى تستكمل انطلاقتها. فالتغيير يمكن ان يحصل على مدى طويل وجذري في آن. ربما على مستوى طلاب المدرسة وليس على مستوى المثقفين وقرائهم فقط. من هنا اعتقد بأن الاخفاق الأكبر لمشاريع النيات الطيبة، كان ناتجاً من أنها ظلت مشاريع احلام فردية، وان المؤسسات الحقيقية التغييرية لم تتلقَ الدعم الذي كان ينبغي ان تتلقاه...

> ممن؟

 

- من السلطات بالدرجة الأولى. فالمؤسسات الهادفة التي تنال دعماً من السلطات هي الطريق الأسلم، في المجتمعات النامية، لتحقيق أي تغير منشود. طبعاً، من شأن هذا كله ان يثير مشكلات، ولكن ليس هناك أي حل آخر. فلنقِم المؤسسات ولنجرّب ولنناضل في سبيلها. لنخطئ ونصلح اخطاءنا... وهذا، على هشاشته وطول الفترة الزمنية التي يحتاجها، يظل افضل من اللاشيء او من النكوص. لدينا اليوم مثل هذا التوجه في المملكة العربية السعودية، وأسطع مثال على هذا ما يحدث، في هذه الفترة تحديداً من تغييرات في المؤسسات الثقافية، تغييرات يقودها مثقفون. وفي يقيني ان هذه التجربة الجديدة، إن اخفقت، سيكون اخفاقها نتيجة عجز المثقفين انفسهم عن بناء المؤسسات.

عقبات اجتماعية

> دنوت وإن بحذر من مسألة مهمة جداً: اكتشف المثقفون، متأخرين، وهم يبنون دروب التغيير ان المجتمع يعوق هذه الدروب اكثر مما تفعل السلطات. فنحن اذا حاولنا محاكمة تاريخنا، سنجد ان معظم سيرورات التقدم اصطدم في النهاية بالمجتمع، اكثر مما اصطدم بالسلطات.

 

- ان التغيير الثقافي قد ينشأ بمبادرات، لكنه لا يستمر ابداً بمبادرات... وأعني المبادرات الفردية. فالاستمرار ينبغي ان يعتمد على النزعة الجماعية. ولو نظرنا الى تجربة أوروبا سنجدها تجربة فكرية نخبوية، بدءاً من عصر التنوير، وهي غالباً ما نمت بالتضاد مع المجتمع أكثر مما بالتضاد مع السلطة. لكن ما نلاحظه في أوروبا هو ان ضروب التغيير نشأت عن التفاعل – او العلاقة الجدلية – بين المحيط الاجتماعي، بمستواه الحضاري وموروثه الثقافي، وبين تطلعات المثقفين وأحلامهم وطموحاتهم. والخلل يحدث حين يشعر احد الطرفين ان في امكانه ان يطغى على الآخر، او عندما يتولى السلطة، ولو كانت ثقافية أناس لا يكترثون للمحيط الاجتماعي وضوابطه ويريدون ان يحققوا كل ما يخطر في بالهم، كما حدث مثلاً مع بعض الانقلابات العسكرية وبعض التجارب السياسية التي ارادت، مثلاً، ان تحول مجتمعاً اسلامياً الى دولة اشتراكية او ماركسية في غضون سنوات. ان هذه المحاولات فشلت وستفشل طالما ان رؤية الانسان العادي البسيط لا تؤخذ في الاعتبار. فأنت، يمكنك ان تجرّ الحصان الى الماء، لكنك ستظل عاجزاً عن اجباره على الشرب. ان من الاساسي في زمننا محاولة تقريب احلام المثقف وطموح السياسي من الاحلام البسيطة للناس. مثل هذا التقريب هو الذي سيؤدي الى خلق منطقة مشتركة، تحقق الطموحات التغييرية بهدوء. معنى هذا ان على المثقفين وأهل السلطة ان يتنازلوا قليلاً عن بعض طموحاتهم، وهم مدركون انهم إن فعلوا وتحقق التغيير فعلاً، فإن سقف الاحلام سيرتفع ويتسع تلقائياً. في مجتمعاتنا لن يمكننا ابداً ان نحقق في سنوات وعبر خطط انقلابية من كل الأنواع، ما تحققه الشعوب عادة في قرون طويلة...

إمكان ما...

> هل تعتقد بأن مثل هذا كله يبدو ممكناً، فيما بؤس الناس وعواطفهم تقودهم الى التعاطف مع مَن يصرخ اكثر ويقتل اكثر، ويرفض الآخر اكثر وأكثر... أكثر من تعاطفهم مع مَن يرون انه يهادن العدو ولا يريد قتاله...؟


- أنت تثير ما يمكنني ان اسميه مشكلة المشاكل، ما يعيدنا الى فكرة الآخر وفكرة العدو. في خضم مثل هذا الواقع الذي نرسمه والذي أراه صحيحاً، يجد المثقف نفسه في وضع لا يُحسد عليه. انه مستنير يريد ان يفتح الباب امام وجهات النظر المختلفة. وانطلاقاً من هنا يراهن على مستقبل تحيط به الاخطار من كل جانب. ان غالبية الناس تحب ان تميل الى الاعتدال. أنت إن تأملت الاوضاع الاجتماعية في عدد من المناطق العربية، ستجد ان ثمة فئتين تهيمنان على المجتمع، وهما على طرفي نقيض. ولكن بينهما اكثرية صامتة تقف في الوسط وتريد ان تعيش وان تستمتع بحياتها. هذه الفئة ستفضل في النهاية الاعتدال ووسطية الرؤية وعدم اللجوء الى العنف. لكن السؤال يبقى: كيف نستطيع ان نتيح لهذه الفئة العريضة من ابناء المجتمع، فرصة ابراز رأيها وترجيح كفته. ربما يكون الحل بالديموقراطية التي يفترض انها تعطي الكلام لهؤلاء. والمهم هو ان كلمة اعتدال ليست غائبة تماماً عن ساحة الفكر العربي. وأنا هنا في بلدي السعودية، اسمع كلمة اعتدال باستمرار، وأعتقد بأنها تشكل عنصراً اساسياً في الخطاب العام كما في الخطاب الثقافي، وكأن الناس حتى في لاوعيهم، يريدون للاعتدال ان يقوى صوتاً ويصبح صاحب الكلمة الفصل. ان دور السلطات السياسية، وربما الثقافية ايضاً في الدول العربية، وفي السعودية كذلك، ان تفسح في المجال اكثر وأكثر لهذا الصوت المعتدل، لأنه قادر، في النهاية على تهدئة الأجواء. وأنا اتوقع حدوث هذا، ولكن الى أي حد ستوفق السلطات في تحقيقه، فهذا سؤال آخر. بيد ان التطورات التي نعيش تجهز هذا الاتجاه للنجاح... أي تغليب اصحاب الرؤى الناضجة وأهل التسامح والاعتدال على غيرهم. ومهما يكن الأمر، افضّل الرهان على هذا، لأن من شأنه ان يصنع تقدم المجتمع وأن ينتج ثقافة وحضارة حقيقيتين.

> من موقعك كرئيس لنادي الرياض الأدبي، وهو موقع سلطة في شكل او آخر، كما من موقعك الاجتماعي، ما الذي يمكنك ان تفعل لردم الهوة بين المثقف وبين الشرائح الاجتماعية المعتدلة؟


- طرح علي هذا السؤال كثيراً خلال الأيام الاخيرة، أي منذ اختياري لترؤس نادي الرياض. وكانت اجابتي ولا تزال ان المؤسسات الثقافية كتلك التي كُلفت مسؤوليتها، ستكون مهمتها الأولى تكريس قيم، قد لا اقول انها جديدة، لكنها ليست سائدة: قيم العمل الجماعي، قيم الحوار، قيم الاستماع الى الآراء المختلفة، ثم خصوصاً - وهذا يعيدنا الى سؤالك الاول - قيم قبول الآخر، وتعلّم كيفية التعاطي مع الاختلاف. وفي هذا السبيل صمّمنا نشاطات تحت عنوان عام هو «النادي ملك الجميع»... نريد من خلالها ان نقيم حواراً مع كل الشرائح التي تريد ان تعمل لرفقة المجتمع، بمن في ذلك المسلمون الاصوليون من ناحية، والراديكاليون اليساريون من ناحية ثانية. وبين هؤلاء وأولئك الناس البسطاء الطيبون الذين، لمناسبة معرض الكتاب في الرياض، شاهدوهم يتدفقون طالبين الحوار والثقافة، يبحثون عن فرصة للتعبير عن انفسهم... وعلى وجوههم تطوف كلمات مثل المستقبل، الاعتدال، وبناء المجتمع.